تصعيد معركة إقامة نظام عالمي متعدد الأقطاب وتفريغ الهيمنة الغربية .... روسيا والصين تضبطان إيقاع الحرب الأمريكية ضد إيران

خميس, 2026-10-08 05:34

يتعثر العالم وسط أزمات اقتصادية وسياسية حادة ومواجهات مسلحة متسعة النطاق لا توجد مؤشرلت بشأن انحسارها بل على العكس تظهر المعطيات المتوفرة ومسار تسلسل الأحداث أن الأمور تقود في إتجاه مزيد من الإحتقان والتوتر والسير نحو مزيد من المواجهات.

هذه الأزمات المركبة والمتراكمة تعتبر في رأي الكثيرين نتاجا حتميا لتحولات كبيرة في موازين القوى العالمية سواء اقتصاديا أو عسكريا أو سياسيا، حيث ترفض القوى العالمية "الغربية" المسيطرة منذ إنهيار الاتحاد السوفيتي في نهاية عقد التسعينات من القرن العشرين إعادة العالم إلى نظام يقوم على أسس الأقطاب المتعددة بدلا من نظام القطب الواحد القائم على هيمنة الولايات المتحدة. ويشن أقطاب النظام العالمي الأحادي القطب ومن يتبعهم منذ أكثر من عقد ونصف وبحدة الحروب وعمليات إسقاط الأنظمة والحكومات وصنع الصراعات المحلية والإقليمية من أجل منع أي تعديل في المقومات التي ترسم وتبني موازين القوى العالمية الجديدة.

النظام الدولي يشهد تحولا عميقاً مع تراجع هامش الخيارات الأمريكية وصعود أدوار الصين وروسيا. وبين سعي واشنطن لإطالة الهيمنة، وحرص بكين على انتقال تدريجي، ورغبة موسكو في تسريع التغيير، تتزايد مخاطر سوء التقدير وعدم الاستقرار العالمي...

لم تعد الولايات المتحدة تمتلك اليوم هامشا واسعا من الخيارات الاستراتيجية المريحة، في ظل تصاعد التحديات البنيوية التي تواجه اقتصادها ومكانتها الدولية. فمع تجاوز الدين العام الأمريكي حاجز 40 تريليون دولار، وغلبة الطابع الخارجي على جزء كبير منه، لم تعد المسألة اقتصادية فحسب، بل تحولت إلى معطى جيواقتصادي يفرض نفسه على حسابات القوى الكبرى، ويؤثر بصورة مباشرة في مستقبل النظام الدولي وتوازناته.

اصرار واشنطن على التمسك بالنظام العالمي الأحادي القطب تجلى في الخطاب الذي القاه الرئيس الأمريكي ترامب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم الثلاثاء 23 سبتمبر 2026 ففي أول إطلاله خطابية له بالأمم المتحدة منذ عودته إلى الرئاسة استهزأ ترامب بدور المنظمة الأممية في إحلال السلام واتهمها بتشجيع الهجرة غير النظامية وندد بجهود احتواء التغير المناخي وبالاعتراف بدولة فلسطين.

عكس الخطاب الذي استغرق 56 دقيقة نهج ترامب المعتاد في مهاجمة المنظمة الدولية، كما كان يفعل خلال فترة رئاسته الأولى. وقال للجمعية العامة إنه نجح في حل صراعات عالمية عديدة دون مساعدة من المنظمة الدولية.

وأشاد ترامب بعمليات الجيش الأمريكي التي استهدفت قدرات إيران على تخصيب اليورانيوم خلال الحرب بين إيران وإسرائيل. وقال: "أكبر راع للإرهاب في العالم يجب ألا يسمح له أبدا بامتلاك أسلحة نووية".

واعتبر ترامب أن اعتراف مجموعة من حلفاء واشنطن بدولة فلسطين "مكافأة" لحماس على "فظائع مروعة" ودعا الحركة إلى الإفراج عن الرهائن لتحقيق السلام. وقال: "يجب علينا إنهاء الحرب في غزة فورا، يجب علينا وقفها نهائيا".

وشدد ترامب اللهجة في مسألتَي الهجرة والطاقة

وقال: "لقد حان الوقت لإنهاء تجربة الحدود المفتوحة الفاشلة"، دون أن يذكر الفروقات الكبيرة بين سياسات الهجرة الوطنية. وقال: "كلا من سياساتهم في الهجرة وأفكارهم الانتحارية في مجال الطاقة ستكون سببا في موت أوروبا الغربية إذا لم يتم اتخاذ إجراء فوري". وأضاف ترامب إنه يتعين على زعماء العالم انتهاج سياسته الصارمة تجاه المهاجرين، وأشاد بحملته لاعتقال وترحيل المهاجرين ممن دخلوا الولايات المتحدة بشكل غير قانوني، وهو موقف قابلته العديد من الدول في أنحاء العالم بتحفظ.

ووصف ترامب جهود التغير المناخي بـ"أكبر عملية احتيال مدبرة على الإطلاق في العالم". وخص طاقة الرياح بانتقاد مباشر. وقال: "لقد تم دفع ألمانيا إلى طريق ملئ بالمخاطر للغاية... سواء في مجال الطاقة أو الهجرة".

وحذر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب روسيا قائلا إنه مستعد لفرض إجراءات اقتصادية صارمة عليها بسبب الحرب في أوكرانيا. وهاجم ترامب الحلفاء الأوروبيين ولم تفلت من انتقاداته الصين والهند أيضا اللتين لم تتوقفا عن شراء النفط من روسيا. لكنه كان أكثر تحفظا نسبيا بشأن موسكو، وإن أبدى استعداد واشنطن لفرض عقوبات على روسيا لم يحدد طبيعتها.

ويشكل تحذير ترامب لروسيا أحدث محاولاته للضغط على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي رفض مناشدات الرئيس الأمريكي بالانسحاب من أحدث وأكبر حرب تشهدها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.

واعترفت فرنسا وبريطانيا وكندا وأستراليا والبرتغال رسميا بدولة فلسطينية خلال الفترة الاخيرة. وجاءت هذه الخطوات انطلاقا من استياء هذه الدول من الحرب الإسرائيلية في غزة، بهدف دعم حل الدولتين، لكنها أثارت غضب إسرائيل وحليفتها الولايات المتحدة.

 

القوة العسكرية

 

تعتبر سلطات واشنطن الحالية أن القوة العسكرية هي الأداة الرئيسية في رسم سياستها الخارجية رغم تحذيرات من أن تجارب حروب خاضتها أمريكا كشفت أن التفوق في مجال التسلح لم يمنع الهزيمة.

تنفق الولايات المتحدة ما يقارب تريليون دولار أمريكي سنويا على الدفاع والاستخبارات، وهو مبلغ يفوق مجموع ما تنفقه الدول التسع التالية لها في الترتيب. من بين هذه الدول التسع، أربع دول حليفة بموجب معاهدات، وثلاث دول صديقة (الهند، والمملكة العربية السعودية، وأوكرانيا). وتنفق الولايات المتحدة أكثر من ثلاثة أضعاف ما تنفقه الصين على الدفاع، وضعف ما تنفقه الصين وروسيا معا.

لكن هذه المقارنة لا تعكس كل الصورة على حقيقتها، فمثلا تكلف طائرة أف-35 الأمريكية زهاء 100 مليون دولار في حين لا تكلف أحدث طائرة صينية مماثلة أكثر من 50 مليون دولار.

مع ذلك، لا يمكن ضمان التفوق والهيمنة إلى الأبد. فالصين تحدث جيشها على كافة الأصعدة بوتيرة غير مسبوقة. وستقترب قواتها النووية من التكافؤ العددي مع أمريكا وروسيا بحلول نهاية العقد. وتتمتع قواتها البحرية بكافة مقومات أسطول بحري قادر على مواجهة الولايات المتحدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. كما تنشر قواتها الجوية مقاتلات وقاذفات من الجيل الخامس. ويجري تطوير قواتها البرية ورفع كفاءتها. أما نفوذها في الفضاء والفضاء السيبراني فهو واسع النطاق ويشكل تهديدا متزايدا.

تُعدّ الصين أيضاً عنصراً أساسياً في دعم اقتصاد الحرب الروسي من خلال شحن سلع حيوية ذات استخدام مزدوج لدعم قاعدتها الصناعية الدفاعية. كل هذا يعني أن الصين تمثل الآن "التهديد المتنامي" للجيش الأمريكي. ما لم يستثمر البنتاغون استثمارات جديدة كبيرة، فإن أمريكا تُخاطر بالتخلف عن الركب أمام القدرات العسكرية الصينية المتنامية، لا سيما في منطقة المحيطين الهندي والهادئ ذات الأهمية الاقتصادية البالغة.

 

القوة الاقتصادية

 

أفاد مركز أبحاث بأن الصين ستتجاوز الولايات المتحدة لتصبح أكبر اقتصاد في العالم عام 2028، وذلك قبل 5 سنوات مما كان متوقعا، ويرجع ذلك إلى تباين تعافي البلدين من جائحة فيروس كورونا.

تعد الصين محركا هاما لاستقرار وانتعاش الاقتصاد العالمي، حيث وصل معدل مساهمة الصين في النمو الاقتصادي إلى حوالي 30 في المئة، اذ أكدت دراسة أجراها بنك «إتش إس بي سي» العالمي أن الصين ستتفوق على الولايات المتحدة وسوف تصبح أكبر اقتصاد في العالم بحلول عام 2030، بإجمالي ناتج محلي سيبلغ 26 تريليون دولار، صعودا من 18.1 تريليون دولار حاليا.

وأشارت الدراسات المخصصة، على التوقعات الاقتصادية للسنوات الـ8 المقبلة، وشملت 75 دولة حول العالم، أنه في غضون 10 سنوات، ستسيطر الاقتصادات الصين والهند على الغرب وستؤثر على قراراتها، حيث تصبح اقتصادات العالم الناشئ ككل أكبر من اقتصادات العالم المتقدم.

وذكر بنك «إتش إس بي سي» في الدراسة، أن الصين ستظل أكبر مساهم في النمو العالمي خلال السنوات المقبلة، حيث من المتوقع أن تسهم البلاد في 70 في المئة من التوسع العالمي بحلول عام 2030.

وتتنبأ الدراسة أيضاً بأن الهند ستتفوق على اليابان وألمانيا لتحرز لقب ثالث أكبر اقتصاد في العالم، في حين ستخرج كل من أستراليا والنرويج من بين أكبر 30 دولة نتيجة لعدد سكانها الصغير والشيخوخة، كما سترتفع بنجلاديش 16 مركزا وصولا إلى المركز 26.

يعتقد بعض الخبراء أن الحرب الاقتصادية الأمريكية ضد الصين في السنوات الأخيرة، ما هي إلا محاولة محمومة لتعطيل انطلاقها الاقتصادي المتسارع في التوقيت الحرج، بعد أن أصبحت قاب قوسين أو أدنى من تجاوز الولايات المتحدة واحتلال المرتبة الأولى في العالم.

 

حتمية استمرار المواجهات

 

يوم الخميس الأول من شهر أكتوبر 2026 صرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن من المرجح جدا استمرار النزاعات الدولية مع تغير المشهد العالمي، مشيرا إلى أن الوضع سيتحسن مع تراجع ما أسماه "الهيمنة الغربية". وأكد بوتين ضرورة تجنب السيناريوهات الكارثية.

وقال "بغض النظر عن السيناريو الذي سيتكشف على الصعيد العالمي ‌في السنوات المقبلة، فإن استمرار النزاعات الدولية، للأسف، أمر مرجح جدا. ويرجع ذلك جزئيا إلى حقيقة أن التحولات الجذرية الجارية، والفرص التي توفرها، تغذي الطموحات والاستعداد للمخاطرة من أجل مكاسب تبدو هائلة".

نشر مركز "جيوبوليتك روسيا"، يوم الأحد الموافق 20/9/2026، نص حوار تلفزيوني مع المفكر الروسي ألكسندر دوغين، بعنوان "العالم متعدد الأقطاب لم يعد نظرية: من يالطا إلى نيودلهي".

يرى دوغين أن قمة "بريكس" من 12 إلى 13 سبتمبر 2026 في نيودلهي تمثل مرحلة جديدة في الانتقال من النظام الأحادي القطبية إلى نظام عالمي متعدد الأقطاب. فما كان قبل ثلاثين عاما مجرد نظرية، أصبح اليوم واقعا جيوسياسيا آخذا في التشكل.

بلغ النظام الأحادي ذروته في تسعينيات القرن الماضي، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، عندما اعتبر الغرب نفسه القوة العالمية الوحيدة، وتحولت العولمة إلى نظام يقوم على مركز غربي وأطراف تابعة له. لكن وصول فلاديمير بوتين، وصعود الصين، وعودة روسيا إلى مقاومة الهيمنة الغربية، بدأت جميعها في تقويض هذا البناء.

تجسد الأمم المتحدة، وفق دوغين، نظاما سابقا ولد بعد الحرب العالمية الثانية: نظام يالطا القائم على القطبية الثنائية، مع وجود حركة عدم الانحياز. وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي، حاول الغرب تجاوز هذا الإطار وبناء نظام قانوني أحادي القطبية تقوده "الديمقراطيات الغربية".

أما صعود التعددية القطبية، فيفرض هندسة دولية مختلفة. والسؤال اليوم هو: هل يمكن إصلاح الأمم المتحدة وتحويلها إلى مؤسسة تعكس تعدد الأقطاب، أم ستنشأ بنية دولية بديلة حول "بريكس" الموسعة؟

المسار العام واضح، لكن الشكل القانوني والمؤسسي النهائي للنظام الجديد لم يتحدد بعد.

يعتبر دوغين الهند "بيضة القبان" في الصراع بين الأحادية والتعددية. فإذا تموضعت بصورة راسخة إلى جانب روسيا والصين وإيران والبرازيل والدول الإفريقية المستقلة، يصبح العالم المتعدد الأقطاب حقيقة مكتملة.

لكن الهند تواجه تناقضات مهمة:

• لها تقاليد مناهضة للاستعمار، ومصالح في التحرر من الهيمنة الغربية.

• تمتلك هوية حضارية خاصة لا تنتمي إلى الغرب.

• لا توجد بينها وبين روسيا تناقضات جيوسياسية جوهرية.

• لكنها تتنافس إقليميًا مع الصين، وتواجه خلافات حدودية معها.

• تخشى الحركات الإسلامية المتطرفة، مما يقربها أحيانا من إسرائيل.

• يدفعها التنافس مع الصين إلى الاحتفاظ بعلاقة وثيقة مع الولايات المتحدة.

ومع ذلك، يعتقد دوغين أن مودي ظهر في قمة نيودلهي مدافعا نشطًا عن التعددية القطبية، ولا سيما من خلال الدعوة إلى تعزيز النظام الاقتصادي والتجاري داخل "بريكس"، وتقليل الاعتماد على الدولار.

 

بريكس والتحالف العسكري

 

يزعم دوغين أن نقاشا يدور خلف الكواليس حول إمكان تطوير "بريكس" نحو تحالف عسكري. وحجته أن الغرب، إذا رفض انتقال القوة سلميا وهدد الدول الساعية إلى نظام مختلف، فعلى معسكر التعددية أن يمتلك ردا متكافئا، يشمل المناورات المشتركة والمعاهدات الدفاعية.

وهو يرى أن إظهار الاستعداد للمواجهة لا يؤدي بالضرورة إلى حرب عالمية ثالثة، بل قد يمنعها عبر الردع. أما إظهار الخوف من الصدام، فيشجع الخصم على استخدام القوة.

إيران والحوثيون في ميزان القوى

يقدم دوغين صمود إيران أمام الهجوم الأمريكي الإسرائيلي، إلى جانب سيطرة أنصار الله على جنوب غربي اليمن وتأثيرهم في باب المندب، بوصفهما عاملين أضافا ثقلا استراتيجيا إلى المعسكر المتعدد الأقطاب.

فالمعركة، في تصوره، لم تعد بين دول منفردة، بل بين محور غربي يسعى إلى المحافظة على النظام الأحادي، ومحور أوراسي–جنوبي يريد إعادة توزيع القوة العالمية.

الغرب منقسم والشرق أكثر تماسكًا

يقسم دوغين الغرب إلى خمسة مراكز متنافسة:

1- أمريكا ترامب.

2- إسرائيل نتنياهو.

3- الاتحاد الأوروبي بقيادته الليبرالية.

4- بريطانيا وتوجهها الأطلسي الخاص.

5- التيار العولمي داخل الولايات المتحدة.

ويرى أن التناقضات داخل هذه المراكز وبينها تضعف قدرة الغرب على العمل الموحد. وفي المقابل، تقف روسيا والصين والهند بوصفها "إمبراطوريات حضارية" تقودها سلطات مركزية قادرة على التفكير الاستراتيجي الطويل.

ينتقد دوغين الديمقراطية الغربية لأنها تفرض التغيير المستمر في القيادة العليا، ويعتبر أن هذا يمنع الاستمرارية الاستراتيجية. لكنه يعترف بأن الغرب يعوض ذلك بوجود «الدولة العميقة» والمؤسسات غير المنتخبة.

هل وصلت التعددية القطبية إلى نقطة اللاعودة؟

لا يجزم دوغين بأن قمة نيودلهي كانت نقطة التحول النهائية. فقد يتبين لاحقا أن التحول وقع عند هذه القمة، أو مع بداية الحرب في أوكرانيا، أو عند أزمة تايوان، أو خلال الحرب مع إيران.

لا يمكن، في رأيه، تحديد لحظة الانتقال التاريخية أثناء حدوثها، لأن القوة المهيمنة لا تزال قادرة على شن هجوم مضاد وإبطاء المسار. لذلك يدعو روسيا والصين والهند إلى الانتقال من ردود الأفعال إلى استراتيجية بعيدة المدى لبناء النظام المتعدد الأقطاب.

الأخلاق والقوة في الغرب

يخصص دوغين جزءا واسعا للحديث عن الانقسام الأخلاقي والثقافي داخل المجتمعات الغربية. لكنه يحذر من افتراض أن التدهور الأخلاقي يعني الضعف الاستراتيجي تلقائيا، فالقوى التي لا تخضع لقيود أخلاقية قد تصبح أكثر عنفا وقدرة على استخدام وسائل لا يستخدمها خصومها.

ويرى أن على روسيا وحلفائها عدم تقليد أساليب الغرب، بل خوض المواجهة من موقع القيم الدينية والتقليدية. وهنا ينتقل تحليله من الجغرافيا السياسية إلى تصور ديني ثنائي يقسم الصراع إلى "قوى نور" و"قوى ظلام".

بريطانيا مرشحة للتفكك

يتوقع دوغين تصاعد النزعات الانفصالية في اسكتلندا وويلز وإيرلندا الشمالية، مع تراجع سلطة لندن وضعف الإمكانات التي تحافظ على وحدة المملكة المتحدة.

ويقدم تفكك بريطانيا المحتمل بوصفه نوعا من "إنهاء الاستعمار الداخلي"، وردا تاريخيا على الإمبراطورية البريطانية. لكنه يستخدم في هذا الجزء لغة هجومية شديدة، ويخلط التحليل الجيوسياسي بموقف أيديولوجي معادٍ لليبرالية والهجرة.

الذكاء الاصطناعي

في القضية الأخيرة، يرفض دوغين الاختيار بين النموذج التكنولوجي الغربي والنموذج الصيني المنفتح، ويرى أن روسيا تحتاج إلى موقف فلسفي وحضاري مستقل.

المشكلة عنده ليست تقنية فقط، بل تتعلق بمعنى العقل نفسه: هل العقل مجرد قدرة حسابية يمكن للآلة محاكاتها، أم أنه مرتبط بالإنسان والروح و"العقل الإلهي"؟ ولذلك يدعو إلى إخضاع التكنولوجيا للقيم الحضارية والدينية، بدلا من قبول فكرة التقدم التقني غير المحدود.

العالم المتعدد الأقطاب لم يعد مجرد نظرية، لكنه لم يتحول بعد إلى نظام دولي مكتمل. فالأحادية الأمريكية تراجعت، لكن النظام البديل لا يزال في طور التشكل، ومراكزه الصاعدة لا تتفق على قواعده أو قيادته.

 

حرب إيران

 

تشكل الحرب الإسرائيلية الأمريكية ضد إيران وإمتداداتها أحد أعمدة وركائز توجيه دفة الصراع الدائر حول النظام العالمي. هذه الحرب أحدثت وتحدث زلزالا عالميا على كل الواجهات تقريبا وتدفع بعدد من الاقتصاديات إلى حافة الهاوية. واشنطن تحشد القوات وتعاني الحيرة في خيار الحرب خاصة لإدراكها أن منافسيها الدوليين ينتظرون انكسارها يضاف إلى ذلك شكها المتصاعد في تمكن طهران من امتلاك السلاح النووي.

جاء في تقرير نشره موقع إرم نيوز يوم 4 أكتوبر 2026 نقلا عن شاترستوك:

تشير تقديرات الموقف والدراسات التحليلية الصادرة عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) في واشنطن إلى أن المواجهة العسكرية التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإيران تجاوزت كونها مجرد نزاع إقليمي، لتتحول إلى ساحة اختبار دولية كبرى للاستراتيجية الصينية بعيدة المدى.

ووفقا للقراءات الجيوسياسية المنشورة في مجلة "فورين أنديفيرز" ومعهد الشرق الأوسط، فإن بكين تراهن على أن صمود طهران في هذه المعركة كفيل بإنهاك القدرات الأمريكية، والتعجيل بولادة نظام دولي متعدد الأقطاب يكسر الهيمنة الأحادية لواشنطن.

وتؤكد تقارير المفوضية الأمريكية لمراجعة العلاقات الاقتصادية والأمنية مع الصين أن بكين تمثل اليوم المظلة الاقتصادية الأساسية التي تمنع انهيار النظام الإيراني تحت وطأة العقوبات الأمريكية المشددة.

وتشتري الصين حاليا ما يقارب 90 في المئة من إجمالي صادرات النفط الإيرانية الذي يعبر مضيق هرمز كنفط عراقي أو غيره، حيث يتدفق هذا النفط بمعدل يتجاوز مليونا وثلاثمائة ألف برميل يوميا عبر مصافي صينية مستقلة تعرف في أوساط الطاقة باسم "مصافي الإبريق"، وفقا لبيانات حركة الملاحة والطاقة الفعلية الصادرة عن مؤسسة "كبلر" للتحليلات.

ورغم الاعتقاد السائد بأن هذه المصافي تمتلك حصانة مطلقة، فإن وثائق وزارة الخزانة الأمريكية كشفت مؤخرًا عن رصد تعاملات لبعض هذه المنشآت مقومة بالدولار لاستيراد تكنولوجيات ومعدات تشغيل متطورة، مما دفع واشنطن إلى فرض عقوبات مباشرة وتجميد أصول طالت مصافي كبرى مثل "هينغلي بتروكيميكال" و"للوينغ بتروكيميكال"، بتهمة الشراء غير القانوني للنفط عبر أساطيل الظل.

ولمواجهة هذه الضغوط المتصاعدة، لجأت بكين وطهران إلى تطوير شبكة التفاف مالي وبحري بالغة التعقيد لضمان تدفق العوائد المالية اللازمة لتمويل اقتصاد الحرب الإيراني.

وتعتمد هذه المصافي حاليًا على قنوات مالية بديلة، مثل نظام الدفع الصيني عبر الحدود، واستخدام عملة اليوان في بنوك صينية متخصصة لا تمتلك فروعا أو أصولا في الولايات المتحدة، لتجنب ملاحقة واشنطن.

أما الجانب الأكثر خطورة وحساسية الذي رصدته وزارة الدفاع الأمريكية، فيتعلق بالدعم المعلوماتي والتكنولوجي المزدوج الذي تقدمه شركات فضاء وتكنولوجيا صينية عملاقة لطهران.

ووفقًا للبيانات الرسمية المنشورة في صحيفتي "وول ستريت جورنال" و"نيويورك تايمز"، فرضت الإدارة الأمريكية عقوبات مشددة على شركات أقمار صناعية صينية، أبرزها "ميزافيزشن" و"تشينغ غوانغ"، بعد ثبوت تورطها في تزويد طهران بصور استخباراتية وبيانات جيو-مكانية عالية الدقة.

وكانت قوات الحرس الثوري الإيراني قد استخدمت هذه البيانات الدقيقة لتعقب حركة القطع البحرية الأمريكية في المنطقة واستهدافها، علاوة على رصد البنتاغون لتمرير مكونات كيميائية وميكانيكية صينية ومواد أولية حيوية تستخدم لتطوير محركات الصواريخ الباليستية الإيرانية وتغذية ترسانة الطائرات المسيرة.

 

الردع في بحر الصين الجنوبي 

 

وترى مصادر غربية تحدثت لـ"إرم نيوز" أن بكين تنظر إلى الصراع الأمريكي الإيراني باعتباره فرصة ذهبية لاستنزاف القدرات العسكرية والترسانة الدفاعية الأمريكية دون أن تطلق الصين رصاصة واحدة.

وتشير المصادر ذاتها إلى أن كل صاروخ اعتراض ذكي ومتطور من منظومات "باتريوت" أو "ثاد" تستهلكه واشنطن في سماء الشرق الأوسط لمواجهة المقذوفات والمسيرات الإيرانية، يمثل اقتطاعا مباشرا ونقصا حادا من المخزون الاستراتيجي الأمريكي المخصص أساسا لحماية تايوان أو تعزيز الردع في بحر الصين الجنوبي.

وتؤكد أن هذا النزيف العسكري المستمر يجبر الولايات المتحدة على تشتيت انتباهها وتأجيل استراتيجية الاستدارة نحو آسيا لتطويق المارد الصيني، مما يمنح بكين مساحة تنفس أوسع لفرض نفوذها وبناء قواعد نفوذ متينة في المحيط الهادئ، مستغلة الانشغال الأمريكي الكامل.

 

ورغم المكاسب السياسية التي تجنيها بكين، فإن خبراء أمن الطاقة في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) يؤكدون وجود خطوط حمراء للصين في هذا الصراع، كما أن اعتماد المصانع الصينية الحيوي على النفط المستورد يجعل من إغلاق مضيق هرمز لفترات طويلة تهديدا مباشرا لنموها الاقتصادي، لكونه يتسبب في قفزة حادة لأسعار الوقود وتكاليف الشحن الدولي، ما قد يرتد سلبا على حركة الصادرات الصينية نحو الأسواق العالمية.

 

النزاع في حدود الاستنزاف

 

لذلك، يقود المتحدث باسم الخارجية الصينية غو جياكون حراكا دبلوماسيا مكثفا بالتوازي مع الدعم الخلفي لطهران، حيث تضغط بكين بكل ثقلها لحث واشنطن وطهران على العودة إلى مذكرة تفاهم إسلام آباد.

وتأتي هذه الخطوة بناء على رؤية وزير الخارجية الصيني وانغ يي بضرورة إعادة بناء آلية تفاوضية تعتمد على الاتفاقيات التي رعتها باكستان، بهدف إبقاء النزاع في حدود الاستنزاف المنضبط لأمريكا، دون شل حركة التجارة الدولية أو التسبب في انهيار اقتصادي عالمي يضر بالصادرات الصينية.

من جانبه، يرى المحلل السياسي نعمان جوهر الطيب أن بكين توظف نفوذها السياسي على المستوى الدولي كحائط صد لحماية طهران من العزلة الشاملة.

وأوضح في تصريح لـ"إرم نيوز" أن بكين توظف نفوذها السياسي كحائط صد للتخفيف من وطأة الحصار الخانق الذي تفرضه واشنطن ومحاولاتها لعزل طهران دوليا بشكل كامل.

ويوضح أن الصين استخدمت، بالتنسيق الوثيق مع روسيا، حق النقض "الفيتو" في مجلس الأمن الدولي لإجهاض مشاريع القرارات الأمريكية التي كانت تسعى لشرعنة الحصار البحري المفروض على إيران.

ويضيف أن الدبلوماسية الصينية ترى أن إفشال الغطاء القانوني للتحركات الأمريكية الفردية يمثل حماية غير مباشرة للمصالح الصينية، ويمنع واشنطن من استخدام الأمم المتحدة كأداة لتمرير عقوباتها الاقتصادية وحصارها العسكري ضد الدول، وتحويل ذلك إلى سوابق قانونية دولية يمكن توظيفها ضد بكين مستقبلًا في ملفات السيادة الحساسة بالمحيط الهادئ.

ويتضح من خلال المعطيات السابقة أن الحرب الأمريكية الإيرانية تتجاوز حدود الصراع الإقليمي التقليدي، حيث تبدو الصين وكأنها المايسترو الحقيقي الذي يدير المعركة مع الولايات المتحدة من وراء الستار لحماية وتمرير استراتيجيتها الكبرى. فطهران، برغم مواجهتها الميدانية المباشرة، تتحرك فوق رقعة شطرنج دولية تحرص بكين على توازن حوافها بدقة.

ومن خلال إمداد بكين لطهران بأطواق النجاة الاقتصادية وشرايين الدعم التكنولوجي والمعلوماتي، تضمن القيادة الصينية بقاء حليفتها في موقف الصمود، ما يحول الحرب الحالية إلى كمين يستنزف مقدرات واشنطن العسكرية والمالية ببطء.

 

وبناء على ذلك، فإن بكين تقود المواجهة دون اضطرارها إلى صدام عسكري مباشر، مستخدمة الجبهة الإيرانية كأداة رئيسية لتفكيك الهيمنة الأحادية ودفع واشنطن نحو حافة الإرهاق الاستراتيجي، وهو ما يمهد الطريق لفرض نظام دولي متعدد الأقطاب.

 

الإقرار بالفشل... أو كارثة اقتصادية

 

جاء في تقرير نشر في العاصمة اللبنانية بيروت يوم 28 سبتمبر 2026:

تتصدر تداعيات الحرب على إيران المشهد السياسي والاقتصادي في واشنطن مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، حيث تضع أزمتا الطاقة والتضخم الإدارة الأمريكية أمام خيارين أحلاهما مر: الإقرار بالفشل أو مواجهة كارثة اقتصادية.

فيما تطوي الحرب على إيران شهرها السابع، وسط تفاقم تداعياتها، تقترب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، المقررة في الثالث من نوفمبر 2026، لتضيف بعدا انتخابيا إلى حسابات واشنطن. وهو بعد من شأنه ربما تقليل فرص التوصل إلى اتفاق سلام لا تريده الأخيرة حاليا، لما قد يعنيه من إقرار بنتيجة الحرب. في الوقت نفسه، تبدو الولايات المتحدة عاجزة عن استئناف الهجوم العسكري، وذلك لأسباب متعددة، أبرزها عدم جدوى أي هجوم جديد، فضلا عن تداعياته السلبية المتوقعة على الوضع الانتخابي للحزب "الجمهوري".

وفي ظل تحول الحرب على إيران إلى عنوان انتخابي أساسي، باتت ثلاثة ملفات رئيسة مرتبطة بتداعياتها تتصدر المشهد الانتخابي، وفق ما يذهب إليه الباحث الاقتصادي والوزير السوري السابق، حسين القاضي، المقيم منذ عدة سنوات في الولايات المتحدة. ويتمثّل أوّل هذه الملفات، بحسب ما يبيّنه القاضي في حديثه إلى "الأخبار"، في أسعار النفط والغاز، التي تأثرت بشدة بالوضع الراهن في مضيق هرمز والحصار المفروض على إيران، وكذلك بوضع مضيق باب المندب الذي بات تحت سيطرة "أنصار الله". وكما هو معلوم، فإن ارتفاع تلك الأسعار ينعكس سلباً على تكاليف النقل، سواء للآليات العاملة على البنزين أو الديزل، ويؤثر أيضاً في صناعة الأسمدة والمنتجات البتروكيماوية. وهذا كلّه يؤدي في النهاية إلى ارتفاع أسعار المواد الأولية ومختلف أنواع السلع النهائية، أي إلى زيادة معدلات التضخم، التي بدورها ستتسبب في زيادة أسعار الفائدة، وبالتالي ارتفاع معدلات الفائدة على القروض العقارية وغيرها. أما الملف الثاني، فيتمثل، وفق القاضي، في ارتفاع المديونية المرتبطة بسندات الخزينة الأمريكية، وما يستتبعه ذلك من حاجة الكونغرس إلى رفع سقف الدين، وبالتالي إيقاع تأثيرات سلبية على الاقتصاد الأمريكي خصوصا والاقتصاد العالمي عموما. ويأتي ثالثاً انخفاض أسعار الأسهم وتراجع كتلة الاستثمارات في أسواق المال، في الولايات المتحدة والعالم.

ويؤكد القاضي أن هذه التداعيات ستنعكس على موقف الناخب الأمريكي، متوقعا تراجع نسبة التصويت لـ"الجمهوريين" لمصلحة الديمقراطيين. وفي ما يتعلّق بتصريحات الرئيس دونالد ترامب الأخيرة حول انخفاض أسعار النفط بعد الانتخابات، يرى القاضي أنها "لا تتجاوز محاولة لطمأنة الرأي العام، أكثر من كونها تعبيراً عن مسار محسوم للأحداث"، خصوصا أن ترامب يهدد إيران تارة، ويفتح باب التفاوض معها تارة أخرى. وعليه، تهدف تلك التصريحات إلى محاولة الحد -أقلّه راهناً- من ارتفاع أسعار النفط والغاز وانعكاساته على الاقتصاد، والأهم على مواقف الناخبين الأمريكيين.

وإذ تشير نتائج استطلاعات الرأي إلى أن هناك تراجعاً تدريجياً في شعبية ترامب و"الجمهوري"، بما يهدد الأخير بخسارته الأغلبية في مجلسَي النواب والشيوخ، ويعقد، في الوقت نفسه، تمرير الكثير من التشريعات والقرارات لصالح إدارة ترامب، يربط القاضي ذلك بسياسات الرئيس القائمة على "الصفقات الفردية" -التي تتم تحت شعار "أميركا أولا"-، والتي يرى أنها مثّلت خروجاً عن المبادئ العامة للعلاقات الدولية وأحدثت خللا فيها.

إن رفعت واشنطن الحصار تكون قد أقرت بفشلها في هذه الحرب، على أن نتيجة الحرب على إيران ليست خسارة صافية، بل ثمة مستفيدون كثر منها، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً. فعلى الصعيد السياسي، بات العالم يدرك ماهية الأهداف التي سعت كل من الولايات المتحدة وإسرائيل إلى تحقيقها من هذه الحرب، إلا أن تلك الأهداف لم تتحقق إلى الآن، وهذا ما يعزى إلى الصمود الإيراني. أما اقتصاديا، فإن التأثيرات يمكن أن تتوزع على فئتين: الأولى، تتضمن النتائج السلبية والخسائر، وهي الأوسع من حيث حجمها وعدد المتأثرين بها على مستوى الولايات المتحدة والعالم، أفرادا ومؤسسات وشركات وغيرها، فيما تشمل الفئة الثانية المكاسب والأرباح، وهذه كانت حكرا على فاعليات محددة.

وفي الداخل الأمريكي، يقول الخبير الاقتصادي إن الجانب السلبي للحرب تَمثل خصوصاً في ارتفاع أسعار حوامل الطاقة، وزيادة التضخم ومستويات الأسعار، بما جعل غالبية المواطنين يتحملون كلفة ذلك في معيشتهم ومصادر دخلهم. وفي المقابل، حقّقت شركات النفط الأمريكية أرباحا كبيرة من ارتفاع أسعار النفط والغاز، ولا سيما مع زيادة صادرات الولايات المتحدة من المادتَين المذكورتين لتعويض جزء من النقص في الأسواق العالمية. أيضاً، استفادت شركات السلاح والذخيرة ومصانعهما من الطلب المتزايد، وذلك بعدما استنزفت خلال الحرب مخزونات الأسلحة، وخصوصاً الصواريخ الاعتراضية الباهظة الثمن المستخدمة في مواجهة الصواريخ والمسيرات الإيرانية. بمعنى آخر، ربحت الشركات، بينما خسرت الحكومة.

لطالما ارتبطت الحروب، في الأدبيات الاقتصادية، بانتعاش قطاعات محددة في اقتصادات الدول الكبرى، تحديدا عبر بيع السلاح والسيطرة على منابع النفط والثروات وغيرها. وفي هذا الإطار، يرى القاضي أن القاعدة التقليدية في اقتصادات الحرب تشير إلى ترابط قطاعين أساسيين، هما "الصناعات العسكرية" الذي يزداد الطلب على منتجاته في أثناء الحروب، و"النفط والغاز" الذي تتسبب المخاوف وعرقلة سلاسل التوريد في رفع أسعار منتجاته عالميا، وبذلك تحقق شركات النفط أرباحاً كبيرة على حساب قطاعات الاقتصاد الأخرى.

وفي حال الحرب على إيران، يرى القاضي أن ارتفاع أسعار الطاقة لم يكن أمراً مرغوباً فيه، خاصة بعد فشل حرب الأربعين يوما. إلا أن سيطرة إيران على "هرمز" أدت إلى "تغيير شامل لقواعد اللعبة، فأصبحت أولوية إنهاء الحرب هي فتح المضيق، بغية خفض أسعار النفط والغاز عما هي عليه الآن". وهذا، بحسبه، "يظل مرهونا بفتح طهران للمضيق، وهي لن تفعل ذلك إلا إذا تم رفع الحصار المفروض عليها". وهنا، تجد واشنطن نفسها أمام امتحان صعب، فهي إن رفعت الحصار، "تكون قد أقرت بفشلها في هذه الحرب، وإن لم تفعل، فإنها تجعل استمرار الوضع الراهن كارثياً على الاقتصاد العالمي، لا سيما مع اقتراب فصل الشتاء وتراجع مخزونات النفط الاحتياطية العالمية إلى أدنى مستوى لها".

وحتى في حال فتح "هرمز"، فإن ذلك "لا يعني عودة صادرات الخليج العربي من النفط والغاز فوراً إلى مستويات ما قبل 28 فبراير 2026. فالضربات الإيرانية وما خلّفته من أضرار فنية في حقول النفط والغاز ومنشآتهما تحتاج إلى وقت لإصلاحها وتجاوز تداعياتها، وذلك بحسب القاضي، الذي يشير أيضاً إلى أن المخاوف من عودة الحرب وارتفاع مستوى المخاطر تدفع شركات النقل والشحن والتأمين إلى الإبقاء على أسعار مرتفعة لخدماتها.

 

واشنطن تبتز الحلفاء

 

خضعت "مجموعة السبع" لتهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وستلجأ إلى مخزوناتها الاستراتيجية لاحتواء أزمة الديزل. ويأتي هذا فيما تثير تداعيات العدوان على إيران مخاوف من استنزاف الاحتياطيات دون معالجة جذور أزمة الطاقة. 

ويرى الخبير سعيد محمد أنه في مسعى منها لخفض أسعار الديزل التي بلغت مستويات قياسية عالميا، أعلنت "مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى" (G7) التي تضم كلا من بريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا واليابان والولايات المتحدة وكندا، ويشارك الاتحاد الأوروبي في اجتماعاتها، يوم 2 أكتوبر 2026، اتفاقها على الإفراج عن 100 مليون برميل من المخزونات الاستراتيجية، على أن يبدأ الضخّ فوراً ويتوزّع على الأشهر الأربعة القادمة. وقال قادة المجموعة التي تتولّى فرنسا رئاستها الحالية، في بيان مشترك لهم بعد اجتماع عبر تقنية الفيديو، إن عملية الإفراج ستتضمن كمية كبيرة من الديزل تضخ خلال العشرين يوماً الأولى، بالتنسيق مع "وكالة الطاقة الدولية"، وذلك بعدما أعلن الرئيس الأمريكي، ترامب، قبل لحظات من صدور البيان، أن أوروبا "وافقت على الإفراج عن كمية ضخمة من مخزوناتها من زيت الديزل".

وكانت أسواق الطاقة العالمية قد شهدت اضطرابات متسارعة منذ انطلاق الحرب الأمريكية - الإسرائيلية ضد إيران في 28 فبراير 2026، إذ أدى قصف المنشآت النفطية عبر الشرق الأوسط إلى تدمير جزء كبير من قدرات التكرير العالمية، في حين أثرت إجراءات إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس إمدادات النفط والغاز في العالم، في سلاسل التوريد الدولية. وتزامنت هذه الاضطرابات مع الهجمات الأوكرانية على مصافي التكرير الروسية، وهو ما دفع موسكو إلى احتجاز إمداداتها من الديزل، التي تمثل موردا رئيسا للسوق العالمية. وأعقب ذلك، تجاوز سعر خام برنت حاجز 100 دولار للبرميل، بينما ارتفعت أسعار الديزل في أوروبا وبريطانيا بنسبة 40 في المئة منذ منتصف يونيو 2026، وكسرت في محطات الوقود في لندن حاجز الجنيهين لليتر، وهو أعلى مستوى تسجله تاريخياً.

أما في الولايات المتحدة، فتجاوز متوسط سعر الديزل بالتجزئة 6.50 دولار للغالون الواحد " الغالون الأمريكي السائل: يعادل 3.785 لتر"، مسجلا كذلك أعلى مستوى تاريخي له، بزيادة تقارب 70 في المئة عن المدة المماثلة من عام 2025، وهو ما فرض ضغطاً سياسياً حاداً على إدارة ترامب، قبيل انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر 2026. وكان وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسنت، قد كتب، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، أن الشركاء الأوروبيين "ينبغي أن يسرعوا تنفيذ التزاماتهم القائمة، وأن يوفروا إمدادات إضافية فوراً لمواجهة الاضطرابات الراهنة"، مضيفاً أن "أمريكا تؤدي دورها، وننتظر من حلفائنا أن يقابلوا التزاماتهم بأفعال".

ويجيء الاتفاق هذا، للحؤول دون مواجهة الدول الأوروبية تداعيات التهديد الأمريكي بفرض حظر على صادرات الديزل لمدة 90 يوما، والذي تصدر قائمة مخاوف بروكسل، ودفع باريس إلى اقتراح الإفراج عن احتياطيات إضافية من الوقود. إذ حذّر مسؤولو الاتحاد الأوروبي من أن أي إجراء من ذلك القبيل ستكون له عواقب وخيمة للغاية على الأداء الاقتصادي الأوروبي. وقالت المتحدثة باسم المفوضية الأوروبية، آنا-كايسا إتكونن، إن التكتل الذي يضم 27 دولة يرفض بشكل كامل فرض حظر على الديزل، لأنه يضر بجميع الأطراف، وسيقوض ثقتنا في الولايات المتحدة كشريك موثوق. ومن جهته، بحث مفوض التجارة في الاتحاد الأوروبي، ماروس سيفكوفيتش، مسألة إمدادات الديزل والأسعار المتصاعدة مع نظيره الأمريكي، الممثل التجاري جيمسون غرير، على هامش اجتماع وزراء تجارة مجموعة العشرين في ميلووكي. وقال: "لدينا مصلحة كاملة في العمل معاً على خفض الأسعار، سواء في الديزل أو في منتجات أخرى من إمدادات النفط والغاز"، مضيفا أن أي خطوة أمريكية لتقييد صادرات الديزل ستكون غير متوقعة، وستكون لها انعكاسات سلبية على الآفاق الاقتصادية لأوروبا.

 

لا يعالج جذور الأزمة

 

وكانت وكالة "رويترز" قد كشفت، في تقرير، أن دول الاتحاد بحثت المقترح الفرنسي بالإفراج عن 50 مليون برميل من الديزل، بالتوازي مع إفراج أعضاء وكالة الطاقة الدولية عن 50 مليون برميل من النفط الخام، استجابةً لضغوط الإدارة الأمريكية. وفي أعقاب انتشار أنباء المقترح الفرنسي، تراجعت أسعار النفط بحدة صباح الثاني من أكتوبر، وهو ما عكس ترقب الأسواق لاحتمال ضخ كميات إضافية من المعروض. وبعد شيوع أنباء اجتماع "السبع"، انخفضت العقود الآجلة للديزل الأوروبي بنحو 6 في المئة. وسبق أن وفرت الولايات المتحدة نحو نصف واردات الاتحاد الأوروبي من الديزل في أغسطس 2026 وفقا لـ"وكالة الطاقة الدولية"، ما يظهر حجم أزمة التكتل في حال فرض حظر أمريكي على الصادرات. وتصدر الولايات المتحدة ما بين 1.2 و1.5 مليون برميل يومياً من الديزل، وتعد المورد الرئيس لأكثر من اثنتي عشرة دولة، من بينها المكسيك وكندا وعدد من الدول الأوروبية. ويحذر محللون من أن قطع هذه الإمدادات عن السوق العالمية سيؤدي إلى ارتفاع حاد في الأسعار الدولية، وأن الحظر سيكون مضراً على المدى المتوسط، كونه سيؤدي إلى رد فعل من شركات التكرير الأمريكية، قد يشمل خفض الإنتاج على نحو سيفاقم نقص المعروض العالمي.

وبالعودة إلى خطوة الإفراج عن مخزونات الديزل، يرى خبراء أنها قد توفر "حاجزاً قصير المدى" ضد الارتفاع المتسارع في الأسعار، لكنها، في الوقت ذاته، ستحد من القدرة على مواجهة صدمات مستقبلية. إذ تعد هذه المخزونات بمثابة "بوليصة تأمين" يلجأ إليها في الحالات القصوى فقط، وهو ما يفسر سعي الاتحاد الأوروبي إلى تبني مقاربة أكثر حذراً، والدفع بتوريط جميع أعضاء وكالة الطاقة الدولية، لا الأوروبيين وحدهم، في السحب من مخزونات الديزل الاحتياطية. ويرى الخبراء أن "المسألة الجوهرية التي تواجه الولايات المتحدة ليست مشكلة ديزل، وليست مشكلة منتجات مكررة، وربما ليست حتى مشكلة نفط، بل هي أزمة طاقة عالمية"، معتبرين أنه "من دون مزيد من النفط والغاز عبر مضيق هرمز ومن خارج الشرق الأوسط، فإن أي حل آخر لا يعدو كونه شراء للوقت"، علماً أن الصادرات اليومية عبر "هرمز"، عادت هذا الأسبوع، وفق ادعاءات أمريكية، إلى مستويات ما قبل الحرب.

وعلى الصعيد المالي، انعكست صدمة الطاقة الناتجة من الحرب على إيران في الماليات العامة حول العالم، إذ ارتفعت تكاليف الاقتراض في الأسواق الرئيسة، وبلغت عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات مستوى لم تشهده منذ نحو ربع قرن. كما حذر المتداولون من أن سوق السندات الحكومية الأمريكية، وهي ركيزة للتمويل العالمي يقدر حجمها بـ32 تريليون دولار، تقع في دوامة من البيع المكثف. وانسحب ذلك على الأسواق عبر الأطلسي، حيث ارتفع العائد على السندات الحكومية البريطانية لأجل 30 عاما إلى أكثر من 6 في المئة لأول مرة منذ 1998، وازداد عائد السندات الفرنسية لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوى له منذ منتصف 2002، فيما تجاوز عائد السندات الإيطالية لأجل 10 سنوات نظيره الألماني بنقطة مئوية واحدة، لأول مرة منذ مارس 2026.

وإذ من شأن هذه الاتجاهات أن ترفع تكاليف الاقتراض، بما فيها الرهن العقاري، على المستهلكين والشركات والحكومات، ارتفع، إلى جانب ذلك، سعر خام برنت، المعيار الدولي للنفط، بنسبة 3.2 في المئة ليصل إلى 101.15 دولار للبرميل، ما ألقى بمزيد من الظلال السلبية على سوق السندات الحكومية، فيما تعرض الجنيه الإسترليني لضغوط بيعية، وهوى اليورو إلى أدنى مستوى له خلال 16 شهراً عند 1.12 دولار.

ومع إعلان الاتفاق، يتّجه العالم نحو مرحلة حاسمة قد تحدد مسار أسواق الطاقة خلال الأشهر المقبلة. وفي حال نجح الضخ المنسق عبر "الطاقة الدولية" في تهدئة الأسعار، يُتوقع أن تشهد أسعار الديزل في أوروبا انخفاضاً بنحو 8 سنتات للتر، ممّا يخفف بعض الضغوط على المستهلكين والقطاعات الصناعية والزراعية التي تعتمد بشكل أساسي على هذا الوقود.

غير أن استمرار الحرب على إيران، من دون وجود أفق واضح للتهدئة، يبقي المخاوف قائمة من أن أي إفراج عن المخزونات يظل إجراء مؤقتا لا يعالج جذور الأزمة، المتمثلة في انقطاع الإمدادات وتراجع القدرات التكريرية.

 

عمر نجيب

[email protected]