جائحة كوفيد 19 تنذر بتعديل قواعد النظام العالمي.... طوفان أزمة الديون وفرضية نهاية النظام الرأسمالي

ثلاثاء, 2021-04-06 12:08

وجهت جائحة كوفيد 19 أو كورونا ضربة موجعة للاقتصاد العالمي ابتداء من سنة 2020، في وقت كان فيه هذا الاقتصاد يتأرجح على حافة هاوية أزمات متتابعة برزت بقوة بداية من سنة 2007 ولم ينجح الساسة والاقتصاديون سوى في وضع مسكنات لها.

العالم دخل العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين في ظل كارثة جديدة لا يستطيع أحد حتى الآن تقدير نهايتها، وقبل الجائحة لم تكن الإصلاحات المالية والاقتصادية التي تم اتخاذها للخروج من الأزمة المالية لعام 2007 سوى حلول آنية وليست حلولا إستراتيجية مبرمجة لإصلاح الخلل الهيكلي في النظام الاقتصادي الرأسمالي العالمي.

تداعيات وارتدادات الأزمة القديمة بعد أن إضيفت لها كارثة الجائحة استفحلت وامتدت لتطال معظم اقتصاديات دول العالم. كما خلقت تغييرات أساسية في الأوضاع الدولية والعلاقات المالية والتجارية بين مختلف التكتلات العالمية.

لجأت أغلب دول العالم منذ بداية جائحة كورونا إلى ضخ آلاف المليارات من الدولارات في أجهزتها المالية من أجل تخفيف وقع الشلل الاقتصادي ولكن جل تلك الأموال كانت على شكل قروض سواء داخلية أو خارجية وهي غير مدعمة بالإنتاج في الدورة الاقتصادية مما يجعلها قنبلة قابلة للانفجار وبالتالي انهيار كامل للاقتصاد العالمي وفوضى ومجاعات وربما حروب.

البعض يقدر أن انفجار الأزمة المنتظر سيعني نهاية عصر النظام الرأسمالي وشروع العالم في البحث عن قواعد اقتصادية جديدة أكثر عدلا للجميع.

يقول عدد كبير من الاقتصاديين أن أوضاع الاقتصاد فرضت في ظل انتشار فيروس كورونا المستجد إعادة كتابة قواعد إقراض للبنوك المركزية وقيود اقتراض الحكومات، التي رسخت خلال العقود الماضية.

وأصبح من المقبول نسبيا في هذه الأوضاع الاستثنائية، تحطيم المحرمات الموروثة التي يفترض أن تقيم الخطوط الفاصلة بين سياسات الاقتراض الحكومية والبنوك المركزية.

وتعرف آليات لجوء الحكومات إلى الاقتراض من بنوكها المركزية لتمويل الإنفاق العام باسم "التمويل النقدي" وهي علاقة خطرة، أكدتها وقائع التاريخ من جمهورية فايمار الألمانية في ما بين 1918 و1933 وصولا إلى ما حدث في الكثير من دول أمريكا اللاتينية والكثير من بلدان العالم الثالث.

ويؤدي توفر التمويل السهل عادة إلى ارتفاع هائل في معدل التضخم نتيجة قيام الحكومة بضخ السيولة النقدية بحرية كبيرة في مختلف قطاعات الاقتصاد.

وخلال العديد من الأزمات المالية والاقتصادية السابقة، كان هناك التزام بمنع التمويل المباشر للحكومات من قبل البنوك المركزية، رغم أن تلك البنوك كانت تشتري كميات كبيرة من سندات الخزانة لتمويل الحكومات، لكنها كانت تشتري تلك السندات من السوق الثانوية، أي إنها تشتريها من مستثمرين وليس من الحكومات مباشرة.

أما اليوم فقد أصبحت أعداد متزايدة من خبراء السياسة النقدية تعتقد أنه لا بد من تجاوز سياسة الفصل النقدي بين الحكومة والبنك المركزي، في ظل أزمة وباء عالمية كبرى، وظهور ضغوط غير مسبوقة على ميزانيات الحكومات، وتراجع قدرة سوق السندات على تمويل الحكومات.

ونقلت وكالة بلومبرغ للأخبار الاقتصادية عن وليم بوايتر العضو السابق في لجنة السياسة النقدية في بنك إنجلترا المركزي قوله إن "الاستقلال لا يعني أنه يجب قول: لا، عندما يطلب منك التمويل المباشر للحكومة، وإنما يعني القدرة على قول: لا".

 

ديون لا تنتهي

 

يوم 19 فبراير 2021 أظهر أحدث تقارير لمعهد التمويل الدولي ارتفاع الدين العالمي إلى مستوى قياسي عند 281 تريليون دولار في 2020، مع توسع الحكومات في الإنفاق لمواجهة تداعيات جائحة كورونا.

ووفقا للتقرير فقد زاد الدين العالمي بمقدار 24 تريليون دولار إلى 281 تريليونا في 2020، من 257 تريليونا في 2019.

وأفاد المعهد إن الدين العالمي بهذه الزيادة بات يعادل 355 في المئة من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنهاية 2020، بزيادة 35 نقطة مئوية عنه بنهاية 2019.

وهذه الزيادة السنوية في حجم الدين العالمي أضعاف الزيادة إبان الأزمة المالية العالمية التي بدأت في 2008، ونتجت عن انهيار سوق الرهن العقاري بالولايات المتحدة، وامتد تأثيرها إلى كل أنحاء العالم. 

وزاد الدين العالمي بنسبة 10 في المئة في 2008، و15 في المئة في 2009.

ووفقا للبيانات الجديدة، فإن الدين الحكومي ارتفع ليشكل 105 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في 2020، مقابل 88 في المئة عام 2019.

وذكر المعهد إن الدول المتقدمة أضافت 10.7 تريليونات دولار من الديون الحكومية، إضافة إلى 10 تريليونات لدول أخرى خارج منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

وارتفع دين القطاع الخاص غير المالي إلى 165 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في 2020، من 124 في المئة في 2019.

ومنذ إعلان منظمة الصحة العالمية فيروس كورونا جائحة عالمية في مارس 2020 أطلقت حكومات العالم حزم إنقاذ ضخمة، بلغت 15 تريليون دولار، منها أكثر من 5 تريليونات في الولايات المتحدة وحدها، ومول معظمها بالاستدانة.

ورافقت ذلك سياسات نقدية بالغة التيسير، وخفض تاريخي لأسعار الفائدة من قبل البنوك المركزية حول العالم، بما في ذلك برامج بمليارات الدولارات لشراء سندات تصدرها شركات خاصة لمساعدتها على الاحتفاظ بالوظائف.

يوم الجمعة 2 أبريل 2021 حذر البنك الدولي في تقرير له من أن الدين العام لدول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا سيتضخم ويمثل 54 بالمئة من إجمالي ناتجها المحلي هذا العام مقابل 46 في المئة في 2019، بسبب النفقات المتعلقة بكوفيد-19.

وذكر البنك الدولي إن بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا شهدت "زيادة كبيرة في ديونها" بسبب اضطرارها إلى "الاقتراض بشكل كبير" لتمويل "تكاليف الرعاية الأساسية وإجراءات الحماية الاجتماعية".

وأوضح أن حجم دين الدول المستوردة للنفط في المنطقة سيشكل نسبة يمكن أن تصل إلى 93 بالمئة من إجمالي ناتجها المحلي في 2021.

وشهدت المنطقة التي تضم حوالي 20 دولة، انكماشا في اقتصادها بنسبة 3,8 بالمئة عام 2020. ويقدر البنك الدولي التراجع التراكمي للنشاط في المنطقة بحلول نهاية 2021 بنحو 227 مليار دولار. لكنه يتوقع تعافيا جزئيا عام 2021 "شرط أن يكون هناك توزيع عادل للّقاحات".

وعلى الرغم من تضخم الديون، ما زال البنك الدولي يوصي الدول بالإنفاق لمعالجة الأزمة الصحية، مؤكدا أن "مواصلة الإنفاق والاستمرار في الاقتراض سيبقيان ضرورة ملحة في الوقت الحالي".

واضاف "لن يكون لدى بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا خيار سوى مواصلة الإنفاق على الرعاية الصحية والحماية الاجتماعية طالما استمرت الجائحة".

لكن هذه المؤسسة المالية الدولية حذرت من أنه "في عالم ما بعد الجائحة"، من المتوقع أن "ينتهي الأمر بمعظم البلدان في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بفواتير خدمة ديون ستتطلب موارد كان يمكن استخدامها من أجل التنمية الاقتصادية ".

 

البحث عن حلول شاملة

 

في 13 أكتوبر 2020، استهل ديفيد مالباس وخبراء عالميون الاجتماعات السنوية للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي لعام 2020 بمناقشة تفصيلية ومهمة حول وضع حلول شاملة لارتفاع مستويات الدين العام.

وخلال هذه الفعالية، تم الاستماع إلى آراء مجموعة متنوعة من المشاركين الذين قدموا أسبابا وجيهة توضح أهمية الديون الآن. وقد حذرت أوديل رينو باسو رئيسة نادي باريس وكارمن راينهارت رئيسة الخبراء الاقتصاديين بالبنك الدولي من المخاطر التي يمكن أن يشكلها تراكم الديون على قدرة البلدان على إعادة البناء في أعقاب انحسار الجائحة. وشدد كيفن واتكينز، الرئيس التنفيذي لشبكة إنقاذ الطفولة، على التأثير الذي يمكن أن يحدثه ارتفاع مستويات الديون على الأجيال المقبلة، في حين تحدث إريك ليكومبت، المدير التنفيذي لشبكة يوبيل في الولايات المتحدة الأمريكية، عن السبب في أن زيادة مستويات الديون وارتفاع عدم المساواة يسيران جنبا إلى جنب. وذكرت جويس تشانغ، الرئيسة العالمية للبحوث – بمجموعة جي بي مورغان، أنه من المهم عدم تقييد الوصول إلى الأسواق، والتفكير في خيارات استثمارية مبتكرة لبلدان الأسواق الصاعدة.

ومن المواضيع الرئيسية التي أثيرت في هذه الفعالية التي وافق عليها العديد من المشاركين أن البلدان النامية ستحتاج إلى حل طويل الأجل لخفض الديون أو تسويتها في مواجهة جائحة فيروس كورونا. ولا تمنح عملية تعليق الديون الحالية التي تنظمها مجموعة العشرين البلدان الشعور باليقين الذي تحتاجه، كما أنها لا تلزم القطاع الخاص بالعمل مع البلدان النامية بشأن تخفيض الديون أو تخفيف أعبائها. وتشكل زيادة الشفافية حول حجم ما تقترضه الحكومات، والأسباب وراء ذلك، والجهة المقرضة عنصرا حيويا في التوصل إلى حلول فعالة.

واختتم المتحدث باسم مؤسسة المواطن العالمي إدريس إلبا هذه الفعالية برسالة، قال فيها: "لقد علمتنا جائحة كورونا أننا لا نستطيع النجاح إلا معا. فقد قلصنا معدل الفقر إلى أدنى مستوياته التاريخية، والحلول موجودة. لقد فعلناها من قبل، ويمكننا أن نفعل ذلك مرة أخرى. لقد حان الوقت الآن للعمل معا على التعافي والخروج من هذه الأزمة".

 

بعد نهاية العاصفة

 

جاء في تقرير اقتصادي صدر في لندن ونشر يوم 15 مارس 2020: قبل أن يضرب فيروس كورونا الاقتصاد العالمي، كانت قضية الديون الدولية المتراكمة سواء على الحكومات أو الأفراد أو الشركات قضية مؤرقة للجميع، فإجمالي الدين العالمي بلغ بنهاية الربع الثالث من عام 2019 حوالي 253 تريليون دولار، وهو رقم غير مسبوق في التاريخ، وكفيل بأن يمثل بالنسبة إلى كثير من الاقتصاديين سببا من الأسباب التي تعوق ارتفاع معدلات النمو العالمي.

الآن ومع تفشي فيروس كورونا في عديد من الدول، زادت أزمة الديون العالمية حدة وإرباكا، وربما لا تتجه الأنظار بقوة إليها الآن، نتيجة انشغال الرأي العام الدولي بالفيروس وسبل مواجهة الخراب الاقتصادي الذي أصاب المنظومة الاقتصادية العالمية.

لكن ماذا سيحدث بعد أن تهدأ عاصفة "كورونا"، هل سيكون بمقدور الاقتصاد الدولي التعامل مع أزمة الديون التي يتوقع الخبراء تزايدها بشكل ملحوظ خلال الأشهر القليلة المقبلة، خاصة أن مكافحة الفيروس ومواجهته أثقلتا عبء عديد من الحكومات، وحالتا دون ممارسة كثير من الشركات نشاطها الاقتصادي، وألحقتا بها خسائر جمة.

ذكر الدكتور روبنسون دين النائب السابق لمدير المعهد الدولي للتمويل، أن الوباء ضرب العالم في لحظة سيئة للغاية، لأن الاقتصاد العالمي مثقل بالديون أكثر من أي وقت مضى، وفاقم تفشي الوباء في دولة مثل الصين والولايات المتحدة من حدة الأزمة، فالأرباح التي حققتها البورصة الأمريكية منذ وصول الرئيس ترمب للسلطة عام 2016 التي تقدر بنحو 11.5 تريليون دولار ذهبت جميعها أدراج الرياح.

وأشار روبنسون دين، إلى أن تقديرات المعهد الدولي للتمويل تظهر أن نسبة الدين العالمي للناتج المحلي الإجمالي بلغت 322 في المائة في الربع الثالث من عام 2019، حيث تصل نسبة ديون الأسواق المتقدمة إلى 383 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهذا يشمل ديون الأسر والشركات والديون السيادية.

ويستدرك قائلا، "إن الصدمة الاقتصادية قادمة لا محالة بعد السيطرة على "كورونا"، فالديون ليست المشكلة في حد ذاتها، لكن تباطؤ القدرة على السداد سواء للشركات أو للحكومات سيفاقم الوضع، فانخفاض أسعار الفائدة لا يهم، إذا كانت الشركات والأفراد ليس لديهم السيولة المالية الكافية لسداد مدفوعات الديون".

يذكر أن معهد التمويل الدولي - أكبر تجمع للمؤسسات المالية في العالم - توقع في تقرير نشر مطلع عام 2020 أن يتجاوز الدين العالمي 257 تريليون دولار بنهاية الربع الأول من العام.

من جهته يعتقد آستون شيلي المحلل المالي في بورصة لندن، أنه على الرغم من الثقل الذي تمثله أزمة الديون العالمية، من الضروري الحفاظ على ثقة المستثمرين في الأسواق، والحيلولة دون تعرض البورصات لهزات ضخمة، خاصة في الولايات المتحدة.

وذكر شيلي بأن "الفيدرالي الأمريكي" ضخ 1.5 تريليون دولار لمنع الأسواق الأمريكية من الانهيار، وهذا الأمر سيمثل عبئا إضافيا على الديون العالمية، ودول الاتحاد الأوروبي واليابان والصين جميعا ستسير على هذا المنوال، ما يعني عمليا تضخم الدين العالمي، لكنه يبقى أفضل من تعرض البورصات للانهيار، لأن ذلك يعني فقدان الثقة بالاقتصاد الدولي برمته، بينما أزمة الديون يمكن التصدي لها لاحقا عبر إعادة الجدولة أو إسقاط ديون بعض الشركات أو منح الحكومات غير القادرة على السداد حزمة مساعدات إضافية.

الدكتورة إميليا تكنسون أستاذة الاقتصاد الكلي في جامعة بروملي والاستشارية في صندوق النقد، ترى أن فيروس كورونا ربما يدخل التاريخ الاقتصادي باعتباره الشرارة التي فجرت أزمة الدين العالمي.

وتفسر إميليا ذلك قائلة "إن الشركات أيا كان مستواها طورت إدمانا خطيرا على الديون، فأسعار الفائدة التي تم خفضها بعد عام 2008، جعلت عملية الإقراض تبدو مجانية بشكل كبير"، متوقعة أن تؤدي المستويات التاريخية لديون الشركات إلى تكثيف الضرر الاقتصادي، وقد تضطر الشركات التي تواجه ديونا جسيمة إلى خفض تكاليف الإنتاج وتسريح العمال وإلغاء التوسعات الرأسمالية لتتجنب التخلف عن السداد.

ومع هذا، تظهر إميليا تفاؤلا بإمكانية مواجهة مشكلة الدين العالمي والسيطرة عليها، وهي تعتقد أن تفادي انتشار الذعر خاصة بين الاقتصاديات الكبرى شرط أساس لمواجهة قضية الدين العالمي، منوهة بأنه لا يمكن حل تلك القضية دون وجود اتفاق دولي على الخطوات الواجب إتباعها والتزام الجميع بها.

وتعتقد إميليا أن مجموعة العشرين يمكنها القيام بدور مميز في هذا السياق، خاصة في ضوء الفكرة الأساسية لتركيبة المجموعة التي تضم ممثلين عن الدول المتقدمة والناشئة في آن واحد.

وتشير البيانات الدولية إلى أنه منذ عام 2008 أصدرت الشركات في جميع أنحاء العالم سنويا نحو 1.8 تريليون دولار في شكل سندات جديدة، وقد تباطأت مبيعات السندات خلال النصف الأخير من عام 2018، حينما بدأت البنوك المركزية في رفع أسعار الفائدة، لكن مع قيام تلك البنوك بخفض الفائدة تجدد النهم مرة أخرى إلى الديون. 

وقبل تفشي وباء "كورونا" نشر صندوق النقد الدولي تقريرا بأن 40 في المائة من الشركات في ثماني دول رائدة في الاقتصاد العالمي من بينها الولايات المتحدة واليابان والصين وعديد من الدول الأوروبية، غير قادرة على سداد مستحقات الديون عليها من خلال أرباحها في الظروف العادية، ومن ثم فإنه من المتوقع ارتفاع تلك النسبة في ظل التدهور الراهن في بيئة الاقتصاد الدولي.

ويعتقد بعض الخبراء أن الحديث عن أزمة ديون عالمية حديث تشاؤمي، يروج له بعض اليساريون والاقتصاديون المحافظون، مشيرين إلى أن الواقع الاقتصادي حتى في مرحلة ما بعد "كورونا" سيكون أقوى من التداعيات السلبية لقضية الديون المتراكمة.

 

المبشرون بالظلام

 

البروفيسور جونسون آرويل الرئيس السابق لقسم الاقتصاد في جامعة ريدز وزميل مدرسة لندن للاقتصاد، يعتقد أن من يصفهم "بالمبشرين بالظلام" يصطنعون حالة من الفزع الاقتصادي في العالم غير مبررة على الإطلاق.

ويضيف أنه "خلال الـ12 عاما الماضية ظل الجميع يقرع ناقوس خطر الديون، وأن أزمة الديون ستنفجر وستكتسح معها الاقتصاد العالمي، لكن الواقع أثبت أن تلك المخاوف مبالغ فيها، وفي أسوأ الأحوال توجد الديون عثرة هنا أو هناك، لكنها لا تؤدي إلى انهيار النظام الاقتصادي الدولي".

ويشير آرويل إلى أن مزيدا من الديون في الواقع كان يعني مزيدا من معدلات النمو، وحتى إذا كانت لدينا تقلبات اقتصادية فإن عوائد النمو كانت قادرة على تحقيق فوائد اقتصادية إيجابية وصافية مكنت الجميع من سداد مستحقات الدين.

لكن المشكلة من وجهة نظر آرويل تكمن في أن فيروس كورونا يمثل عبئا إضافيا وضاغطا على النظام المصرفي العالمي، وعلى الرغم من أن آرويل لا يعد من محبذي مواجهة التداعيات الاقتصادية السلبية لفيروس كورونا بخفض أسعار الفائدة، من منطلق أن الأزمة الراهنة تتعلق بالطلب وليس بالعرض، فإنه يبدو متفائلا للغاية بعد الانتصار على الفيروس.

ويستدرك آرويل قائلا "إن المعركة مع "كورونا" الآن ككل المعارك الحربية، خلال فترات الحروب ينكمش الاستهلاك، لكن بمجرد انتهاء الحرب يتكالب الناس مرة أخرى على الأسواق وتتوسع عمليات الشراء لتعويض ما فاتهم في الفترة السابقة، ولذلك أتوقع بمجرد إعلان الانتصار على "كورونا"، سترتفع معدلات الاستهلاك ويزداد نمو الاقتصاد العالمي".

ويضيف آرويل أنه "على العكس من الأزمة المالية لعام 2008، فإن القلق لا يجب أن ينصب في مرحلة ما بعد "كورونا" على إجمالي قيمة الديون، إنما على قدرة البنوك التجارية على التعامل مع الأوضاع المستجدة، وأن يكون لديها رؤوس أموال قادرة على تغطية القروض المعدومة، فأفضل الشركات الدولية مثل أبل وجوجل وفيسبوك وآمازون وعلي بابا الصينية وسامسونغ من كوريا الجنوبية وسيمنز من ألمانيا وأرامكو السعودية وغيرها من الشركات الكبرى جميعها لديها سيولة مالية ضخمة تقدر بمليارات الدولارات، ما يجعلها في مأمن من أي اهتزازات محتملة، وتلك الشركات هي الأعمدة الرئيسة للاقتصاد الدولي القادرة على جذبه إلى الأمام في لحظات الأزمة".

لكن آرويل يترك الباب مواربا ويرى أن "أزمة كورونا يمكن أن تمثل فرصة إيجابية للنظر في جوهر أزمة الديون العالمية، وهي حاجة المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف جاد وحازم لإعادة الهيكلة، خاصة بالنسبة إلى الشركات والبنوك غير الفعالة، وهذا لا يتعلق بقضية الديون بقدر تعلقه بأن تنامي أعداد المؤسسات غير الفعالة يجعل البنية الاقتصادية العالمية أكثر هشاشة وعرضة لصدمات عنيفة، وليس الديون في حد ذاتها".

 

شعور زائف بالاستقرار

 

بداية شهر مارس 2021 حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في حوار له مع صحيفة "فاينانشيال تايمز" من أزمة ديون عالمية بسبب وباء كورونا تهدد بموجة من الفقر والجوع والاضطرابات الاجتماعية والصراعات في الدول النامية حول العالم.

وأشار إلى أن العالم لا يدرك حجم كارثة الدين، وأن هناك شعورا زائفاً بالاستقرار مع إعلان ست دول فقط تخلفها عن دفع الديون "الإفلاس" هي الأرجنتين والإكوادور ولبنان وبليز وسورينام وزامبيا. وقال غوتيريش إن ذلك أدى إلى "سوء فهم لمدى خطورة الوضع". وأضاف أن "الاستجابة لكوفيد وللجوانب المالية "الناجمة عنه" كانت متشظية، وذلك الانقسام الجيوسياسي لن يكون عاملا مساعدا في مواجهة العالم لأزمة الدين العام".

وأشار الأمين العام للأمم المتحدة إلى اقتراض دول كبيرة متوسطة الدخل بكثافة في عام الوباء، وأغلب الاقتراض من السوق المحلية، حيث أسعار الفائدة عالية مقارنة بأسعار الفائدة قرب الصفر المتوفرة للاقتراض في الدول المتقدمة.

وذكر غوتيريش: "تلك إشارة في غاية السوء. هناك شعور زائف باستدامة الدين، لكن هناك خطر المفاجآت الكارثية، خاصة إذا كان التعافي أبطأ من المتوقع بسبب بطء حصول تلك الدول على اللقاحات".

ويقدر البنك الدولي أن هناك 120 مليون شخص حول العالم أصبحوا تحت خط الفقر نتيجة أزمة وباء كورونا، وأن أغلب هؤلاء في الدول متوسطة الدخل. وجاء حوار غوتيريش مع "فاينانشيال تايمز" متزامناً مع نشر مقترحات الأمم المتحدة للتعامل مع ديون الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، بما في ذلك الشكل الجديد من أشكال التمويل الذي يوفره صندوق النقد الدولي عبر "حقوق السحب الخاصة". 

وطالب الأمين العام للأمم المتحدة دول مجموعة السبع الغنية بتمويل صندوق النمو وخفض الفقر في صندوق النقد الدولي بوضع حقوق السحب الخاصة لديها في ذلك الصندوق لتمويل الدول متوسطة الدخل، وكذلك تمديد مبادرة تعليق دفع خدمة الديون، التي تشمل الآن 73 دولة. ودعا إلى توسيع نطاق المبادرة لتشمل عددا أكبر من الدول وتمديدها لعام آخر على الأقل. 

يوم 25 يناير 2021 جاء في تقرير لمنظمة أوكسفام الدولية حول عدم المساواة أن تسعة أشهر.. كانت الوقت الذي استغرقه أكبر 1000 ملياردير في العالم لاسترداد ثرواتهم بعد انتشار جائحة كورونا. في المقابل، سيستغرق أفقر فقراء العالم أكثر من عقد من الزمان للتعافي من الجائحة.

وقالت غابرييلا بوشر، المديرة التنفيذية لمنظمة أوكسفام: "إننا نشهد أكبر ارتفاع في عدم المساواة منذ أن بدأت السجلات. والانقسام العميق بين الأغنياء والفقراء يثبت أنه قاتل مثل الفيروس. الاقتصاديات المزورة تنقل الثروة إلى النخبة الثرية الذين يركبون موجة الوباء برفاهية، بينما أولئك الذين يقفون على خط المواجهة للوباء مساعدي المتاجر، والعاملين في مجال الرعاية الصحية، والباعة في السوق يكافحون لدفع الفواتير ووضع الطعام على الطاولة".

 

تسونامي الديون

 

نظرة صغيرة إلى الخلف تبين حجم الارتباك في التعامل مع قضية تضخم الديون. جاء في بحث نشر في لندن يوم 26 نوفمبر 2020: خلّفت جائحة كورونا أزمة مالية كبيرة تستمر تبعاتها سنوات للتكيف معها والتعافي من تبعاتها الخطيرة على النشاط الاقتصادي، بل قد تقود إلى انهيار عالمي إذ فشلت الدول في إقرار إصلاحات توقف حمى إصدارات الديون الضخمة والتي ارتفعت إلى 272 تريليون دولار نهاية سبتمبر 2020.

وقال محللون ومتخصصون إن أزمة الديون الحالية قد تقود إلى تسونامي اقتصادي يهدد العالم، وسيولّد أزمات مالية تعوق الانتعاش الاقتصادي المتوقع وسط ارتفاع مستويات الدين في الأسواق الناشئة والمتقدمة كافة.

وحسب تقرير حديث لمعهد التمويل الدولي، توقع أن يقفز الدين العالمي إلى مستوى قياسي مرتفع إلى 277 تريليون دولار نهاية السنة مع مواصلة الحكومات والشركات الإنفاق بسخاء في مواجهة جائحة كوفيد-19. وذكر التقرير أن إجمالي دين الأسواق المتقدمة قفز إلى 432 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثالث من السنة الحالية، مقارنة بحوالي 380 في المئة نهاية 2019.

بلغت نسبة الدين إلى الناتج الإجمالي في الأسواق الناشئة حوالى 250 في المئة في الربع الثالث، وسجلت الصين 335 في المئة، ومن المتوقع أن تبلغ النسبة العالمية حوالى 365 في المئة للعام بأكمله.

 

صعوبات شديدة في سداد الديون

 

وذكر معهد التمويل في تقرير، "ثمة ضبابية كثيفة تحيط بالطريقة التي يمكن للاقتصاد العالمي أن يسدد بها الديون في المستقبل من دون تداعيات وخيمة على النشاط الاقتصادي"، وذكر أن إجمالي الدين الأمريكي يتجه إلى بلوغ 80 تريليون دولار في 2020، ارتفاعاً من 71 تريليون دولار في 2019.

في منطقة اليورو، زاد الدين حوالى 1.5 تريليون دولار إلى 53 تريليونا حتى نهاية سبتمبر 2020، وعلى صعيد الدول النامية، شهد لبنان والصين وماليزيا وتركيا أكبر الزيادات في نسب دين القطاع غير المالي منذ بداية العام 2020.

وأورد التقرير، تراجع إيرادات حكومات دول الأسواق الناشئة إلى "صعوبات أشد" في سداد الدين حتى في ظل تدني تكاليف الاقتراض إلى مستويات قياسية منخفضة في أنحاء العالم، وقال معهد التمويل الدولي إن حوالى سبعة تريليونات دولار من سندات الأسواق الناشئة وقروضها المجمعة ستستحق السداد حتى نهاية العام 2021، حوالى 15 في المئة منها بالدولار الأمريكي.

وحذر طارق الرفاعي مدير مركز "كوروم" للدراسات الاستراتيجية في لندن، من أن العالم شهد خلال السنوات الـ 10 السابقة ارتفاعاً شديدا في الديون خصوصاً الدول الناشئة من حيث الشركات أو الحكومات من خلال طرحها سندات سيادية، وأشار إلى أن الارتفاع الحاد في اقتراض الدول الناشئة يرجع إلى عاملين، الأول الانخفاض التاريخي في أسعار الفائدة ووصولها إلى مستويات سلبية وقرب الصفر في أسواق رئيسة كاليابان وأوروبا والولايات المتحدة.

وذكر أن ذلك دفع المستثمرين من الدول المتقدمة إلى البحث عن الاستثمارات ذات العائد الإيجابي الأعلى من مستوى الصفر، في أسواق السندات الصادرة في الدول الناشئة، وهذا يعني الاتجاه إلى مخاطر أعلى، مضيفا أن "ارتفاعها لم يؤثر إلى الآن في الإقبال على السندات، فما زالت مستمرة في تحقيق أرقام قياسية"، وكشف الرفاعي أن العامل الثاني الداعم يرجع إلى الحاجة الملحة من هذه الدول للاقتراض المتزايد لضعف اقتصادها والحاجة إلى السيولة لتمويل ميزانيتها، وتابع، "المستثمر في هذه الدول يضخ استثماراته ذات المخاطر العالية، لأنه قد نرى تدهور هذه الأسواق وخسارة بعض المستثمرين بسبب إفلاس بعض هذه الشركات أو عدم سداد الديون من قبل هذه الدول مثلما رأينا في الأرجنتين وفنزويلا".

وتوقع، أن نشهد تكرار سيناريو التعثر عن السداد في دول ناشئة مرة أخرى، وسيكون إلقاء اللوم بسبب هذه الأوضاع على البنوك المركزية بالذات وسياساتها حيال أسعار الفائدة، ما دفع المستثمرين إلى الاستثمارات ذات المخاطر الأعلى، واليوم سيواجهون ارتفاعا في نسبة الإفلاس للشركات والحكومات مثلما حدث في الأرجنتين.

 

البداية منذ الأزمة المالية العالمية

 

الشريك المؤسس لأكاديمية "ماركت تريدر" الأمريكية لدراسات أسواق المال عمرو عبده قال إن الديون العالمية وصلت إلى مستويات قياسية لكن هذا الارتفاع بدأ منذ اندلاع الأزمة المالية العالمية في عام 2008.

وأشار إلى أن البنوك المركزية، تحديدا الفيدرالي الأمريكي، أطلقت خططا لخفض أسعار الفائدة، تمثل فرصة لتلك الاقتصاديات في الدخول إلى أسواق المال ومن ثم طرح سندات للاستدانة، موضحاً أن حجم الديون وصل حينها إلى 10 تريليونات دولار، والدولار الأمريكي بدأ يقوى مرة أخرى، ووجدت الاقتصاديات الناشئة نفسها أمام موقف صعب إذ إن زيادة قوة الدولار والفوائد عليه تزيد عبء ديونها.

وأضاف عبده، "حينما اندلعت جائحة كورونا أصبحت الدول الناشئة في موقف صعب أدى إلى خروج الاستثمارات الأجنبية منها، خصوصا، التي تعتمد على السلع في التصدير وجدت دخلها يقل بشكل كبير، إذ إنه وفقا لأحدث تقارير مؤسسة "جي بي مورغان"، زاد العجز في ميزانيتها حوالى 10 في المئة من متوسط دخل 72 دولة التي تمثل الاقتصاديات الناشئة".

وذكر إن اقتصاديات الدول التي تصدر خدمات كالصين محتفظة بتماسك مالي لعملاتها، وتسدد ديونها بشكل منتظم على الرغم من كورونا، ولكن هناك اقتصاديات ناشئة أخرى معتمدة بشكل كامل على السلع أي تعتمد إيراداتها على الريع إذ نجدها ومع تدني أسعار كالنفط، تعاني بشكل كبير، ولفت إلى أنه على سبيل المثال، نيجيريا دفعت حوالي 72 في المئة من إجمالي الإيرادات الحكومية لخدمة الديون منذ مطلع 2020. وتوقع، أن تشهد الديون في اقتصاديات الدول الناشئة تبايناً كبيراً الفترة المقبلة إذ سيعتمد على توجه المستثمرين حيال المخاطرة بالاستثمار بتلك الديون.

 

تراجع تكلفة الاقتراض بالدولار

 

وذكر تقرير حديث لبنك التسويات الدولية، أن تكلفة الاقتراض بالدولار تراجعت منذ خفّض مجلس الاحتياطي الاتحادي الأمريكي سعر الفائدة إلى قرابة الصفر هذا العام، لكن الأسواق الناشئة كثيراً ما تواجه خطر عدم قدرتها على سداد الديون بالدولار حين تنخفض قيمة عملاتها.

وتابع، "كانت الحال كذلك في الفصول القليلة الماضية، وسجلت ديون أفريقيا والشرق الأوسط أكبر معدل زيادة عند 14 في المئة بحسب البنك في اتجاه قادته دول الشرق الأوسط، وكذك ديون أسواق آسيا والمحيط الهادي تسعة في المئة وأمريكا اللاتينية خمسة في المئة، بينما تراجعت ديون الاقتصاديات الناشئة في أوروبا خمسة في المئة، ليستمر الاتجاه النزولي الذي شهدته السنوات الست الأخيرة مع تنامي أهمية الائتمان المقوم باليورو للمنطقة".

وأفاد بنك التسويات بأن الائتمان المقوم باليورو في أوروبا الناشئة، وهو تصنيف يشمل دولا مثل بولندا وجمهورية التشيك والمجر ورومانيا، تجاوز الديون الدولارية من حيث الحجم الكلي في وقت سابق من عام 2020.

 

الخطر الحقيقي في الموجة الثانية للوباء

 

المحلل المالي محمد علي ياسين ذكر إن الخطر الحقيقي الذي سيسرع تأثيرات الأزمة المالية وتفاقم الديون، هو موجات أخرىلتفشي كورونا وما يصاحبها من إغلاق كلي للأنشطة الاقتصادية مرة أخرى، ينعكس مباشرة على تفاقم الديون وتزايد حالات التخلف عن السداد، مرجحاً أن تمدد الدول الدائنة فترة تعليق الديون الأشد فقراً كأحد الحلول المؤقتة لحين تعافي الاقتصاد العالمي.

وقدر محللون في "غولدمان ساكس"، أن مخاطر التخلف عن سداد ديون سيادية في سبيلها للارتفاع أكثر في 2021، وثمة احتمالا كبيراً لتخلف كل من العراق وسريلانكا وأنغولا والغابون عن السداد، وآخر لتعثر ديون لدى روسيا البيضاء وموزمبيق ومنغوليا والسلفادور وباكستان مع ترجح منخفض نسبيا للتخلف عن السداد.

تقرير "غولدمان ساكس" أضاف، "شهد العام 2020 خمس حالات تخلف عن سداد ديون أو مبادلة ديون متعثرة بالفعل، إذ يستبدل مستثمرون الدين بسندات جديدة غالبا ما تكون لفترات استحقاق أطول وبقيمة مخفضة، في عام 2020 في أعقاب أزمة كورونا، وهو أكبر عدد في حوالى عقدين".

ولفت إلى أنه على الرغم من أن معظم الديون السيادية عالية العائد للأسواق الناشئة التي جرى فحصها تظل دون المستويات المرتبطة باحتمال حدوث تخلف عن السداد سابقا، فإن الإكوادور والأرجنتين ولبنان التي تخلفت عن سداد ديون في الآونة الأخيرة هي ضمن الأسواق التي يرتفع احتمال تعثرها الذي يعرف بأنه يتراوح بين التخلف عن السداد ومبادلة الديون المتعثرة.

عمر نجيب

[email protected]