ول حسم الحرب تدق من جديد في الخليج العربي وخيارات واشنطن محدودة.... السيطرة على مضيق هرمز تحدد هوية الرابح والخاسر

ثلاثاء, 2026-09-22 19:08

بعد مرور زهاء سبعة أشهر على بداية الهجوم الأمريكي الإسرائيلي الكبير على إيران في 28 فبراير 2026، تحصد الولايات المتحدة وغالبية حلفائها في الغرب والشرق بالإضافة إلى أطراف أخري حصيلة النكسة الإستراتيجية لفشل واشنطن وتل أبيب في تحقيق أهدافهما. البيت الأبيض لا يزال يأبى الاعتراف بفشله حتى المرحلي في المواجهة وتطلق المصادر الرسمية الأمريكية تصريحات عن مكاسب عسكرية وإقتصادية ولكنها تصطدم بالدلائل المكذبة لذلك التي تنشرها وسائل الإعلام وفي غالبيتها أمريكية. الرئيس الأمريكي ترامب يواجه أزمة كبيرة في الداخل الأمريكي حيث انخفضت شعبيته إلى مستوى غير مسبوق وأصبح حزبه الجمهوري الذي يتعرض لإنقسامات داخلية متضخمة يواجه احتمالا قويا لخسارة انتخابات الكونغرس النصفية في شهر نوفمبر 2026 وهو ما يعني مجلسي نواب وشيوخ يسيطر عليهما الحزب الديمقراطي والمعادون لترامب وهو أمر من شأنه شل سلطة الرئيس الأمريكي بشكل كبير وتوليد أزمات متوالية إذا حاول الديمقراطيون حتى دون توفر الأغلبية الكافية عزل ترامب من الرئاسة.

تصريحات الرئيس الأمريكي المتقلبة عن نواياه وأسلوبه في تعامله المقبل مع طهران مرة بالحرب ومرة بالمفاوضات ومرة بالتأكيد أن إيران ضعفت وتستعد للاستسلام وحديثه عن اللحظات الفاصلة القادمة تخلق فوضى على الصعيد السياسي والاقتصادي وتضعف الثقة في التزامات واشنطن خاصة للحلفاء في منطقة الشرق الأوسط وتدفعهم إلى البحث عن ضمانات أمنية وإقتصادية مع أطراف أخرى.

القدرات العسكرية الأمريكية في تراجع فمثلا كشفت صحيفة "نيويورك تايمز" أن عددا من حاملات الطائرات الأمريكية تواجه حاليا فترة صيانة طويلة الأمد في أحواض السفن، ما سيبقيها خارج دائرة الجاهزية القتالية لعدة سنوات. ويضاف إلى ذلك نقص الذخائر وعدم قدرة المركب الصناعي العسكري على تعويضها إلا بعد أشهر إن لم يكن سنوات.

وأوضحت الصحيفة في تقريرها أن البحرية الأمريكية تمتلك أسطولا يتألف من 11 حاملة طائرات فقط، تم توجيه 4 منها إلى منطقة الشرق الأوسط للمشاركة في العمليات القتالية الجارية هناك، فيما تعاني الحاملات المتبقية من أعطال فنية، أو تخضع لأعمال صيانة شاقة في أحواض السفن، وهو ما يجعلها غير صالحة للقتال لفترة زمنية قد تمتد لسنوات طويلة.

تأكيدات القيادة المركزية الوسطى الأمريكية "سنتكوم"،عن نجاحها في تأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز مما مكن من مرور مليار برميل من النفط خلال شهرين نفتها عمليا الأسواق حيث ترتفع أسعار النفط بشكل كبير وتعاني بعض المناطق في الولايات المتحدة وأوروبا وغيرها من اغلاق محطات الوقود وتفلس شركات أو تغلق أبوابها لأنها لا تستطيع العمل مع الأسعار المتضاعفة بسبب شح المعروض. فانس نائب الرئيس الأمريكي دعا الناخبين لإعطاء فرصة للرئاسة لتنفذ خلال السنتين التي تبقت لها في السلطة ما وعدت به عندما انتخب ترامب. الدين الأمريكي تجاوز 40 تريليون دولار والثقة في العملة الأمريكية في تراجع مستمر. دول أوروبية تسحب مخزونها من الذهب المودع لدي الحكومة الأمريكية مما يظهر تقلص الثقة في التزامات واشنطن والبنوك المركزية في العديد من الدول تقلص ارصدتها من الدولار خوفا من تراجع سعره.

جزء كبير من دول العالم يواجه أزمة التضخم وارتفاع الأسعار على كل المستويات، القدرات العسكرية الأمريكية في تقلص مستمر في حين تعزز إيران ترسانتها وتعزز موسكو وبكين قدراتهما.

الأخطار تتصاعد بسبب إفرازات الحرب ضد إيران واحتمال لجوء إسرائيل للسلاح النووي عندما تتأكد أن طهران أصبحت قوة نووية وأن واشنطن لن تستطيع ثنيها عن ذلك، وفي الغرب قوى مستعدة للمخاطرة بحرب عالمية ثالثة لتصورها أن ذلك يمكن أن يحمي النظام العالمي القديم أحادي القطب ويمنع فرض نظام عالمي متعدد الأقطاب.

 

طبول الحرب

 

جاء في تقرير نشر في العاصنة الروسية موسكو يوم 20 سبتمبر: تعيش منطقة الشرق الأوسط ساعات تحبس الانفاس، وسط تقارير استخباراتية وتحركات ميدانية متسارعة تجمع على أن المواجهة المستمرة منذ 7 أشهر بين واشنطن وطهران قد دخلت مرحلتها الأكثر خطورة.

ولم تعد المؤشرات مجرد تصريحات سياسية للاستهلاك الإعلامي، بل تحولت إلى خطوات لوجستية ودبلوماسية ملموسة على الأرض تؤكد أن الخيار العسكري بات الأقرب لكسر حالة الجمود الحالية.

وتستند فرضية اقتراب الضربة العسكرية الوشيكة الواسعة ضد طهران إلى خمسة معطيات رئيسية تبلورت في الساعات الأخيرة:

1. الاستنفار الدبلوماسي الشامل وتحذيرات السفر

أطلقت وزارة الخارجية الأمريكية وسلسلة من سفاراتها في الشرق الأوسط (شملت 9 دول من بينها إسرائيل، السعودية، الكويت، والإمارات) تحذيرات أمنية طارئة وغير مسبوقة للرعايا الأمريكيين، بالتزامن مع تكثيف استهداف الحوثيين للمملكة العربية السعودية. 

لم تكتف التوجيهات بالدعوة للحذر، بل حثت صراحة على الاستعداد لإغلاق الأجواء المحتمل وإلغاء الرحلات الجوية. في العرف العسكري والدبلوماسي، لا تصدر مثل هذه التعميمات الشاملة إلا كإجراء استباقي لتأمين الجبهات الخلفية وحماية المواطنين من ردود الفعل الانتقامية المتوقعة عقب هجوم عسكري كبير.

2. مغادرة كامب ديفيد وإدارة الأزمة من "غرفة العمليات"

حمل قطع الرئيس دونالد ترامب إجازته الأسبوعية في منتجع كامب ديفيد وعودته المفاجئة إلى البيت الأبيض دلالة بالغة الأهمية. هذه الخطوة تعكس انتقال الإدارة الأمريكية إلى مستوى "الإدارة المباشرة للأزمة"، وتزامنت مع تسريبات نشرتها وسائل إعلام أمريكية تؤكد أن البنتاغون يراجع بالفعل خطة عمل عسكرية مكثفة تمتد لأسبوعين، تهدف إلى توجيه ضربات صاروخية وجوية ساحقة لتدمير البنية التحتية والمنشآت الحيوية الإيرانية.

3. ذريعة "بيك أكس" والخط الأحمر النووي

جاء التحرك الأمريكي المتسارع مدفوعا بتقارير استخباراتية وصور أقمار صناعية نشرها "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية" (CSIS)، وتناولتها الصحافة الأمريكية مثل واشنطن بوست. تظهر التقارير "طفرة بناء غير عادية ومريبة" داخل منشأة "بيك أكس" النووية في إيران.

هذا التطور استغله ترامب لتوجيه تحذير علني حاد ومباشر لطهران مفاده أن واشنطن لن تتسامح مع أي محاولة "للتذاكي"، مما يمنح الولايات المتحدة الذريعة المباشرة للتحرك قبل فوات الأوان.

4. اشتعال جبهات حلفاء إيران وحرب الطاقة

لم تقف إيران مكتوفة الأيدي، بل سارعت إلى تحريك أوراقها الإقليمية للضغط على واشنطن وحلفائها. وتمثل ذلك في الهجوم الواسع الذي شنه الحوثيون بالصواريخ الباليستية والمجنحة والطائرات المسيرة مستهدفين العاصمة السعودية الرياض ومنشآت شركة أرامكو في ينبع. هذا التصعيد الإيراني غير المباشر يهدف إلى إرسال رسالة مفادها أن أي ضربة في العمق الإيراني ستعني تفجير أمن الطاقة العالمي والممرات البحرية بالكامل، وهو الأمر الذي يراه محللون عسكريون سببا إضافيا يدفع واشنطن لإنهاء هذا التهديد بشكل جذري عوضا عن التراجع.

5. انسداد الأفق الدبلوماسي والشروط التعجيزية

أخيرا، وصلت الجهود الدبلوماسية إلى طريق مسدود، فالشروط الإيرانية التي نقلت إلى البيت الأبيض عبر الوسيط القطري لوقف الحرب (والتي شملت الرفع الكامل للحصار البحري الأمريكي عن الموانئ الإيرانية والإفراج عن كافة الأموال المجمدة) تعد شروطا تعجيزية ترفضها إدارة ترامب جملة وتفصيلا. يضع هذا الانسداد الإدارة الأمريكية أمام خيارين: إما القبول بـ "شروط الاستسلام الإيرانية" أو اللجوء إلى القوة لفرض الشروط الأمريكية.

ووفقا لتصريحات ترامب الأخيرة لوسائل إعلام أمريكية حول دراسة خيار "الإبادة العسكرية للنظام"، يبدو أن كفة السلاح هي الراجحة.

ووفق ما تقدم، يبدو أن الشرق الأوسط اليوم ليس أمام مناورة سياسية أو جولة جديدة من "الحرب النفسية"، بل يقف حرفيا على حافة تحول عسكري إقليمي كبير.

فكل المؤشرات اللوجستية، والاستخباراتية، والميدانية تلاقت عند نقطة واحدة: مرحلة "عض الأصابع" شارفت على الانتهاء، والساعات القادمة قد تحمل معها بداية موجة الضربات الأمريكية الأقسى ضد طهران، ما لم تحدث معجزة دبلوماسية في أروقة الأمم المتحدة بنيويورك تجبر الطرفين على التراجع في اللحظة الأخيرة.

 

النظرة الأخرى

 

إذا كان فريق يرى أن فرضية الحرب هي الأقوى فإن فريقا آخر يقدر أن واشنطن خسرت واللجوء إلى عمل عسكري جديد لن ينفع.

مجلة "فورين أفيرز" الأمريكية نشرت يوم 18 سبتمبر 2026 مقالاًيتناول تحوّل الحروب الحديثة إلى حروب استنزاف طويلة الأمد،حيث لا يُحسم الصراع فقط بالتفوّق العسكري، بل بقدرة كلطرف على الصمود، وتجديد موارده، والحفاظ على إرادتهالسياسية والاقتصادية.

يعد الاستنزاف السمةَ الأبرزَ للصراعات المعاصرة. فقد تحوّلتالحروب في أوكرانيا والشرق الأوسط إلى منافساتٍ طاحنةٍ حولقدرة كل طرفٍ على استنزاف القدرات العسكرية والمواردالاقتصادية والإرادة السياسية للطرف الآخر. ولكل منها، بطبيعةالحال، خصائصها الفريدة، إلا أن مساراتها المتشابهة تعكستغيراً أعمق في كيفية سير الحروب اليوم. فخلال الحرب فيأوكرانيا، كانت أطقم المدفعية تمتلك المدافع وتستطيع تحديدأهدافها، لكنها كانت تفتقر إلى القذائف اللازمة لإطلاقها. وقداكتشف المهندسون الأوكرانيون أن أنواعاً جديدةً من الطائراتالمسيّرة تُواجَه بإجراءاتٍ روسيةٍ مضادةٍ في غضون أسابيع، مايُقوّض أيّ ميزةٍ كانت تتمتع بها لفترةٍ وجيزة. وفي إيران، أضعفتالولايات المتحدة الجيش الإيراني ودمّرت منشآتٍ نوويةً مدفونةً فيأعماق الأرض، لكنها فشلت في حلّ المشكلة السياسية التيجعلت هذه الأسلحة تهديداً في المقام الأول.

تُجسّد كلّ ديناميكيةٍ فجوةً مختلفةً تُساعد في تفسير سبب لجوءالدول بشكل متزايد إلى استراتيجيات الاستنزاف، أو وقوعها فيفخّها. الأولى هي الفجوة بين القدرة العسكرية التي تمتلكها الدولنظرياً والقوة التي يُمكنها نشرها والحفاظ عليها فعلياً. والثانيةهي الفجوة بين مبادئ الحرب التقليدية وساحة المعركة الحديثةالتي تجعل فيها التكنولوجيا تحقيق اختراقات حاسمة أمراً بالغالصعوبة. أما الثالثة، فهي الفجوة بين الوسائل العسكريةوالغايات السياسية التي يُراد تحقيقها. مجتمعةً، تدفع هذهالاختلالات الحروب نحو الاستنزاف. فعندما تعجز الدول عن توليدوتجديد قدرات عسكرية كافية لسحق العدو، تصبح الحرب اختباراًللصمود. وعندما يصعب تحقيق اختراقات حاسمة، يصبح السعيوراء مكاسب تدريجية والتدمير المستمر لقدرات العدو أمراً مغرياً. وعندما تكون الأهداف السياسية النهائية للمتحاربين غامضة أومتطرفة، قد يبدو فرض تكاليف باهظة إلى أجل غير مسمّى البديلَالوحيدَ للاستسلام.

يمثّل هذا تحدياً خاصاً للولايات المتحدة. فمع سعي القادةالأمريكيين المتزايد نحو عمليات عسكرية قصيرة وحاسمة، قدتواجه الولايات المتحدة خصوماً يرون في إطالة أمد الصراعاتميزةً. قد لا تختار الولايات المتحدة حرب الاستنزاف، لكن عليها أنتكون مستعدة لخوض حروبٍ والانتصار فيها، حتى وإن اختارهاخصومها.

الطريق الطويل والشاق

تُقاس القوة العسكرية تقليدياً بما تملكه الدول من أصول، كالقواتومنصات الأسلحة ومخزونات الذخيرة. إلا أن الحروب الأخيرةكشفت الفجوة بين القوة الاسمية والقدرة العسكرية الفعلية. فيكتابه "كيف حُسمت الحرب"، الصادر عام 2015، جادل المؤرخفيليبس أوبراين بأنه حتى خلال الحرب العالمية الثانية، أصبحالفوز في المعارك الكبرى التي استحوذت على اهتمام الجماهيرأقل أهمية من السيطرة على ما سمّاه "ساحة المعركة الكبرى"،وهي المساحة الشاسعة من المصانع وخطوط الإمداد التي تُنتَجوتُنقَل عبرها القوة العسكرية. ومنذ تلك الحرب، ازدادت أهميةالقدرة على توليد القوة العسكرية والحفاظ عليها. تستهلك الجيوشالحديثة المعدات العسكرية بوتيرة هائلة، وأصبح خصومها أكثرقدرة على تعطيل شبكات الإنتاج والإمداد اللازمة لاستبدالها.

عندما غزت روسيا أوكرانيا مجدداً مطلع عام 2022، بدت وكأنهاتمتلك تفوقاً عسكرياً ساحقاً. ومع ذلك، ولأن روسيا لم تستطعتحويل مواردها الهائلة بسرعة إلى قوة قتالية مستدامة علىالجبهة، فقد فشلت في توظيف قدراتها بفعالية والاستيلاء علىكييف.

لكن احتياطياتها المادية والبشرية مكّنت روسيا من تجاوزانتكاساتها المبكرة. فقد استطاعت حشد المزيد من الأفراد،والاستفادة من مخزونات الذخيرة الضخمة، وزيادة إنتاجالأسلحة، واللجوء إلى شركاء مثل كوريا الشمالية لدعم معركتها. طوّرت روسيا نظرية للنصر تقوم على فكرة أنها ليست بحاجة إلىهزيمة أوكرانيا هزيمة ساحقة إذا استطاعت الصمود أمامهاوإنهاكها تدريجياً، في انتظار تراجع التزام أوروبا والولاياتالمتحدة السياسي. منح الاستنزاف روسيا ميزة عسكرية، لكنهكشف أيضاً عن مشكلة أخرى لدى حلفاء أوكرانيا الأقوياء فيحلف الناتو: فالقوة الإجمالية لا تُترجم بالضرورة إلى القدرة علىخوض حرب طويلة الأمد ومكلفة.

تتمتع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي بقوة اقتصاديةوعسكرية تفوق بكثير قوة روسيا. ومع ذلك، فإن حرب الاستنزافتقيس القوة بمعايير مختلفة. فالناتج المحلي الإجمالي لا يُقاسبالمدفعية، والإنفاق الدفاعي الإجمالي لا يكفي بحد ذاته لاعتراضالصواريخ. لم تُبنَ الصناعات الدفاعية لشركاء أوكرانيا علىاستبدال الذخيرة بسرعة، بل كانت مُنظَّمة حول الإنتاج في زمنالسلم. ولذلك، واجهت صعوبة في تحويل إمكاناتها الكامنةبالسرعة الكافية إلى قذائف وصواريخ اعتراضية وقدرات عسكريةأخرى قابلة للاستخدام.

وهكذا، واجهت روسيا وحلف شمال الأطلسي فجوة القدراتبطرق متناقضة تقريباً. ففي البداية، امتلكت روسيا قدرات مندون فعالية مماثلة. أما داعمو أوكرانيا، فكانت لديهم فعالية مندون عمق كافٍ لخوض حرب طويلة الأمد.

 

صورة مختلفة للديناميكية

 

قدّم الصراع بين القوات الأميركية والإسرائيلية وإيران صورةًمختلفةً لهذه الديناميكية. لم تكن القوة العسكرية التقليدية الإيرانيةقادرةً على مجاراة قوة "إسرائيل" أو الولايات المتحدة، لكن طهرانأمضت عقوداً في بناء قدرتها على تعويض نقصها التقليدي منخلال إنشاء قدرات عسكرية خارج أراضيها. سمحت شبكة إيرانمن الوكلاء لطهران بممارسة الضغط على جبهات متعددة، ماأجبر "إسرائيل" والولايات المتحدة على استهلاك صواريخاعتراضية والحفاظ على وتيرة عملياتية عالية. كشف استخدامإيران للطائرات المسيّرة والصواريخ منخفضة التكلفة عن قصورالصواريخ الاعتراضية باهظة الثمن والسفن الحربية المتطورةوالطائرات الحديثة. في استراتيجية الاستنزاف هذه، كل ماتحتاجه إيران هو الاستمرار في تكبيد الخصوم خسائر فادحةوتعويض ما فقدته.

عشية الغزو الروسي لأوكرانيا، أشاد أحد الجنرالات الأمريكيينبقدرة موسكو على التعلم والتكيف. وقد أثبتت أوكرانيا قدرتها علىالتكيف بسرعة أكبر. إلا أن سرعة التكيف من كلا البلدين أدتإلى مفارقة. فالمزايا التي كان من الممكن أن تُمكّن من تحقيقاختراق أصبحت مؤقتة، ولم يتمكن أي من الطرفين من الحفاظعلى تفوقه لفترة كافية لتحقيق نتائج حاسمة.

هذه هي الفجوة الثانية. فمع تغيير التكنولوجيا لساحات المعارك،بات تطبيق المبادئ التقليدية لتحقيق التفوق العسكري، كقواتالمناورة وحشد القوة القتالية، أكثر صعوبة، ما يدفع الحروب نحوالاستنزاف. في عصر الطائرات المسيّرة، يَسهُل رصد القواتالمحتشدة وتدميرها، ويمكن رصد تجمعات القوات والإمداداتاللوجستية اللازمة للمناورة واسعة النطاق واستهدافها قبل تحقيقأي اختراق. ويصعب خلق عنصر المفاجأة عندما تكون ساحةالمعركة تحت المراقبة المستمرة. يخلق التقدم التكنولوجي باستمرارفرصاً جديدة، لكن التكيف المضاد يقضي على هذه المزايابسرعة.

تغير التكنولوجيا أيضاً كيفية تطبيق مبادئ الحرب التقليدية فيالشرق الأوسط. لنأخذ مثالاً على ذلك: استخدام "إسرائيل" والولايات المتحدة للمعلومات الاستخبارية والأسلحة الدقيقةوالضربات بعيدة المدى لتحقيق تأثيرات واسعة النطاق من دونالحاجة إلى حشد قوات فعلية. وقد طبّقت إيران المبدأ نفسهبطريقة مختلفة، مستخدمةً وابلاً كثيفاً من الصواريخ والطائراتالمسيّرة لإرباك الدفاعات المتطورة. ولأن كلا الجانبين قادر علىإحداث تأثيرات مركّزة باستمرار من دون حشد القوات، يصبحتدمير قدرة العدو على مواصلة القتال أكثر صعوبة. يتحوّلالصراع نحو تبادل متكرر للهجمات، وإعادة التموين، والصمود. وبهذا المعنى، يُمكن للتكيّف السريع أن يُعزّز استراتيجيةالاستنزاف.

تغيير قواعد اللعبة

أما الفجوة الاستراتيجية الثالثة، وربما الأصعب، فهي أنالوسائل العسكرية المستخدمة في الحروب الحالية لا تُحققالنتائج السياسية المرجوة. وينطبق هذا على كلٍّ من الحربالروسية ضد أوكرانيا، والمواجهة الأوسع نطاقاً في الشرقالأوسط التي تشمل الولايات المتحدة و"إسرائيل" وإيران وحلفاءإيران الإقليميين. ففي هذه الحروب، لا يسعى المتحاربون إلىتعديلات محدودة على الحدود الإقليمية أو تغييرات طفيفة فيسلوك الخصم، بل إلى أهداف طموحة غير قابلة للتفاوض.

لا تترك هذه المخاطر الجسيمة مجالاً يُذكر للتسوية، ما يجعلالحروب مستعصية للغاية. وتُكبّد الحرب الاستنزافية خسائرفادحة في الأرواح والأموال، من دون أن تُسهم، على ما يبدو، فيتضييق الخلافات السياسية.

كان هذا الغموض مفهوماً: فتحديد هدفٍ ملموس وتخصيصالوسائل العسكرية لتحقيقه كان يُنذر بوضع الولايات المتحدةوحلف شمال الأطلسي في مسار تصادمي مباشر مع روسيا. لكن النتيجة كانت استراتيجية عسكرية منفصلة عن الاستراتيجيةالسياسية، وعزيمة على منع هزيمة أوكرانيا وفرض تكاليف باهظةعلى روسيا إلى أجل غير مسمّى.

في الشرق الأوسط، برزت مشكلة مماثلة. فقد فرضت القوةالعسكرية تكاليف باهظة على كلٍّ من حماس وإيران. لكنها لمتدفع أيّاً منهما إلى الاستسلام. في بداية حرب "إسرائيل" ضدحماس، جادل غراهام أليسون وعاموس يادلين في مجلة "فورينأفيرز" بأن "إسرائيل" هزمت حماس لأنها قتلت معظم قادتهاالعسكريين وأكثر من نصف مقاتليها. إلا أن تدمير القدراتالعسكرية للعدو لا يعني بالضرورة تهيئة الظروف السياسيةاللازمة لإنهاء الصراع بشكل دائم.

استخدمت إيران السياسة، وتحديدا الضغط الدولي، كأداة فيحرب الاستنزاف التي تشنّها. وسعت إلى تقويض الدعم الدولي لـ"إسرائيل"، مُشكّلةً حلقةً سياسيةً متوترةً حول خصمها. وقد زادتالمؤسسات الدولية، والعديد من الحكومات الأوروبية، والرأي العامفي جميع أنحاء العالم، الضغط على "إسرائيل"، وتعمّقت عزلتها. وكان لهذا تبعاتٌ استراتيجية. فعلى الرغم من أنّ "إسرائيل" أثبتت قدرتها على الهيمنة العسكرية، إلا أنها واجهت صعوبةً فيترجمة تلك الانتصارات إلى بيئةٍ سياسيةٍ إقليميةٍ أكثر ملاءمة. وتدهورت علاقاتها مع الحكومات الأوروبية وغيرها من الحكوماتالأجنبية، وتُعقّد هذه الانقسامات الآن المناقشات الدولية حولترتيبات ما بعد الحرب في غزة.

كسر القالب

تُشكّل حروب الاستنزاف معضلة استراتيجية خاصة للولاياتالمتحدة. فقد خطط البنتاغون لعمليات عسكرية قصيرة وحاسمة،وكثيراً ما يعد بها القادة السياسيون في واشنطن. إلا أن الخصوماليوم يملكون الوسائل والحوافز لحرمان الولايات المتحدة من هذاالنوع من الحروب وإطالة أمد الصراعات على أمل استعادةالقدرات، وفرض تكاليف باهظة، وتجاوز الإرادة السياسيةالأمريكية.

في الوقت نفسه، بنت الولايات المتحدة جيشاً يعتمد اعتماداً كبيراًعلى أعداد قليلة نسبياً من أنظمة الأسلحة المتطورة والمكلفة،وقاعدة صناعية لا تستطيع استبدال العديد من هذه الأنظمةبسرعة، واستراتيجيات غالباً ما تُبقي الظروف السياسية اللازمةللنصر من دون حل. يبذل مخططو الدفاع الأمريكيون بعضالجهود لتغيير هذا الوضع العسكري، لكن الأمر سيستغرق وقتاً. لا يكمن الخطر في عجز الولايات المتحدة عن كسب حرباستنزاف، بل في استمرار تنظيمها على أساس توقع عدماضطرارها لخوضها.

 

الخروج من الشرق الأوسط

 

 نشرت صحيفة "التلغراف" البريطانية يوم 19 سبتمبر 2026 تقريراً يتناول فشل الاستراتيجية العسكرية الأمريكية في "الشرقالأوسط" أمام الاستهدافات الإيرانية، مؤكدةً انهيار 30 عاماً من"الردع المتقدم" خلال أشهر.

ويكشف التقرير، نقلا عن المفتش العام لـ"البنتاغون"، تضرروتدمير مئات المنشآت والمباني بالقواعد الأمريكية بالمنطقة، معتبراًأن هذه المواقع تحولت إلى عبء وأهداف سهلة لضربات حرسالثورة الإيراني.

ويرى التقرير أنّ الفشل الميداني أثبت قدرة طهران على إخراجواشنطن من المنطقة، ما دفع حلفاء الخليج لإعادة حساباتهموالبحث عن شراكات دفاعية جديدة مع دول مثل تركيا وباكستان.

وأكّدت صحيفة "التلغراف" أن إيران أثبتت قدرتها على إخراجالولايات المتحدة من "الشرق الأوسط"، كاشفة عن كلفة عسكريةفادحة تكبدتها واشنطن خلال الحرب المستمرة منذ نحو 7 أشهرعلى طهران.

ونقلت الصحيفة تقديرات صريحة صادرة عن المفتش العام فيوزارة الحرب الأمريكية "البنتاغون" منتصف سبتمبر، أفادت بأن"مئات المباني والمنشآت" في القواعد الأمريكية في أنحاء المنطقةتعرضت للضرر أو دمرت بالكامل، وهو رقم أعلى بكثير منالتقديرات السابقة، ويتوافق مع صور الأقمار الاصطناعية التيتظهر كميات كبيرة من الأنقاض في مواقع استراتيجية مثل قاعدة"الأمير سلطان" الجوية في السعودية ومقر الأسطول الخامسالأمريكي في البحرين.

وجزمت الصحيفة بأنّ الواقع الميداني لا يتطابق إطلاقا مع النظرةالوردية التي تتشبث بها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب،والتي تزعم أن الحرب تسير وفق الخطة وأن "النصر" بات قابقوسين أو أدنى، حيث يصر ترامب على أن القتال سينتهي بعدوقت قصير من انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر، بينما يؤكدوزير حربه، بيت هيغسيث، أن الجيش الأمريكي يمتلك الذخائروالوقت لإجبار الإيرانيين على "استسلام مذل".

وشدد التقرير على أن الحرب لم تسر وفق الخطة منذ الأسبوعالأول، إذ لم تُوقع إيران أي اتفاق، ولا يزال مضيق هرمز مغلقاًأمام حركة ناقلات النفط، في حين تتوقف أنابيب النفط السعوديةالرئيسية الممتدة من الشرق إلى الغرب عن العمل، مشيرة إلى أنمحاولات "البنتاغون" تقديم أقل قدر ممكن من المعلومات للجمهورلم تستطع إخفاء الفشل الميداني.

انهيار 30 عاماً من استراتيجية "الردع المتقدم"

وأوضحت "التلغراف" أن الأهم من لقطات الأضرار الماديةوحجمها هو ما كشفته الحرب بشأن الانتشار العسكري التقليديلواشنطن في منطقة الخليج، إذ إن 30 عاماً من السياسةالعسكرية الأمريكية والافتراضات التي قامت عليها منذ نهايةحرب الخليج عام 1991 قد انهارت خلال أقل من 7 أشهر.

وأضافت أن المنطق الأمريكي القائم على مفهوم "الدفاع المتقدم" وإنشاء شبكة قواعد لوجستية لردع خصوم مثل إيران ومنعاستهدافات على دول الخليج قد تمزق إرباً، إذ تحولت القواعدالأمريكية بمجرد اندلاع القتال من أداة ردع إلى عبء ونقاطاستهداف مثالية لإيران، التي كرست عقودا ومليارات الدولاراتلبناء أكبر مخزون من الصواريخ في "الشرق الأوسط".

ولفتت إلى أن المنشآت نفسها التي اعتبرها صانعو السياسةالأمريكيون أساسية للحفاظ على توازن القوى أصبحت مصادرللفوضى، في ظلّ الاستهدافات المتواصلة لحرس الثورة الإيراني،والتي أجبرت واشنطن على استهلاك صواريخ اعتراض دقيقةومهمة للدفاع الجوي سيستغرق تعويضها سنوات، مؤكدة أنالقواعد الأمريكية في الأردن لم تكن هي الأخرى بمنأى عنالاستهدافات الإيرانية.

إعادة تقييم خليجية ونهاية "مبدأ كارتر"

وأشار التقرير إلى أن شبكة المطارات العسكرية والموانئ والثكناتالأمريكية الممتدة من قطر إلى "إسرائيل" باتت تمثل أهدافا سهلةونقاط ضعف يتعين على "البنتاغون" حمايتها، مبينا أن الحلفاءفي الرياض وأبوظبي والدوحة يخوضون نقاشات حاسمة حول ماإذا كان الاعتماد المطلق على واشنطن خطأً فادحاً في التقدير،خاصة بعد توقيع قطر والبحرين والإمارات اتفاقيات دفاع معواشنطن في عقود سابقة.

وكشفت الصحيفة أن السعودية تتولى قيادة هذا التحول بعيدا عنالاتكال التام على واشنطن عبر توقيعها اتفاق دفاع مع باكستانوتركيا شهر أغسطس 2026، بحثاً عن ضمانات وحواجز أمانإضافية، دون قطع شامل للروابط مع الأمريكيين.

وخلصت "التلغراف" إلى أن هذه الحرب الممتدة في الخليج—التي لم يرغب فيها أحد باستثناء "إسرائيل"—فرضت إعادةتقييم طال انتظارها للأولويات الاستراتيجية الأمريكية والمصالحالمحدودة لواشنطن، جازمة بأن الرئيس دونالد ترامب قد وضععملياً حدا لـ "مبدأ كارتر" الصادر عام 1979، والذي كان يعتبرأي عدوان استهدف إمدادات الطاقة في الخليج تهديدا مباشراللأمن القومي الأمريكي.

 

تهديد للإنتخابات

 

نشرت وكالة "بلومبرغ" الأمريكية يوم 19 سبتمبر 2026 تقريراًيتناول أزمة الديزل في الولايات المتحدة وتداعياتها الاقتصاديةوالسياسية، في ظل ارتفاع أسعار النفط واضطراب عملالمصافي عالمياً.

ويركز على أن ارتفاع سعر الديزل لا يقتصر أثره على سائقيالمركبات، بل يمتد إلى الشحن والتصنيع والزراعة والبناء وسلاسلالتوريد، ما قد يفاقم التضخم ويرفع الكلفة على المستهلكين.

تبدأ السياسة الأمربكية في مجال الطاقة وتنتهي عادة بأسعارالبنزين. وقد بلغت هذه الأسعار مستويات قياسية موسمية، لكنحتى سعر 4.44 دولارات للغالون يبدو ضئيلا مقارنة بسعرالديزل، الذي وصل الآن إلى أعلى مستوى له على الإطلاق عند6.40 دولارات. يتجاهل معظم السائقين هذا الجزء من لوحةالأسعار - فهي محطة وقود في نهاية المطاف - لكن أمريكا لاتستطيع تجاهل الأمر. فالديزل لا يمثل مشكلة سعرية وسياسيةآنية فحسب، بل يفاقم أيضا نقاط الضعف في الولايات المتحدةعلى عدة جبهات، وستستمر آثار ذلك طوال فصل الشتاء وحتىعام 2027.

يكرر برميل النفط الخام إلى منتجات مختلفة، مثل البنزين والنفتاوغيرها. وأحد هذه المنتجات هو "زيت الوقود المقطر"، الذي يتكونمن ديزل النقل، نحو 75 في المئة من الإجمالي، إضافةً إلى زيتالوقود المستخدم في تدفئة المنازل وتشغيل المولدات وغيرها منالعمليات الصناعية. وتستهلك الولايات المتحدة في المتوسط نحو3.9 ملايين برميل من المقطر يوميا، وهو أقل بكثير من استهلاكالبنزين البالغ 8.8 ملايين برميل. لكن الديزل هو وقود التجارة، إذيشغل الشاحنات والقطارات والجرارات وغيرها، ما يعني أنسعره يؤثر في كل شيء: الخدمات اللوجستية، والتصنيع،والزراعة، والبناء، وحتى مراكز البيانات.

ويضيف ذلك عنصرا آخر معقداً إلى التضخم المستعصي أصلا،والذي، كما كتب زميلي جوناثان ليفين في "بلومبرغ أوبينيون" مؤخرا، يهدد بزعزعة استقرار توقعات الأسعار العامة. ويمكنتمرير الارتفاعات الطفيفة في أسعار الديزل عبر رسوم إضافيةمؤقتة على عقود الشحن، لكن الزيادة المستمرة ستصبح، فينهاية المطاف، جزءاً لا يتجزأ من تلك العقود، وستصل إلىالمستهلكين مع مرور الوقت عبر سلسلة التوريد.

ويبدو أن الارتفاع الحالي سيستمر. ويعد وصول سعر النفطالخام إلى أكثر من 100 دولار بسبب الحرب الإيرانية عاملا مهماً. وقد عجز محللو السلع في شركة "جي بي مورغان تشيس" عنالتنبؤ بمآل هذا الارتفاع، وكتبوا: "ببساطة، لا نعرف كيف نرسمصورة لما سيحدث في نهاية المطاف".

لكن من الواضح أن الأمر لا يقتصر على النفط الخام فحسب، بليشمل أيضاً التكرير، إذ يجري تداول العقود الآجلة للديزل عندنحو 214 دولاراً للبرميل، ما يعادل سعر تجزئة يبلغ نحو 269 دولاراً. ويبلغ فرق السعر بين العقود الآجلة للديزل والنفط الخام،أو ما يعرف بـ"هامش التكرير"، حالياً نحو 112 دولارا للبرميل،أي أعلى من سعر النفط الخام نفسه، وهو أمر غير معتاد علىالإطلاق.

وإلى جانب النفط الخام، أدت الحرب الإيرانية إلى تعطيل إنتاجالمصافي الإقليمية وشحنات الوقود. وفي الوقت نفسه، اشتدتهجمات الطائرات المسيرة الأوكرانية على المصافي الروسية. وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن صادرات الديزلالروسية والشرق أوسطية انخفضت مجتمعة بنسبة 75 في المئةفي أغسطس مقارنة بعام 2025. وعلى الصعيد العالمي، انخفضتشغيل المصافي بمقدار 4.2 ملايين برميل يومياً.

وعندما تتوقف المصافي عن العمل، تنخفض أسعار الأسهم. لكنالوضع مختلف قليلا في الولايات المتحدة، فالمصافي تعمل بكاملطاقتها، ومع ذلك انخفضت أسعار الأسهم بشكل حاد.

وبلغ مخزون الولايات المتحدة من المشتقات النفطية نحو 104 ملايين برميل في نهاية أغسطس، وهو أدنى مستوى يسجل فيذلك الشهر منذ مطلع خمسينيات القرن الماضي، حين كان الطلبيعادل ثلث مستواه الحالي. ويرتفع الطلب على المشتقات النفطيةمن هذه المستويات ليبلغ ذروته الشتوية، ويعود ذلك جزئياً إلىموسم الحصاد واستخدام الأسر لزيت التدفئة، لا سيما فيولايات الشمال الشرقي. أما نيو إنجلاند، حيث تعد المخزونات منبين أدنى مستوياتها المسجلة، فمن الأفضل لها أن تأمل ألا يكونشتاء هذا العام شبيهاً بشتاء عام 2025.

ومع ذلك، فإن هوامش الربح الهائلة هذه تعني أن مصافي النفطالأمريكية تشهد عاما ذهبيا، فهي القطاع الفرعي الرائد فيمؤشر "ستاندرد آند بورز 500" بفارق كبير، بعدما ارتفعت بنسبة141 في المئة حتى الآن. كما تعمل هذه المصافي بجهد أكبرولفترات أطول من المعتاد، مع تجاوز معدل التشغيل 95 في المئةطوال فصل الصيف.

ومع ذلك، ارتفعت صادرات الديزل، إذ سعت دول أخرى متأثرةبالاضطرابات الجيوسياسية إلى شراء النفط الأمريكي. ويتزايدخطر أن تتعرض شركات النفط لضغوط في حال أصيب ترامب،رغم كونه حليفاً لها، بالذعر حيال الأسعار قبيل انتخابات التجديدالنصفي، فيقدم على حظر صادرات الوقود. ومن المؤكد أنتصريح زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ، جون ثون، بأنه "منفتحعلى دراسة" هذه الفكرة، لن يلقى استحساناً في هيوستن.

لكن المشكلة الأساسية تكمن في محدودية عدد مصافي النفطالأمريكية. وقد أشار وزير الطاقة كريس رايت إلى إمكانية تفعيلقانون الإنتاج الدفاعي لزيادة الطاقة الإنتاجية. ويرى محللون فيشركة "كليرفيو إنرجي بارتنرز" أن التمويل الفيدرالي قد يسهمفي إعادة فتح مصفاة أُغلقت مؤخراً، مثل مصفاة "فاليرو" فيبينيسيا بكاليفورنيا، أو حتى مصفاة "ليمتري باي" في جزرفيرجن الأمريكية، التي واجهت تحديات طويلة الأمد. إلا أن ذلكلن يحدث بين عشية وضحاها.

أما بالنسبة إلى المصافي الجديدة، فعلى أي مطور أن يوازن بيناستثمار يمتد لعقود من الزمن، وبين ركود الطلب على النفط فيالولايات المتحدة وسياسة الطاقة الفيدرالية التي تذبذبت بين دعمالوقود الأحفوري والطاقة النظيفة خلال عقد واحد فقط.

وفي الوقت نفسه، يؤدي تشغيل المصافي بجهد أكبر ولفتراتأطول إلى تراكم العجز في أعمال الصيانة المؤجلة. وقد تجاوزمعدل الاستخدام المتوسط طوال العام، وقد تطغى هذه الشقوقالكبيرة على موسم الصيانة الخريفية. وهذا ينذر بخطر حدوثانقطاعات غير مخطط لها، قد تسبب اضطرابات في عام 2027،حين يأمل السوق في إعادة بناء المخزونات المستنفدة.

وبحلول ذلك الوقت، قد تكون الحربان اللتان تشكلان أساس هذهالأزمة قد انتهتا. وإحداهما على الأقل تخضع اسميا لسيطرةترامب، وهو يدرك تماما التداعيات السياسية لارتفاع أسعارالطاقة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي. وقد لا يمثّل زيتالوقود مشكلة شاملة مثل البنزين، لكنه يستخدم لتدفئة العديد منالمنازل في عدة ولايات متأرجحة في انتخابات مجلس الشيوخ،مثل ألاسكا ومين ونيو هامبشاير، كما أن استخدامه أكثر شيوعافي المناطق الريفية التي غالبا ما تميل إلى الحزب الجمهوري.

ومع ذلك، بمجرد أن ينقشع غبار انتخابات 3 نوفمبر 2026،ستظل مشكلات الديزل في أمريكا تتفاقم.

 

الصين لا إيران

 

نشرت مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية خلال شهر سبتمبر 2026 مقالاً تناول ما يصفه بفشل سياسة إدارة ترامب تجاهالصين خلال ولايته الثانية، وكيف أسهمت قرارات واشنطن فيتحسين موقع بيجين في المنافسة الاستراتيجية بين البلدين. ويرىالكاتب أن هذا التحول قد يكون، على المدى الطويل، أخطر منتداعيات الحرب مع إيران. 

عندما ينظر مؤرخو المستقبل إلى الولاية الثانية للرئيس ترامب،ستبرز كارثة إيران، على الأرجح، بوصفها نقطة تحول حاسمة فيرئاسته. فقد كشف الصراع حدود القوة الأمريكية، وعزل الولاياتالمتحدة دوليا، وأضاف ضغوطا تضخمية إلى الاقتصاد العالمي،ودفع نسب التأييد المحلي للرئيس إلى مستويات متدنية غيرمسبوقة، قبيل انتخابات التجديد النصفي مباشرةً.

لكن المؤرخين قد يرون، في نهاية المطاف، أن تطوراً آخر كان أشدخطورة بكثير: فشل سياسة ترامب تجاه الصين. فخلال أول عامونصف العام من عمر الإدارة، سمحت الولايات المتحدة لأقوىمنافسيها الجيوسياسيين بأن يكسب أرضاً على كل جبهة تقريبا،بدءاً من الاقتصاد والتوازن العسكري، وصولا إلى العلوموالتكنولوجيا والنفوذ الجيوسياسي.

وخلافاً لكثير من التعليقات، لا تبدي الصين اهتماماً كبيراً ببناء"نظام عالمي صيني" على غرار السلام الأمريكي بعد الحرب، أوما يُعرف بـ"باكس أميركانا" (Pax Americana). لكنها مصمّمةعلى تقييد القوة الأمربكية، وإزاحة الولايات المتحدة من موقعهاالمهيمن في آسيا، والحد من نفوذها المالي، وإضعاف المؤسساتالدولية ذات التوجه الغربي، والنيل من صدقية نظامهاالديمقراطي. وبعبارة أخرى، تسعى بيجين إلى تسريع الاتجاهالتاريخي الذي وصفه الرئيس شي جين بينغ بأنه صعود الشرقوتراجع الغرب. وفي أقل من عامين، فعلت إدارة ترامب الكثيرلتقريب هذه النتيجة.

عندما يأتي شي إلى واشنطن في 24 سبتمبر، ينبغي ألا تحجبالمظاهر الاحتفالية للقمة الصورة الأوسع: المدى الذي تحول إليهميزان القوى لمصلحة بيجين، والسرعة التي جرى بها هذا التحول. فقد صمدت الصين أمام الحرب التجارية، وضيقت الفجوةالتكنولوجية، وعززت نفوذها على سلاسل التوريد الحيوية، وزادتالضغط على تايوان، وعمقت علاقاتها مع روسيا ومع قسم كبيرمن الجنوب العالمي. وبات موقعها في مواجهة الولايات المتحدةأفضل مما كان عليه عندما عاد ترامب إلى منصبه.

وإذا لم يعترف بعد بأن الصين تمثل أخطر إخفاقات ترامب فيالسياسة الخارجية، فمن المرجح أن يعود ذلك إلى عاملينرئيسيين: افتقار الإدارة إلى أهداف محددة بوضوح يمكن قياسسجلّها على أساسها، وطبيعة الضرر المتراكم على المدى الطويل. فعلى خلاف إيران، لم يضع ترامب وإدارته قط ترتيباً ثابتاًللأهداف تجاه الصين. بل إن استراتيجية الأمن القومي التيأصدرتها الإدارة عام 2025 لم تصنف الصين بوصفها المنافسالجيوسياسي الأول للولايات المتحدة. وبدلا من ذلك، صاغتالتحدي الصيني أساساً بمصطلحات اقتصادية، حتى فيماواصلت جهات أخرى داخل الإدارة النظر إلى بيجين بوصفهاتهديداً عسكرياً وتكنولوجياً وأمنياً كبيراً. ويصعب أيضاً إدراكالضرر، لأنه لا يتكشف في أزمة واحدة شديدة الوضوح، كماحدث مع إيران، بل لا تظهر كلفة فشل سياسة الصين إلا مع مرورالوقت.

باتت بعض إخفاقات السياسات الاقتصادية للبيت الأبيض تجاهالصين واضحة بالفعل: لم تقلّص الإدارة العجز التجاري، ولمتخفض بدرجة كبيرة مكامن الضعف الاقتصادية الأمريكية، ولمتمنع بيجين من تضييق الفجوة في منافسة الذكاء الاصطناعي.

والدليل الأول هو العجز التجاري. فعلى الرغم من أنه كان منذوقت طويل مصدر نفور ترامب الأكبر، لم يشهد ميزان المدفوعاتتحسناً يذكر. وقد تزعم الإدارة أن "سياسة أمريكا أولا التجاريةناجحة"، وأن "الصين لم تعد الشريك التجاري الذي تسجلالولايات المتحدة معه أكبر عجز تجاري". لكن، كما تظهر دراسةحديثة لمعهد بيترسون، لم يكن الأثر الصافي للحرب التجاريةسوى إعادة توجيه الصادرات الصينية عبر دول ثالثة، أبرزهافيتنام وتايوان والمكسيك. وبالمقارنة مع الكلفة الكبيرة التي فرضهاتقلّب الرسوم الجمركية على المصنعين والمستهلكين الأمريكيين،كانت الحصيلة الصافية لسياسة ترامب الجمركية سلبية علىالاقتصاد الأمريكي.

ثانيا، وهو الأهم، أخفقت إدارة ترامب في تقليص اعتمادالاقتصاد الأمريكي على سلاسل التوريد الصينية تقليصاً ذامغزى. وينطبق ذلك على العناصر الأرضية النادرة والمغانط، وهيما يسمى "نقاط الاختناق" التي أخفقت الإدارة، على نحو يتعذّرتفسيره، في توقع أن تستخدمها بيجين وسيلة ضغط في مواجهةالرسوم الجمركية العقابية التي فرضتها واشنطن. وعلى نطاقأوسع، ينطبق الأمر أيضاً على مساحات شاسعة من المدخلاتالصناعية الحيوية للتصنيع الأمريكي. فعلى سبيل المثال، بعدماهدد البيت الأبيض برفع الرسوم الجمركية، سرعان ما تلقى تذكيراًبأن إيرادات المزارعين الأمريكيين كانت، إلى حد كبير، رهينةمشتريات الصين من فول الصويا والمنتجات الحيوانية. ونتيجةلذلك، عندما ردت بيجين، أُجبر ترامب على التوصل إلى هدنة.

ولا تقل التداعيات الأوسع على الأمن الاقتصادي الأمريكيأهمية. فمثلما اكتشفت إيران، عبر إغلاق مضيق هرمز، أن نفوذهاعلى الولايات المتحدة كان أقوى مما كان يمكن أن تتخيله قبلالحرب، أظهرت الصين أنها قادرة على الصمود أمام أكثرإجراءات الحرب التجارية الأمريكية عدوانية، والعثور على سبلللالتفاف عليها، والرد عليها. وقد أوضح اتفاق بوسان في أكتوبر2025، عندما التقى ترامب وشي على هامش اجتماع منتدىالتعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ، هذه النقطة بجلاء: تخلّى ترامب عن تهديده بفرض رسم جمركي إضافي بنسبة 100في المئة على الواردات الصينية، مقابل هدنة هشة بشأن العناصرالأرضية النادرة، وفول الصويا، والفنتانيل، وضوابط التصدير. وسجل بقية العالم، كما ينبغي، حدود النفوذ الاقتصاديالأمريكي في مواجهة الصين.

أما أكثر ما يسبب ضررا على المدى الطويل، فهو إخفاق الإدارةفي الحفاظ على التفوق الكبير الذي كانت تتمتع به أمريكا يوماعلى الصين في مجال الذكاء الاصطناعي. لا تزال الولاياتالمتحدة في الصدارة، لكن الصين أحرزت تقدماً في الابتكاروالتبني على حد سواء. وباتت نماذجها اللغوية الكبيرة تنافسالنماذج الأمريكية، وتتفوق عليها في بعض الوظائف، بكلفة لاتتجاوز جزءاً بسيطاً من كلفتها. وتمنح شعبية النماذج الصينيةمفتوحة الأوزان، إلى جانب قوة الصين التصنيعية وتقدمها فينشر الروبوتات الاصطناعية، بيجين مزايا كبيرة في نشر الذكاءالاصطناعي داخل البلاد وخارجها. كما أنها تحرز تقدماً ثابتافي التغلب على نقطة ضعفها الأساسية: محدودية القدرةالحاسوبية.

يواصل ترامب الزعم أن الولايات المتحدة "تتقدم على الصين بفارقكبير" في الذكاء الاصطناعي. لكن هذا الفارق يتقلّص، وليسذلك نتيجة السياسة الصينية والبراعة الصينية وحدهما. فقدتجاهلت الإدارة متطلبات استراتيجيتها الخاصة، وافتقرت إلىالاتساق في استخدام الأدوات التي ورثتها. ولم تحافظ علىضوابط عهد بايدن المفروضة على أشباه الموصلات المتقدمة،وتحركت ببطء شديد في مواجهة سبل التحايل المتوقعة. وأتاح ذلكللشركات الصينية تدريب نماذجها باستخدام رقائق محظورةحصلت عليها مباشرةً أو عبر دول ثالثة. ويمكن لضوابط التصديرأن تشتري الوقت، لكن فعاليتها تعتمد على توقّع كيفية تكيفالخصم. وانشغلت الإدارة بإدراج الشركات على القوائم السوداء،إلا أن نهجها بقي فوضويا وقائماً على رد الفعل، بينما عملتالصين بصورة منهجية على سد الفجوة، من خلال مزيج منالبحوث الأساسية والتطبيقية، والابتكار في العمليات، والاستغلالالخفي للتقدم والقدرات لدى شركات الذكاء الاصطناعيالأمريكية.

قد يعترض بعض المراقبين بأن المحصلة الإجمالية لا تزال فيمصلحة واشنطن: فالاقتصاد الأمريكي يمضي قدماً بقوة،والأسواق عند مستويات قياسية، والشركات الأمريكية تتمتع برأسمال أكبر من أي وقت مضى. وفي المقابل، تعاني الصين تبعاتديون قطاع العقارات، واتجاهات ديموغرافية معاكسة، وسيطرةسياسية خانقة. لكن هذه اللقطة الآنية تغفل الاتجاه طويل الأجل. ويُظهر التاريخ الاقتصادي أنّ القوة الوطنية لا تعتمد على الابتكارالعلمي والتكنولوجي الخالص بقدر اعتمادها على القدرة علىالهيمنة على الدورة الكاملة لتكنولوجيا جديدة متعددة الأغراض: الاكتشاف، والتسويق التجاري، والنشر على نطاق واسع. ووفقهذا المقياس، تبدو الصورة أقل ملاءمة بكثير للولايات المتحدة.

ففيما تهاجم واشنطن الجامعات، وتنفر المواهب عبر قواعد هجرةعقابية، وتخضع التمويل العلمي للمراجعة السياسية، تتجه الصينإلى تخريج عدد من حاملي الدكتوراه في العلوم والتكنولوجياوالهندسة والرياضيات (STEM) كل عام يكاد يساوي ضعفيالعدد الأمريكي، وتقدم طلبات براءات اختراع تفوق ما تقدمهالولايات المتحدة، بالتوازي مع تضييق الفجوة في البراءات العاليةالجودة، وتعمل بنشاط على استقطاب المواهب التي تصدهاأمريكا. وفيما يفكك البيت الأبيض دعم طاقة الرياح والمركباتالكهربائية وغيرها من صناعات الطاقة النظيفة، تعزز الصينهيمنتها العالمية على البطاريات والطاقة الشمسية والمركباتالكهربائية. وفيما تنفر واشنطن شركاءها التجاريين بالرسومالجمركية والتهديدات وتعطيل ترتيبات تجارية راسخة منذ زمنطويل، توسع الصين شبكتها الخاصة من الاتفاقات التجاريةوصفقات الوصول إلى الأسواق، وتكسب أسواقاً في أنحاء العالم،وتسجل فوائض قياسية تدفعها، على نحو متزايد، صادراتالتكنولوجيا المتقدمة.

خسرت واشنطن أرضا أيضا على الجبهة العسكرية والأمنية. فقدتمثلت المصلحة الاستراتيجية الأمريكية الراسخة في منطقة آسياوالمحيط الهادئ في منع الصين من أن تصبح القوة المهيمنة فيالمنطقة. وتعتمد هذه الاستراتيجية على العمل لموازنة الصين، عبرالتعاون مع قوى إقليمية أخرى وردعها عن استخدام القوة ضدتايوان. وهذا يتطلب، بدوره، وجود قوات أمريكية كبيرة في المنطقة،ورسائل ذات صدقية بشأن تايوان، وتحالفات قوية وفاعلة.

وفي كل عنصر من هذه العناصر، ضعف الردع في عهد ترامب. وأكثر الجوانب وضوحا هو تحويل مسار القوات. فمن خلال شنحرب على إيران، حولت إدارة ترامب موارد كبيرة بعيدا من منطقةآسيا والمحيط الهادئ. وأدى نقل حاملة الطائرات "يو أس أسجورج واشنطن" من اليابان إلى الشرق الأوسط إلى ترك غربالمحيط الهادئ من دون حاملة طائرات أمريكية. كما استهلكالصراع كميات كبيرة من الصواريخ الدقيقة بعيدة المدى،وصواريخ "باتريوت" الاعتراضية، وصواريخ "ثاد" الاعتراضية،وصواريخ "توماهوك" نفسها، وهي أسلحة حيوية في أي صراعمع الصين.

ولم يكن أداء الرسائل السياسية أفضل حالا. فمنذ أواخر عام2025، أجرت بيجين أوسع مناوراتها حول تايوان وأقربها إلىالجزيرة، وأطلقت صواريخ في المياه المحيطة بها، وتدربت علىعمليات الحصار، وحاكت ضربات ضد منظومات زودت الولاياتالمتحدة تايوان بها، وأجرت مسوحا بحرية في المنطقة الاقتصاديةالخالصة لتايوان قبالة الساحل الشرقي للجزيرة. واحتجتواشنطن على بعض هذه التحركات، وتعهدت مواصلة تقديم الدعمإلى تايوان. لكن تعامل ترامب مع حزمة أسلحة قيمتها 14 ملياردولار بوصفها "ورقة تفاوض" بعث إلى بيجين بإشارة مفادها أنهينظر إلى أمن تايوان باعتباره أمراً يمكن مقايضته بتنازلات فيملفات أخرى من العلاقة.

وفي أنحاء المنطقة، يدفع ضعف الضمانات الأمنية الأمريكيةالدول إلى التحوط في علاقاتها مع بيجين، بوصف ذلك شكلا منأشكال الموازنة الاستراتيجية. وكوريا الجنوبية مثال واضح علىذلك. فقد أمر ترامب البنتاغون بأن "يقلّص بدرجة كبيرة" المناوراتالعسكرية السنوية بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، عازياًذلك إلى رفض سيؤول دعم حرب إيران، وإلى "علاقته الرائعة" معالزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، الذي وصفه بأنه "غيرمهدِد ومحترم". أما الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ،فأعلن من جهته أنه يسعى إلى "استعادة كاملة" للعلاقات معالصين. كما سببت واشنطن، من دون داعٍ، توترا في علاقتها معالهند، التي عملت إدارات متعاقبة بصبر على تنميتها بوصفهاثقلاً إقليمياً موازناً رئيسياً للصين. ولا تزال بيجين ونيودلهي لا تثقإحداهما بالأخرى، لكنهما تتقاربان عملياً من خلال مجموعة"بريكس"، حول أنظمة تجارية ومالية بديلة محصّنة من التدخلالأميركي.

لا تزال الولايات المتحدة تمتلك أقوى جيش في العالم، ولا تزالالصين بعيدة من مجاراة امتداده العالمي. لكن القوات الأمريكيةمطالبة بالوفاء بالتزامات في أنحاء العالم، بينما تركز الصين علىأهداف أضيق قرب سواحلها. وفي غرب المحيط الهادئ، تركترامب عدداً أقل من الأصول الأمريكية المتاحة فوراً، وأوجد قدراًأكبر من عدم اليقين بشأن تايوان، وأضعف ثقة الحلفاء الرئيسيين. وتخدم هذه التغييرات كلها هدف بيجين الأوسع، المتمثل في إقناعدول المنطقة بأن القوة الأمريكية لا يمكن الاعتماد عليها، وأنّمقاومة النفوذ الصيني باهظة الكلفة.

وتجادل الإدارة، من جهتها، بأن التخلص من الأعباء الماليةوالدبلوماسية، وإظهار الاستعداد لاستخدام القوة الصلبة، يفوقانكلفة تآكل ثقة الحلفاء. لكن، من منظور بيجين، يمثل تدهور شبكةالتحالفات الأمريكية الكثيفة هدية غير متوقعة.

لطالما واجهت الصين صعوبة في منافسة الولايات المتحدة فيالقوة الناعمة، لأنّ سلطوية الحزب الشيوعي الصيني، وانتهاكاتهلحقوق الإنسان، ودبلوماسية "الذئب المحارب"، تحد من جاذبيتها. وفي عهد ترامب، بدأت الفجوة تضيق، لا لأن الصين تجاوزت أوجهالضعف هذه، بل بسبب التدهور الحاد في صورة الولايات المتحدةفي الخارج. فقد أضعفت سياسات ترامب ثلاث ركائز للقوةالناعمة الأمريكية: قوضت جاذبية القيم السياسية للبلاد، وأضرّتبسمعتها بوصفها شريكا موثوقا وسخياً، وأضعفت التصورالراسخ منذ وقت طويل بأن القوة الأمريكية تعمل، عموماً، ضمنقواعد وقيود، بما في ذلك احترام الاتفاقات الرسمية.

وفي الداخل، أضرت حملة ترامب المتشددة على الهجرة، وضغوطهعلى الجامعات ومنظمات المجتمع المدني ذات الميول اليسارية،وهجماته على الصحافة، بالمكانة العالمية للولايات المتحدة بوصفهانموذجاً للحرية السياسية. وفي استطلاع أجراه مركز "بيو" للأبحاث عام 2026 في 36 دولة، قال 39 في المئة فقط منالمشاركين إن الحكومة الأمريكية تحترم الحريات الشخصيةلمواطنيها، بينما قال 56 في المئة إنها لا تفعل. وفي كل دولة تقريباًتوفرت لدى "بيو" بيانات قابلة للمقارنة عنها منذ عام 2021،تراجعت بشدة التصورات المتعلقة باحترام أمريكا للحرياتالفردية.

كما أضعفت الثقافة السياسية لشعار "لنجعل أمريكا عظيمةمجددا" (MAGA) صورة الولايات المتحدة بوصفها مجتمعاًمتعدد الثقافات، يستطيع فيه أشخاص من أعراق ودياناتوأصول قومية مختلفة الانتماء والنجاح. ويقوض خطاب ترامبالقومي المناهض للمهاجرين، ومسعاه إلى تضييق حدود تعريفالهوية الأمريكية، صدقية واشنطن عندما تدين التعصب والقمعفي الخارج. ويمنح ذلك الحكومات السلطوية، بما فيها الصين،مادة جاهزة لتصوير دعم الولايات المتحدة للديمقراطية وحقوقالإنسان على أنه نفاق. وسجل "مؤشر القوة الناعمة العالمي" لعام2026، الصادر عن "براند فاينانس"، الاتجاه نفسه: إذ سجلتالولايات المتحدة أكبر تراجع بين جميع الدول الـ193 التي شملهاالتقييم.

كانت المساعدات الخارجية، ذات يوم، مصدرا مهماً آخر للنفوذالأمريكي ولحسن النية تجاه الولايات المتحدة. لكن التفكيكالمفاجئ الذي أجرته إدارة ترامب للوكالة الأمريكية للتنمية الدوليةعطل برامج التنمية والمساعدات الإنسانية حول العالم. وفي عام2025، انخفضت المساعدات الأمريكية بنسبة 57 في المئة. وباتتالولايات المتحدة تقدم الآن مساعدات دولية أقل مما تقدمه ألمانيا. وبصرف النظر عن الكلفة البشرية، يحمل هذا الانسحابالفوضوي كلفة سياسية خاصة به: فهو يبلغ الدول بأن أمريكا لمتعد تؤمن بأن التنمية الاقتصادية والصحة العامة والتعليم والحدمن الفقر حول العالم تصب، في نهاية المطاف، في مصلحةالولايات المتحدة.

كما اعتمد ترامب، على نحو متزايد، على الإكراه العسكري، مندون اكتراث يُذكر بالقوانين والمعايير الدولية التي زعمت الولاياتالمتحدة تقليدياً أنها تتمسك بها. ففي يناير، ألقت الحكومةالأمريكية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ونقلتهجواً إلى نيويورك. وأوضح ترامب أنّ العملية لم تكن مدفوعة بسجلمادورو بوصفه مستبداً قاسياً بقدر ما كانت مدفوعة بمواردفنزويلا النفطية، وبالحصول على طاعة سياسية من قادة البلاد. وبعد ذلك، أبرمت واشنطن ترتيباً نفطياً تمتلك الحكومة الأمريكيةبموجبه حصة تبلغ 35 في المئة في شركة تسيطر على حقولفنزويلية رئيسية. وفي فبراير، شنت الولايات المتحدة و"إسرائيل" الحرب على إيران، من دون التشاور مع الحلفاء، أو حتى مراعاةشكلية لأحكام ميثاق الأمم المتحدة. كما واصلت إدارة ترامبدعمها العسكري لـ"إسرائيل" من دون أي محاولة لمعالجة القلقالدولي المتصاعد بشأن الضحايا المدنيين والأزمة الإنسانيةالمدمرة في غزة.

لم تصبح الصين في عهد شي أكثر ليبرالية في الداخل، ولا أكثرإحساناً على المستوى الدولي. لكن القوة الناعمة مفهوم مقارن،فكلما تدهورت صورة أميركا، كسبت الصين أرضاً تلقائياً. ويجدمركز "بيو" الآن أنّ النظرة إلى الصين أكثر إيجابية من النظرةإلى الولايات المتحدة في 25 من المواقع التي شملها الاستطلاع.

ولذلك بعد دولي أكثر مباشرة أيضاً. فقد خفضت إدارة ترامبالتمويل والضغط الدبلوماسي والضغط المنسق، التي كانت توفرفي السابق قدراً من كبح الحكومات السلطوية. وأدّت التخفيضاتفي المساعدات الخارجية وبرامج وزارة الخارجية الخاصةبالديمقراطية، فضلا عن محاولات خفض تمويل "الصندوقالوطني للديمقراطية"، إلى انهيار حاد في دعم المجتمع المدني،ووسائل الإعلام المستقلة، ومراقبة الانتخابات، وآليات المساءلةمتعددة الأطراف. ومع تراجع عدد هذه الآليات، حصلت بيجينعلى مساحة أوسع لصوغ المعايير الدولية بما يخدم مصالحها،وتوسيع نفوذها السياسي والإعلامي، وقمع منتقديها في ظلمقاومة منسقة أقل.

وكان لوقف تمويل العمل المتعلق بحقوق الإنسان والديمقراطية فيالصين، على وجه الخصوص، أثر في تقليص التدقيق في القمعالداخلي الذي تمارسه بيجين وفي توسّع نفوذها السلطوي فيالخارج. واضطرت منظمات تُعنى بالصين، وترصد المعارضةوحقوق العمال والاضطهاد الديني، إلى تعليق مشروعات وتسريحموظفين، بينما عطّلت التخفيضات التي طالت "إذاعة آسيا الحرة" مصدراً نادراً للتقارير غير الخاضعة للرقابة باللغات الصينيةالمندرينية والتبتية والأويغورية. وقد أضعفت هذه التخفيضات، إلىجانب تعليق مبادرة صممت لمكافحة التضليل الإعلامي الأجنبيفي الولايات المتحدة، القدرة على مراقبة الرقابة والدعايةالصينيتين، فضلا عن محاولات بيجين تفريغ منظومة الأمم المتحدةلحقوق الإنسان من مضمونها.

ولأنّ النظام الدولي الذي قادته الولايات المتحدة بعد الحرب كانينطوي على تفضيل للديمقراطية الليبرالية، عانت الأنظمة غيرالديمقراطية، منذ وقت طويل، عجزاً في الشرعية داخل المحافلالدولية مثل الأمم المتحدة، ما حدّ من قدرتها على السعي إلىتحقيق أهداف سياستها الخارجية على قدم المساواة من حيثالمعايير. ومن خلال إضعاف هذا القيد، منحت إدارة ترامب الصينحرية أكبر لإعادة تشكيل النظام الدولي بطرق أكثر ملاءمة للدولالسلطوية، بما يضرّ، على المدى الطويل، بالديمقراطية في العالموبالولايات المتحدة نفسها.

ترامب وشي ينظران إلى أطفال يلوّحون بالأعلام الصينيةوالأميركية، خلال اجتماعهما في بيجين في 14 أيار/مايو. بريندانسميالوفسكي/وكالة الصحافة الفرنسية عبر غيتي إيمدجز.

وعند جمع كل ذلك، يلفت النظر مدى كون انتكاسات واشنطن منصنع يدها. فعلى الرغم من أنّ الصين أقوى منافس جيوسياسيللولايات المتحدة، وواحدة من الموضوعات القليلة جداً التي تحظىبتأييد الحزبين، فقد أُهملت فعلياً بوصفها أولوية استراتيجية. وكانت معظم قرارات الإدارة غير متّسقة وقائمة على رد الفعل. كماكشف ترامب مدى هشاشة الاقتصاد الأمريكي أمام تحركاتالصين، ما ضيق خيارات السياسات المتاحة للإدارات المقبلة.

وما يزيد من إثارة الدهشة أنّ الولايات المتحدة سمحت للصينبكسب كل هذا القدر من الأرض خلال فترة زمنية قصيرة كهذه،على الرغم من محدودية مهارة بيجين نسبياً في استغلال حالةالاضطراب في واشنطن. وكما جادل ديفيد شامبو وستيفن إف. جاكسون، فإن الصين "تهدر فرصة ذهبية" أوجدتها أخطاءترامب. وبسبب تهديدات بيجين لتايوان ومطالباتها البحرية، ترددول كثيرة على عدم موثوقية الولايات المتحدة بالتحوّط من القوتينالعظميين كلتيهما، بدلاً من الانجذاب نحو الصين. وفي غضونذلك، توقّفت الإصلاحات الاقتصادية في بيجين، بينما تثير آلتهاالتصديرية الهائلة ردّ فعل مضاداً، حتى لدى دول نفّرتهاواشنطن.

لكن الصين لا تحتاج إلى أن تحظى باحتضان العالم كي تستفيدمن تراجع أمريكا. فنظام شي معني، في المقام الأول، بأمنهالخاص، وبتهيئة بيئة دولية مواتية لاستمرار صعود الصين. ووفقكلا المقياسين، هو في وضع أفضل الآن مما كان عليه قبل 19 شهراً، إذ بات يمتلك أسواقاً أكثر، وأوراق ضغط أكبر، ومساحةأوسع للضغط على تايوان. وربما يكون أعظم إرث لترامب هوتأكيد اعتقاد شي بأن الوقت في صف الصين.

عمر نجيب

[email protected]