محاولات إيجاد مخرج لإسرائيل من حربها فى غزة.... التحدي الذي طرحته حرب المدن في غزة عدل نظرية الردع

أربعاء, 2024-04-10 02:04

بخطوات متسارعة أحيانا ومتباطئة أحيانا أخرى تتجه منطقة الشرق الأوسط منذ هجوم طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023 نحو ترجيح كفة حرب إقليمية في أقل السيناريوهات خطورة وفي أشدها إلى حرب عالمية ثالثة.

إسرائيل والذين ساندوها وتحالفوا معها بشكل مطلق من أجل تحقيق أهدافها عند قرارها الرسمي إعلان الحرب على غزة وبعد دخول الحرب شهرها السابع، يجدون أنفسهم في مأزق لأن آلياتهم العسكرية والإستخبارية والإعلامية لم تتمكن من انجاز ما كلفت به، بل على العكس تبين أن خصومهم من مقاومة فلسطينية وتحالفات إقليمية مساندة لفلسطين يحققون مكاسب على الكثير من الأصعدة ويكرسون عزلة تل أبيب ومن حالفها على الصعيد الدولي.

هذا المأزق دفع وبشكل خاص من يوصفون بالصقور في الدوائر الحاكمة والمسيرة في المعسكر المساند لتل أبيب للذهاب نحو التصعيد ضد أطراف متعددة في المنطقة فيما يعرف بأنه عملية فرار إلى الأمام لعل ذلك يمكنهم من تبديل معادلات وقواعد المواجهة وتوسيع دائرتها وضمان الإشراك العسكري المباشر للقوى الغربية الحليفة فيها وهو ما يأملون منه ترجيح فرصهم في تحقيق النصر الذي يبقى بعيد المنال بعد نصف سنة من الحرب.

مشكلة الساعين إلى توسيع نطاق الحرب هي أنه يوجد ضمن صفوفهم من أصبح يقدر أن مغامرة توسيع نطاق الحرب ستمنى بالفشل وقد تولد خسائر أوسع وأكبر، ولترجيح موقفهم يقدمون تجربة الحرب في أفغانستان كمثال. 

وكما كتب الصحفي والمحلل السياسي البريطاني ديفيد هيرست يوم 6 أبريل 2024:

"بعد مرور ستة أشهر، فإن ذلك الصرح الذي سمح للقوات الإسرائيلية بقتل أكثر من 33 ألف فلسطيني وإصابة 75 ألفاً آخرين، وتهجير أكثر من 2.3 مليون نسمة ثم تجويعهم، وهدم شمال غزة، وتدمير الخدمات الصحية، والإشارة إلى أنها ستفعل الشيء نفسه في رفح خلال الأشهر الستة المقبلة، آخذ في الانهيار".  

"الزعماء السياسيون الذين صوروا هذه المذبحة على أنها حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، والصحفيون الذين روجوا لقصص رعب خيالية عن الأطفال مقطوعي الرأس والاغتصاب الجماعي في 7 أكتوبر 2023، والمحرِرين الذين يتجاهلون يومابعد يوم قصصا عن قوافل المساعدات التي تستهدفها القوات الإسرائيلية، يندفعون الآن بحثا عن غطاء آخر".

"كل الحجج التي استخدموها لمواصلة هذه المذبحة تنهار بين أيديهم: أن هذه حرب عادلة، وأنه يجب السماح لإسرائيل بإنهاء المهمة، وأن الإجراءات المتخذة متناسبة، وأن العملية القانونية في محكمة العدل الدولية تعيق محادثات السلام بل ويمكن تجاهلها، حيث يمكن للمملكة المتحدة والولايات المتحدة توجيه اللوم لرئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو وفي الوقت نفسه مواصلة تسليحه".

ينتفض الغرب لاغتيال إسرائيل لسبعة من عمال الإغاثة في منظمة المطبخ المركزي العالمي بينما لم يحرك ساكنا على المذابح التي تجرى أمام الكاميرات لمدة ستة أشهر في غزة وقتل فيها أكثر من 33 ألف فلسطيني، فمذبحة موظفي المطبخ العالمي ليست فقط دليلا جديدا على وحشية إسرائيل بل أيضا دليل على عنصرية الغرب الفجة.

في الجانب الآخر أي ضمن أنصار المقاومة الفلسطينية من يصر على تجنب السقوط في فخ توسيع نطاق الحرب حتى لا يسمح لمعسكر الصقور بتحقيق مشروعهم.

رهانات معركة غزة المتنوعة شكلت رابطا وتكاملا طبيعيا ومنطقيا مع وفي نطاق صراع عالمي تشكل الحرب الدائرة منذ 24 فبراير 2022 في وسط شرق أوروبا جزء منه، حيث قدرت بعض أطراف حلف الناتو المشاركة بشكل أو بآخر في الحرب مع أوكرانيا ضد روسيا، أن فشل تل أبيب في محو حركة المقاومة الفلسطينية في غزة سيشكل هزيمة إضافية للغرب بما كل ما تعنيه من تعديل النظام العالمي القائم منذ تسعينات القرن الماضي وقواعده.

 

التحدي حتى النهاية

 

يوم 2 أبريل 2024 وبعد قصف قنصلية إيران بدمشق، وجه وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت رسالة إلى كافة بلدان الشرق الأوسط قال فيها: "أننا نعمل في كل مكان للإيضاح لكل من يعمل ضدنا في كافة أرجاء الشرق الأوسط أنه في مرمانا"، "نحن في حرب متعددة الساحات، هجوميا ودفاعيا". "أننا نتلقى أدلة على ذلك كل يوم، بما في ذلك الأيام القليلة الماضية، ونعمل في كل مكان كل يوم لمنع تقوية أعدائنا ولنوضح لكل من يعمل ضدنا، في جميع أنحاء الشرق الأوسط، أن ثمن العمل ضد إسرائيل سيكون باهظا".

وتطرق غالانت إلى قضية الرهائن، مؤكدا أن "الضغط العسكري كان ولا يزال العامل الرئيسي والأهم في عودة المختطفين. إن المرحلة المتقدمة التي وصلنا إليها في عملية تفكيك حماس، بالإضافة إلى المعلومات التي تأتينا من التحقيقات مع الإرهابيين المعتقلين، تجعلنا أكثر قوة في المفاوضات وتسمح لنا باتخاذ قرارات صعبة".

ولفت إلى أن "حماس لا تملك مصادر إستخباراتية مهمة. وكل تسريب من المناقشات المغلقة يخدم حماس".

مقابل تهديدات وزير الدفاع الإسرائيلي تحدثت مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية، يوم الجمعة 5 ابريل، في مقال، عن تعارض أهداف "إسرائيل" في حربها على غزة، مشيرة إلى أن خطط "إسرائيل" ليست منطقية.

وأوضحت كاتبة المقال أن "نتنياهو تعمد إعطاء أولوية القضاء على حماس على إطلاق سراح الأسرى منذ بداية الحملة العسكرية، من دون أن يكون لديه في الواقع خطة متماسكة لتحقيق أي من الأمرين".

ويواجه رئيس الوزراء اتهامات متزايدة من جانب المحللين العسكريين وجزء متزايد من الجمهور الإسرائيلي، بمجرد الرد على الأحداث، بينما يفتقر إلى الرؤية التي يمكن أن تنهي الحرب، وتحرر الأسرى، بحسب ما ذكرت.

ومع ذلك، "فهو لا يزال ساخطا"، وفق الكاتبة. وردا على الاحتجاجات، قال نتنياهو إنه في "اللحظة التي تسبق النصر"، فإن الانتخابات المبكرة من شأنها أن "تشل" البلاد ولن تفيد سوى حماس.

وأشارت إلى أن نتنياهو "وضع نصب عينيه الآن مدينة رفح في جنوب قطاع غزة، حيث لجأ أكثر من مليون فلسطيني إلى هناك"،مشيرة إلى أن "أي هجوم من هذا القبيل لن يثير غضباً دوليافحسب، بل سيجعل المفاوضات مع حماس أكثر صعوبة".

ولفت المقال إلى أنه "بعد فترة وجيزة من هجوم حماس في الـ7 من أكتوبر، أعلن نتنياهو الحرب. وكانت الرسالة الأساسية الموجهة إلى عائلات الأسرى هي أن قصف غزة من شأنه أن يضغط على حماس لحملها على إطلاق سراح الأسرى، وفي الوقت نفسه القضاء على حماس".

وأوضح أن نتنياهو "تجنب أسئلة أكثر جوهرية بشأن الكيفية التي يعتزم بها بالضبط للقضاء على حماس التي تتمتع بدعم شعبي هائل، ليس فقط داخل غزة وغيرها من الأراضي الفلسطينية، لكن أيضا في قواعد في لبنان وسوريا وإيران وأماكن أخرى". 

ووفقاً لتقويم التهديد السنوي الذي تجمعه الاستخبارات الأمريكية، قد تواجه "إسرائيل" أعواما من المقاومة من حماس، وهو تقويم يدعمه اثنان من كبار المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين، الذين تحدثوا إلى مجلة "فورين بوليسي".

وتساءلت الكاتبة قائلةً: "حتى لو تمكنت القوات الإسرائيلية، بعد أعوام من القتال، من تدمير حماس في غزة، فماذا عن تجسيدها في المستقبل؟ وحتى لو تمكن الجيش الإسرائيلي من تدمير فروع حماس على مدى فترة أطول من الزمن، فكيف سيتمكن نتنياهو من القضاء على فكرة المقاومة المسلحة من دون التوصل إلى حل سياسي في الأفق؟".

 

تأجيج النزاع  

 

يوم الثلاثاء 2 أبريل اتهمت روسيا إسرائيل بالسعي إلى "تأجيج" النزاع في الشرق الأوسط، محملة إياها مسؤولية الضربة "غير المقبولة" التي استهدفت القنصلية الإيرانية في دمشق الاثنين وأسفرت عن مقتل 13 شخصا، ونفذتها مقاتلات إف-35 بإطلاق صواريخ من داخل المجال الجوي لإسرائيل.

في تعليقها على الحدث كتبت صحيفة إيزفستيا الروسية أن الولايات المتحدة وإسرائيل تستفزان إيران بوتيرة متسارعة: وتدفعانها إلى المواجهة وجرها إلى حرب إقليمية، على خلفية القتال في قطاع غزة وهجوم الأول من أبريل، على القنصلية الإيرانية في دمشق جزء من تلك المحاولة. 

وبحسب الباحث السياسي، في كلية الاقتصاد بجامعة الصداقة بموسكو، فرهاد إبراهيموف:

"تواجه القيادة السياسية الإيرانية مهمة صعبة، لأن الهجوم الأخير على القنصلية الإيرانية من قبل القوات الإسرائيلية بمثابة صفعة على وجه إيران. فقد ضربت إسرائيل القنصلية تحديدا في الأول من أبريل. في هذا اليوم يجري الاحتفال بالذكرى الخامسة والأربعين لتأسيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية".

وفي رأي إبراهيموف، وجهت تل أبيب هذه الضربة لتظهر استعداد إسرائيل لـ "فعل أي شيء". وبطبيعة الحال، تجد طهران نفسها في وضع صعب، لأن هذا يشكل إلى حد ما ضربة لسمعة البلاد في الشرق الأوسط. وغياب الرد الجدي سيعني ضعف طهران، لكنه من ناحية أخرى قد يتسبب في حرب واسعة النطاق بين أطراف الصراع.

على الرغم من أن إيران لديها الآن أهداف مختلفة تماما، على سبيل المثال، تطوير العلاقات الاقتصادية مع الجنوب العالمي وروسيا والصين، كما يتضح من انضمامها مؤخرا إلى منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة بريكس.

ومع ذلك، بحسب إبراهيموف، من الضروري أن نأخذ في الاعتبار حقيقة أن إيران ترد عمليا على إسرائيل والولايات المتحدة من خلال أنصارها في المنطقة: حزب الله في لبنان وأنصار الله الحوثيين في اليمن.

الكاتب الأمريكي المعروف توماس فريدمان، قدم في مقال نشره بصحيفة New York Times الأمريكية، تصوره لما وصفه بعقيدة البيت الأبيض تجاه الصراع الدائر حيث كتب: نهاية التسامح الأمريكي مع إيران وكذلك مع رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، بما قد يعني تصعيدا كبيرا ضد طهران، مع السعي لتشكيل سلطة فلسطينية بقيادة مختلفة أكثر انصياعاً، للغرب مع تقديم وعد قوي بالعمل على إقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح، دون توضيح كيف يمكن الضغط على إسرائيل لتحقيق ذلك، تبدو هذه الملامح الرئيسية لـ"عقيدة بايدن الجديدة لمنطقة الشرق الأوسط" التي مازالت في طول التشكل.

 

مناورة جديدة

 

في نفس التوجه تقريبا وتحت عنوان لعبة واشنطن الجديدة كتب المحلل الروسي ميخائيل بليسيوك، في "أوراسيا ديلي" يوم 3 أبريل 2024:

وافقت واشنطن، كما أعلنت، على تشكيل حكومة فلسطينية جديدة، بل إنها مستعدة للتعاون معها "من أجل السلام" في المنطقة، وصرح مسؤولان في إدارة بايدن إن الولايات المتحدة تقترب من التوصل إلى اتفاق مع السلطة الفلسطينية لإنهاء ما يسمى بـ "مخصصات الشهداء والجرحى" المثيرة للجدل أمريكيا للأشخاص الذين ارتكبوا أعمال عنف ضد إسرائيل، بحسب ما ذكرت المجموعة الإعلامية المؤثرة "بوليتيكو".

تتكون خطة الإصلاح الأمريكية، وهي الأوسع للسلطة الفلسطينية، من حوالي عشرين مقترحا، وفقا لمصدر مطلع على الأمر.

ورغم أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس رفض فكرة حكم السلطة الفلسطينية في غزة مباشرة بعد الحرب، التي بدأت في 7 أكتوبر، إلا أنه يبدو الآن أكثر انفتاحا على الفكرة حسب التصورات في البيت الأبيض.

ويعارض رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو دور السلطة الفلسطينية في غزة، حتى مع إصرار الولايات المتحدة على عدم وجود جهة أخرى يمكنها القيام بهذه المهمة، ما لم ترغب إسرائيل في احتلال المنطقة المكتظة بالسكان. وكثيرا ما قال نتنياهو إن السلطة الفلسطينية لا تختلف كثيرا عن حماس.

على أية حال، فقد حققت واشنطن، على الأقل، تغييرا خارجيا في مشهد السلطة الفلسطينية. والآن، لدى البيت الأبيض حجج للضغط على بنيامين نتنياهو العنيد لقبول تسوية".

 

ماذا يريد الغرب

 

أثارت التحركات الأمريكية والأوروبية الخجولة للدفع نحو وقف إطلاق النار وإقرار هدنة إنسانية في قطاع غزة، تساؤلات بشأن تحول الموقف الغربي إزاء الحرب، والتداعيات على طبيعة دعمهم لنتنياهو خلال الفترة المقبلة.

المحلل السياسي والمستشار الاستراتيجي الإيطالي، دانييلي روفينيتي، يقدر إن التحول الأمريكي والأوروبي تجاه الموقف من حرب غزة ودعم نتنياهو يرتبط بالأساس بحقيقة أن إسرائيل لا تقدم منظورا للحرب مستقبلا.

وأضاف "روفينيتي"، أنه "لعدة أسابيع، كانت الولايات المتحدة تطلب من نتنياهو التفكير في استراتيجية تتجاوز هذه المرحلة من الحرب، لكن نتنياهو لا يستجيب لتلك الطلبات".

منسق العلاقات الألمانية العربية في البرلمان الألماني، وخبير العلاقات الدولية، عبد المسيح الشامي، ذكر أن حرب غزة تحولت بشكل أو آخر إلى عبء كبير على الحكومات الغربية التي بادرت من البداية لدعم إسرائيل في حربها، وكذلك نتنياهو في رئاسته للحكومة، تحت شعار حماية حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها ضد هجمات حماس.

وأوضح "الشامي" أنه على الرغم من إطالة أمد الحرب وسقوط الكثير من الضحايا المدنيين، والضغوط الداخلية في تل أبيب والعواصم الغربية، لا يزال نتنياهو يصر على تنفيذ عملية برية في رفح، والتي من شأنها أن تؤدي لكارثة إنسانية أكبر "ولن يتحمل الموقف الغربي مسؤولية مثل هذه الحرب وهذا الحجم من العمليات".

وأضاف: "الغرب لديه علاقات جيدة مع إسرائيل وسيستمرون في دعمها، لكنهم في ذات الوقت لن يتحملوا عبء الاستمرار في الحرب مع الضغوط على كل المستويات التي انتقلت من المستوى الشعبي إلى مستوى النخبة السياسية والثقافية، ثم لمستوى المؤسسات ومراكز صنع القرار، حيث باتوا يضغطون لاتخاذ مزيد من الإجراءات لوقف الحرب".

وأشار خبير العلاقات الدولية إلى أن المواقف الأوروبية مرتبطة بضرورة الحفاظ على حقوق الإنسان، كما يرتبط الموقف الأمريكي باقتراب الانتخابات الرئاسية التي يواجه فيها بايدن ضغوطا حتى داخل أركان حزبه للضغط على نتنياهو وحكومته، وبالتالي لن يستطيع مساندته أكثر من ذلك.

وتابع: "أعتقد أن نتنياهو أصبح شخصية مرفوضة على الصعيد الداخلي والخارجي، وبات التخلص منه وعناصر حكومته المتشددة ضرورة للدول الغربية ولسلامة إسرائيل نفسها".

وهذا ما ذهب إليه مدير مركز التحليل العسكري والسياسي في معهد هدسون، ريتشارد وايتز، والذي توقع الإطاحة بنتنياهو بعد فترة وجيزة من انتهاء حرب غزة.

وقال "وايتز" إن "الضغط الخارجي على نتنياهو قد يؤدي إلى نتائج عكسية وحشد الدعم خلفه داخلياً، على الرغم من توقعي إقالته بعد فترة من الحرب"، معتبرا أن موقف جميع الحكومات الغربية بات متشددا تجاه ما يحدث "على الرغم من كون بعضها أكثر تشددا من الآخر".

 

خلاف على الأدوات 

 

من جانبه، يرى الخبير المتخصص في العلاقات الدولية، أيمن سمير، أن الخلاف بين الولايات المتحدة وإسرائيل حاليا "حول الأدوات وليس بشأن الأهداف"، إذ هناك اتفاق كامل بين واشنطن وتل أبيب هدف القضاء على القدرات العسكرية والسياسية لحركة حماس وفصائل المقاومة في قطاع غزة، لكن مع أدوات مختلفة عن رغبة نتنياهو في تنفيذ عملية رفح.

وذكر سمير إن "هناك خلافا في الأدوات المستخدمة لتحقيق هذا الهدف، فالولايات المتحدة ترغب في تحقيقه عبر أدوات ناعمة مثل الجهود الدبلوماسية وإدخال المساعدات وحماية المدنيين، كما يكمن الخلاف الآخر مع العناصر المتشددة بحكومة نتنياهو خاصة مع وجود الوزيرين بن غفير وسموتريتش، حيث تنظر واشنطن لذلك على أنه ضرر بإسرائيل ومستقبلها وقبولها في الشرق الأوسط".

وأكمل قائلا: "ضغوط الرأي العام في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية وتحديدا في الجناح الليبرالي بالحزب الديمقراطي لعبت دورا في هذا التحول، حيث رأينا زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ تشاك شومر ينتقد نتنياهو بشكل مباشر.

كتب محلل عربي: الحروب لا تترك شيئا على حاله، تخرب وتدمر وتقتل وتغير القناعات وتبدل المواقف وترفع دولا وتهبط بأخرى، آثارها لا تقتصر على الدول المتحاربة فقط ولكنها قد تمتد إلى العالم كله، وهو ما لمسناه خلال السنوات الأخيرة من أزمات اقتصادية واجتماعية ودبلوماسية أفرزتها الحرب في أوكرانيا، وما نلمسه حاليا من آثار الحرب الإسرائيلية على غزة، وتوابع ارتدادات هذين الحربين لا تقتصر على ما لمسناه فقط، ولكنها ستتواصل عقودا، وقد تغير في خريطة القوى العالمية، وتفرز جديدا في خريطة التحالفات.

 

الغرب يشتري الوقت

 

كتب المحلل السياسي ألكسندر نازاروف:

في الأشهر الأخيرة، شهدنا ازديادا حادا في عدد المآزق الاستراتيجية التي يواجهها الغرب، والتي تعجز النخب الغربية عن إيجاد مخرج منها.

الأسوأ من ذلك هو أن معظم هذه الأزمات قد تبلغ ذروتها في نفس الوقت. 

في الولايات المتحدة أصبح فوز ترامب واضحا بشكل متزايد، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى أزمات داخلية في الولايات المتحدة وأوروبا وحلف "الناتو". ولا يستبعد أن تتحول الحرب الأهلية الخفية في الولايات المتحدة إلى حرب ساخنة.

من ناحية أخرى، فإن كل محاولات الغرب لتجنب الانهيار الاقتصادي باءت بالفشل، فلا يمكن قمع التضخم، وأسعار الفائدة المرتفعة تدمر قطاعات الأعمال، والنظام المصرفي يحتاج إلى جهاز تنفس صناعي مستمر، فيما يبيع أصحاب أكبر الشركات الغربية أسهمهم، والذهب أصبح أكثر تكلفة، والجميع يستعد لانهيار البورصات ويجري البحث عن مخرج.

هناك سؤال يطرح بوتيرة متصاعدة وهو هل تتمكن الولايات المتحدة من تجميد صراع أوكرانيا وبدء حرب كبيرة في الشرق الأوسط في العام 2024؟

أظن أن كل جهود أصحاب المال العالمي الآن تتركز على تأجيل الانهيار حتى فوز ترامب، وإعطائه "شرف" تلقي الضربة الناجمة عن خيبة آمال المواطنين وغضب الشعب.

في الوقت نفسه، وجهت الحرب في البحر الأحمر ضربة ساحقة للتجارة البحرية التي يسيطر عليها الغرب، والتي ستؤدي عواقبها إلى زيادة التضخم على أقل تقدير في غضون بضعة أشهر، ما سيسهم في الانهيار الاقتصادي الوشيك لنظام الدولار. من المؤكد أن العواقب يمكن أن تكون أسوأ بكثير، ولا توجد طريقة لمنعها دون تحييد إيران.

 

حرب الجميع ضد الجميع 

 

بالنسبة لإسرائيل، فإن حتى النجاح المحتمل في غزة لا يعني نهاية الحرب، كما أن إطالة أمد الحرب إلى أجل غير مسمى هو أمر غير مقبول لأسباب اقتصادية. وهو ما لا يترك أي خيار سوى التصعيد على أمل تحقيق نصر سريع على "حزب الله" ومن ثم إيران. في المقابل، فإن حربا كبرى مع "حزب الله"، بل وحتى توجيه ضربة إلى إيران، من شأنها أن تكون فرصة كبيرة لجر الولايات المتحدة إلى الحرب، ما سيؤدي إلى تفاقم مشكلاتها. 

وعلى العموم، فإن إيران، من خلال حرب إقليمية تتصاعد بالتدريج، قد انتقلت بالفعل إلى فئة اللاعبين العالميين الرئيسيين، ولكن هذا أيضا يجعل من تحييدها العاجل أمرا ضروريا للغرب، الذي يضطر هنا للاختيار بين روسيا وإيران كهدف ذي أولوية، وهو ما من شأنه أن يؤجل الصدام مع الصين إلى أجل أطول.

وأخيرا، أوكرانيا هي أكبر وأثقل قطعة دومينو، يمكن أن يؤدي سقوطها إلى صدام مباشر بين روسيا وحلف "الناتو"، الأمر الذي من شأنه أن يقلب العالم رأسا على عقب، ويطلق سلسلة من ردود الفعل لكل الانهيارات والهزائم الأخرى التي مني بها الغرب، منذ ذلك الحين، ومن غير المرجح أن تقتصر هذه الحرب على أراضي أوكرانيا.

وقد عانت أوكرانيا، التي تم تزويدها بالأسلحة، من فشل ذريع في هجومها. ويقوم الجيش الروسي، مثل جرافة الأسفلت، بسحق المواقع الأوكرانية ببطء، ولكن بلا هوادة على طول خط المواجهة بأكمله.

لقد أصبحت هزيمة أوكرانيا وانهيارها لأسباب داخلية أمرا لا مفر منه بالفعل، فيما يبدو أن هذا الأمر قد بدأ يصل إلى إدراك الغرب تدريجيا، استنادا إلى التصريحات الهستيرية للساسة الأوروبيين حول احتمال نشر قوات غربية هناك، وأن أوروبا ستكون في حالة حرب مع روسيا في غضون سنوات قليلة.

ومن غير المرجح أن يتصور الغرب أن تكرار المحاولة الهجومية، في ظل ظروف أسوأ بالنسبة لأوكرانيا، من شأنه أن يؤدي إلى نتيجة مختلفة وأكثر نجاحا.

إلا أنه من الممكن الحديث عن محاولة الغرب تمديد هزيمة أوكرانيا إلى ما بعد 2024 والرغبة المتأصلة لدى كافة الأطراف في البدء بأقل قدر من قائمة الأزمات. ولكن في ظل الظروف الراهنة، فإن كل شيء مترابط ومتفجر إلى حد أن عملية صغيرة تقوم بها "حماس" لتحرير السجناء الفلسطينيين قد تنتهي بحرب الجميع ضد الجميع على نطاق عالمي.

ومن الواضح أن الإمدادات الجديدة من الأسلحة الغربية لأوكرانيا لن تغير النتيجة المتوقعة لهذه الحرب. ومع ذلك، فإذا تحققت عمليات التسليم هذه، فإنها ستزيد بشكل كبير من احتمال أن تكون الحرب الكبرى الأولى حربا كبرى في الشرق الأوسط، ومن المرجح أن تشمل جيران إسرائيل ودول الخليج العربي.

 

تصدع

 

جاء في تقرير نشرته صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية بداية شهر أبريل 2024:

تتصدع الجبهة بين إسرائيل والولايات المتحدة بينما يهدد الجوع والنزوح والمرض والموت المدنيين في غزة.

إذا لم تحل إسرائيل والولايات المتحدة خلافاتهما وتتفقا على نهج قابل للتطبيق للمرحلة التالية في غزة، بما في ذلك كيفية تخفيف معاناة السكان وتهميش حماس، فإن حماس نفسها هي وحدها التي قد تخرج كمنتصر.

إن تصريحات الرئيس بايدن الصريحة بأن إسرائيل فشلت في الحد من الخسائر في صفوف المدنيين وتمكين المساعدات من الوصول إلى الفلسطينيين، وخطاب السيناتور تشارلز إي شومر، ديمقراطي من نيويورك، الذي انتقد فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، وتسامح الولايات المتحدة مع قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الذي عارضته إسرائيل بوقف إطلاق النار، أدت إلى توتر العلاقة بين البلدين بشكل نادر من قبل.

لا يتمتع بايدن ولا نتنياهو بشعبية في الداخل، إذ يتنافس بايدن مع الجناح اليساري في الحزب الديمقراطي، الذي ينتقد بشكل متزايد استمرار إسرائيل في الحرب. بينما تمسك نتنياهو بالسلطة فهو رهينة للجناح اليميني الذي يدعم ضم الضفة الغربية، إضافة للإسرائيليين المتطرفين، الذين ينظرون إلى معركتهم على أنها وجودية، وهم مستعدون لرؤية الحرب حتى النهاية للقضاء على حماس.

والحقيقة الأخرى هي أن حماس لا تزال تتمتع بقيادة سليمة تقود أربع كتائب متحصنة تحت الأرض. وفي الوقت نفسه فإن الظروف التي يعيشها مليوني نسمة في غزة مروعة.

هناك دلائل تشير إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل، على الرغم من كل الدراما الأخيرة، ربما شرعا في التحول من المسرح السياسي إلى الحنكة السياسية الناضجة. ووافق مستشارو نتنياهو على إعادة جدولة اجتماع مع كبار مسؤولي إدارة بايدن، والذي ألغاه رئيس الوزراء يوم الاثنين 26 مارس في استعراض للغضب من امتناع الولايات المتحدة عن التصويت على قرار الأمم المتحدة.

في هذه الأثناء، أجرى وزير الدفاع الإسرائيلي، يوآف غالانت، محادثات عملية مع فريق الأمن القومي التابع لبايدن حول موضوع مهم حقا وهو إذا كان بإمكان إسرائيل مهاجمة ما تبقى من قوات حماس في رفح دون التسبب في كارثة إنسانية لأكثر من مليون شخص.

ما ظهر كان عبارة عن بيان واضح من الإدارة ترك مجالا للولايات المتحدة لتأييد الهجوم على رفح، ولكن فقط إذا تضمن "خطة قابلة للتحقيق ويمكن التحقق منها لرعاية سلامة وأمن 1.5 مليون من سكان غزة الذين لجأوا إلى هناك"، كما قال المتحدث باسم الأمن القومي جون كيربي.

إن هذا الضغط بالغ الأهمية، والمسار المفضل في الأمد القريب يتلخص في التفاوض على هدنة لمدة ستة أسابيع مع حماس، تتيح لأفرادها إطلاق سراح بعض الرهائن على الأقل، وتسمح لإمدادات الإغاثة بالتدفق إلى غزة بأمان أكبر. ومع ذلك، فإن حماس، التي ربما شعرت بوجود فرصة في الخلاف بين الولايات المتحدة وإسرائيل، أحجمت حتى بعد أن خففت إسرائيل شروطها، وفي الوقت الحالي، يبدو أن المفاوضات لا تؤدي إلى أي شيء.

ورغم أسابيع من الحديث عن هجوم إسرائيلي "وشيك" على رفح، فإن مثل هذه الخطوة ستتطلب تحضيرات مكثفة وربما لا يمكن أن تبدأ قبل شهر على الأقل. وبغض النظر عما يحدث، فإن لدى إسرائيل الوقت الكافي لزيادة مستويات المساعدات التي تبدأ بالتدفق عبر نقاط التفتيش الإسرائيلية.

ومع ذلك، ليس لدى إسرائيل وقت غير محدود لإنهاء هذه الحرب وكل المعاناة الهائلة المصاحبة لها. ولا يستطيع أحد، سواء المجتمع الإسرائيلي، أوالمدنيون الذين يعانون في غزة، أو الرهائن الذين ما زالوا يقبعون في أنفاق حماس، أن يتحملوا حالة الجمود. وعلى الرغم من كل انتقاداته القاسية، لا يزال بايدن صديقا مقربا لإسرائيل ومستعدا لتحمل المخاطر السياسية لدعمها. وقد يعتمد مستقبل إسرائيل على فهم أنه عندما يقدم شخص مثل هذا النصيحة، فمن الحكمة الاستماع.

 

البحث عن مخرج

 

نهاية شهر مارس 2024 دعا رئيس البنك المركزي الإسرائيلي الحكومة إلى تبني سياسة مالية مسؤولة عبر كبح الإنفاق غير الدفاعي، لتعويض أي توسع إضافي في الميزانية العسكرية.

ولفت تقرير للبنك إلى أن ارتفاع تكلفة الجانب الأمني سيلزم الحكومة الإسرائيلية بالبحث عن مصادر دخل جديدة للحكومة، أو بمستوى الخدمات المقدمة للجمهور.

ومن التحديات التي تواجه الاقتصاد الإسرائيلي حسب تقرير لبنك إسرائيل: "ارتفاع عدد من يخدمون في الجيش من الاحتياط، المهجرون من منازلهم، ومنع دخول العمال الفلسطينيين".

وذكر أمير يارون، محافظ بنك إسرائيل، إنه من أجل تحديد حجم ميزانية الدفاع بطريقة مدروسة، ينبغي تشكيل لجنة قريبا، بمشاركة المهام الدفاعية والمدنية.

ووافق المشرعون على ميزانية الدولة المعدلة لعام 2024 التي أضافت عشرات المليارات من الشواقل لتمويل حرب إسرائيل ضد حماس في غزة.

على صعيد آخر قال العسكري الإسرائيلي إيال نافيه، أحد مؤسسي حركة "إخوان السلاح"، إن إسرائيل سوف تصبح مهددة بالانهيار ما لم ينضم الحريديم للجيش.

وذكر نافيه في تصريحات نقلها موقع واللاه العبري أنه "إذا لم ينضم الحريديم إلى الجيش والاقتصاد، فسوف ينهار المجتمع الإسرائيلي بعد 20 عاما".

تصريحات نافيه هذه جاءت على خلفية أزمة قانون التجنيد في إسرائيل والتي كان أخرَ فصولها قرارٌ أصدرته المحكمة العليا بتجميد الدعم لطلاب المدارس الدينية الذين يجب فرض التجنيد عليهم اعتبارا من 1 أبريل.

وأكد نافيه أن الجيش الإسرائيلي الذي يخوض حربا دموية في غزة ومواجهة مفتوحة مع حزب الله اللبناني ومع فصائل فلسطينية في الضفة الغربية، يحتاج إلى 10 آلاف جندي فورا وبشكل طارئ.

وأوضح أن تأمين هذا العدد من الجنود "يأتي فقط من الأصوليين (الأرثوذكس) المتطرفين.. نحن بحاجة إلى الأصوليين المتطرفين لتقديم يد المساعدة لنا". 

وأشار نافيه، وهو احد قادة التمرد في الجيش الإسرائيلي، إلى أن الجنود الحاليين بحاجة للعودة إلى أعمالهم، وقال متسائلا "أي مدير هذا الذي سيعيدني إلى العمل إذا غادرت لمدة 3 أشهر؟". 

وتابع أنه "في غضون 20 عاما لن تكون هناك دولة اسمها إسرائيل.. إذا لم ينضموا إلى الاقتصاد والجيش.. هناك مصاعب اقتصادية... يجب على الأرثوذكس المتطرفين الانخراط في التعبئة، وإلا فإن المجتمع الإسرائيلي سينهار".

من جهة أخرى، صرح نافيه إن الوضع في الحرب التي تشنها إسرائيل على غزة "انقلب" عليها. وأوضح قائلا: "لقد انتقلنا من توافق الآراء إلى لا شيء. هذا بسبب سوء الإدارة".

 

عمر نجيب

[email protected]