
الحرب في اليمن متعددة الطبقات، تجمع بين صراعات داخلية وتدخلات إقليمية ودولية، فيما يرى النص أن مفتاح التسوية يبدأ بحوار مباشر بين صنعاء والرياض وتفكيك مفاهيم "الشرعية" و"الوكالة" التي تبسّط الأزمة وتشوّه تعقيداتها.
ما من أزمة تعرّضت للتشويه و"الاختزال" و"التبسيط" و"التسطيح"، مثل الأزمة اليمنية، وما من خلط واختلاط في المفاهيم والمصطلحات لحقا بحرب من حروب الداخل والخارج، مثلما حصل للمفاهيم والمصطلحات التي صاحبت الأزمة اليمنية خلال أكثر من عقدين من الزمن.
ونقول أكثر من عقدين، لأن حرب اليمن، وحروب الآخرين عليه، لم تبدأ بالأمس القريب، ولا حتى في حرب السنوات الثماني. فجذر الحرب، في طبقاتها المتعددة والمتراكبة، أبعد من ذلك بكثير، ويعود إلى زمن الراحل علي عبد الله صالح، وتحالفاته المتقلبة مع عواصم خليجية وازنة، التي تشبه المد والجزر. أما أدوات الحرب الدائرة هذه الأيام، ووقودها وتحالفاتها وأهدافها الأقرب والأبعد، فقد سبق لتجلياتها أن ظهرت منذ زمن طويل، وإن بوتائر أقل شدة، وحد أدنى من "السفور".
أولاً: في تفكيك طبقات الحرب
في توصيف ما يجري في اليمن، ثمة سرديات متضاربة، تُخفي كل واحدة منها انحيازاً سياسياً، وأحياناً إيديولوجياً. فمن يقول إنها حرب يمنية - يمنية أساساً، يتغافل عن دور الخارج في تأجيج الصراع و"أقلمته" و"تدويله". هنا، تبرز السردية السعودية بخاصة، إذ تصر المملكة على أنها ليست طرفاً في هذا الصراع، وأن تدخلها فيه يندرج دائماً في إطار الوساطة والرعاية لسلام متعذر بين "الإخوة الأعداء"، وأن لا مطمع لها ولا مطمح من أي نوع في اليمن، وأن دورها فيه يأتي رداً على "تغوّل" إيران وتوغلها في الشأن اليمني، ودائماً من بوابة دعم "الشرعية". و"الشرعية" هنا توضع بين مزدوجين، وسنأتي على "تفكيكها" قبل نهاية هذه المقالة. والسردية السعودية تكاد تختصر سردية خليجية واسعة، ومن خلفها سردية عربية رسمية بامتياز.
تقابلها "سردية إيرانية"، تترفع عن اتهامات التدخل، وتحيل الصراع إلى بعده اليمني، من دون أن تنسى توجيه أصابع الاتهام إلى دول خليجية وعربية ضالعة في حروب اليمن ومتسببة في عدم استقراره. وتشير بأصابع الاتهام إلى التدخل الخليجي، المدعوم أميركياً وغربياً، وأحياناً إسرائيلياً، لتصل إلى أن كل ما يتعلق بالشأن اليمني يعود قراره إلى "أنصار الله" المستقل، من دون إخفاء الطابع التحالفي - التنسيقي بين صنعاء وطهران.
تبرئة الذات من "فرية" التدخل في الشأن اليمني، واتهام الخصوم بالتدخل الوقح والسافر، هو القاسم المشترك الأعظم بين "السرديتين"، وهو اختزال مخل لشرح ما يحدث في البلد الذي لم يعد "سعيداً" منذ أمد بعيد.
وتعظّم سردية ثانية أثر العامل الخارجي في إذكاء الحرب في اليمن وعليه، حتى بدا مجرداً من دوافعه وعوامله الوطنية، الكامنة في صلب الانقسامات السياسية والاجتماعية، وتضارب أولويات وأهداف فاعلين يمنيين أساسيين، كما تجرده من طابعه العقائدي، لتعيد تقديمه بوصفه "حرب وكالة" يدور رحاها بين طهران من جهة، وخصومها الكثيرين في الإقليم من جهة أخرى.
وتضيف الجغرافيا السياسية بعداً دولياً حاسماً إلى هذه السرديات، عند تفسير أسباب اندلاع هذا الصراع وديمومته، حتى صار واحداً من أقدم الصراعات في الإقليم. هنا تدخل الولايات المتحدة بوصفها راعية "الشرعية" ورعاتها من عرب وإقليميين، وتدخل الصين بوصفها مصدراً لتكنولوجيا المسيّرات والصواريخ الحوثية، وتدخل روسيا بوصفها منافساً لأميركا على مستقبل النظام العالمي الجديد، دع عنك لاعبين إقليميين من خارج الدائرة العربية، مثل إثيوبيا وتركيا، وآخرين من دونهم.
والحقيقة أن للحرب في اليمن وعليه طبقات عدة متراكبة. فمن يتجاهل البعد اليمني - اليمني لهذه الحرب، ينكر أولاً حقيقة أن انقسامات اليمنيين العشائرية والمناطقية والجهوية لطالما كانت "محركاً" مهماً من محركات الحرب والصراع والتنازع.
وينكر ثانياً أن ثمة أجندة "استقلالية" لأهل الجنوب، البعض يسميها "انفصالية"، مع أنها لم تنشأ من فراغ، ولديها عواملها وبواعثها الحقيقية.
وينكر ثالثاً أن ثمة انقسامات مذهبية وطائفية، بين حوثية - زيدية "أقرب للجعفرية" وإخوانية وسلفية، تجلت في أحزاب وجماعات سياسية ومسلحة، لم تنشأ اليوم، وأن جذورها ضاربة في عمق البيئة اليمنية منذ سنوات وعقود.
وينكر رابعاً أن ثمة انقسامات بين اليمنيين حول مستقبل بلدهم، وشكل الدولة والحكم اللذين يريدونهما في المستقبل، بين "إمامية" و"جمهورية"، وبين اتجاهات تحبذ "الانفصال"، وأخرى أميل إلى "الفيدرالية"، وثالثة ما زالت تقف عند تخوم "الدولة المركزية".
وهذا فيض من غيض الانقسامات الداخلية التي تغذي الصراع، وتتسبب في استدامته، وتفتح ثغرات كبيرة في جدران السيادة والوحدة الوطنية وتماسك النسيج الاجتماعي، تسمح لكل من يريد العبث باليمن بالتسلل من هذه الشقوق، التي تصبح أحياناً بمثابة بوابات للتدخل الخارجي و"الاستزلام" والاسترزاق، وغير ذلك مما نعرف ونشاهد منذ ردح من الزمن.
ولم يكن الحديث عن "أقلمة" الصراع في اليمن و"تدويله" ممكناً، لولا وجود منظومات مصالح إقليمية ودولية، طامعة وطامحة في البحث عن موطئ قدم في الجغرافيا والمياه والأجواء والثروات اليمنية، من ممرات الملاحة وطرقها ومضيقها "باب المندب"، إلى ثروات البلاد التي لم تتوفر لليمنيين الفرصة لاكتشافها واستخراجها والانتفاع بها.
ثمة من لا يريد لليمن أن يكون موحداً ومستقراً ونامياً، والأهم "ديمقراطياً - تعددياً"، خشية انتقال العدوى إلى دواخل هذه الأطراف. وثمة من هو على استعداد لصرف الغالي والنفيس لمطاردة الإسلام السياسي بمختلف مدارسه حتى أبعد نقطة على سطح الكوكب.
واليمن لطالما كان حاضنة لمختلف مدارس الإسلام السياسي والمسلح، من "قاعدة عدن - أبين" الأكثر إثارة لقلق الغرب أساساً، إلى المدارس السلفية التي عمل علي عبد الله صالح على دعمها وضمان انتشارها، "نكاية" بالحوثيين وفي مواجهتهم، مدعوماً بتأييد عربي وخليجي واضح، مروراً بالتجمع اليمني للإصلاح، إخوان اليمن، ذوي البعد الاجتماعي الوازن في مناطق وأوساط مهمة من هذه البلاد، وليس انتهاء بأنصار الله الذين تسارع اقترابهم من الجعفرية الإمامية بعد حروب علي عبد الله صالح الست عليهم.
وثمة من تتسمر أنظاره، من دول الخليج والإقليم، على الجزر اليمنية النادرة والحاكمة، وعلى شواطئها الممتدة لآلاف الكيلومترات، وعلى المضيق والموانئ، من ضمن رؤية كونية للتمدد والانتشار، بمعناه الاستثماري والاستراتيجي على حد سواء.
لكل هذه الأسباب، تبدو الحرب في اليمن وعليه متعددة الطبقات. واحدة منها "وطنية"، يمنية - يمنية، وثانيتها إقليمية بين دول طامعة في الأرض وباطنها، والمياه بشواطئها وجزرها وموانئها وممراتها، وثالثتها دولية تتصل بصلب أمن الملاحة والتجارة وسلاسل الإمداد و"محاربة القرصنة والإرهاب"، على كتف "القرن الأفريقي".
وفي سعيها إلى تقليل كلف نزوعها للهيمنة وسعيها إلى إيجاد مواطئ أقدام في هذه الجغرافيا الحساسة، سعت مختلف الأطراف إلى البحث عن "وكلاء" و"أعوان" من بين اليمنيين. ومن أسف، فإن معظم اللاعبين الإقليميين، بالأخص العرب، لا يجدون عنتاً في الحصول على ما يبتغون.
فاليمنيون أنفسهم سمحوا بأن تكون بلادهم "ملعباً مفتوحاً" لمن يريد اللعب والعبث، وهم أنفسهم من استدعى مختلف التدخلات الأجنبية. والتاريخ الحديث يقول إن لعبة "انقلاب البنادق" أو "نقل البندقية من كتف إلى كتف" قد انتشرت في اليمن أكثر من أي ساحة أخرى من ساحات الأزمات المفتوحة.
لنخلص إلى القول: إن تفكيك طبقات الحرب في اليمن وعليه ليس أمراً مهماً فقط من الناحية المعرفية والتشخيصية، بل هو "شرط مسبق" عند اجتراح الحلول والمبادرات. فكل مبادرة أو وساطة لا تلحظ هذه الطبقات وتبني عليها ستظل ناقصة، وستزرع، بدورها، بذور جولات جديدة من الحرب المتناسلة في اليمن، وما أكثرها من جولات.
ولكي نخرج من "دوامة اللعبة واللاعبين"، يتعين تعيين ما هو مركزي من حلقات هذه الصراعات، وما هو أقل أهمية، ويمكن إدراجه في المرتبة الثانية أو الثالثة. وهي قضية تتبدل بتبدل ظروف اليمن، وتعاقب موجات الحرب والتهدئة والسلام القصير التي مر بها.
أما اليوم، فأحسب أن الحلقة المركزية في هذه الصراعات تنعقد بين صنعاء والرياض، وتسبق بقية الحلقات والدوائر الأخرى. فإن أمكن إيجاد تسوية شاملة بين الفريقين، بعد مساعدتهما على الهبوط عن قمة الشجرة، يمكن الشروع في تفكيك بقية الصراعات، ويمكن فعل ذلك بدرجة أعلى من اليسر، وفرص أكبر للنجاح.
ويقتضي ذلك، من ضمن ما يقتضي، فتح قناة حوار مباشر بين العاصمتين المتحاربتين، وقناة أخرى بين الرياض وطهران، بالارتكاز إلى مروحة واسعة من الوسطاء و"الحكماء"، تبدأ من مسقط، ولا تنتهي بأنقرة وإسلام آباد والقاهرة والدوحة.
إن سارت التطورات على نحو إيجابي على هذين المسارين، يمكن تخيل انحلال كثير من العقد والهواجس التي تباعد ما بين اليمنيين أنفسهم، وبعضهم قراره ليس في يده على أية حال، ويمكن تحييد التنازع السعودي - الإماراتي في الجنوب وعليه، ويمكن نقل العلاقة بين ضفتي الخليج العربي من الصراع على اليمن إلى التعاون لمعالجة أزماته، وبما يمهد، ربما، لاحتواء الصراع الأكبر بين العواصم المشاطئة للخليج كذلك.
ثانياً: في تفكيك المفاهيم والمصطلحات
في السياسة، كما في الإعلام، يجري تصوير الصراع اليمني - اليمني بوصفه صراعاً بين ميليشيا مارقة، إيديولوجية، إرهابية غالباً، وكيل وعميل للخارج، في إشارة إلى أنصار الله الحوثيين من جهة، و"شرعية" معترف بها عربياً ودولياً، من حقها أن تطلب مختلف أشكال الدعم والتدخل الخارجي من جهة ثانية.
لن أتناول الحوثيين باستفاضة في هذا المقال، فقد سبق أن تناولت "أنصار الله" في مقالة نُشرت على هذا الموقع قبل بضعة أسابيع، وسأكتفي بالقول إن الجماعة تحتل "منزلة بين منزلتين"، فهي "لاعب لا دولتي" من جهة و"دولة" من جهة ثانية.
لقد ورثت دولة اليمن بجيشها ومؤسساتها، وهي تمتد على ثلث مساحة البلاد، وتحت حكمها ينتشر ثلاثة أرباع اليمنيين، ومنذ أن تولوا الحكم في صنعاء ومعظم شمالي اليمن، بدت سياساتهم وممارساتهم كمزيج غير متجانس بين "الميليشيا" و"الدولة".
وهم، في علاقتهم مع طهران، أقرب إلى الحليف الوثيق منهم إلى "التابع" أو "الوكيل"، بشهادات عشرات الدراسات والتقارير الوازنة، وهم أكثر استقلالية عنها من حال معظم خصومهم اليمنيين مع رعاتهم وحلفائهم العرب والإقليميين.
ولقد دلت تجربتهم على أنهم في وضعية من يمتلكون قرارهم، لكنهم، مع ذلك، لا يترددون، طواعية أو لضرورات إدامة التحالف مع طهران، في مد يد "الإسناد" وخوض حروبه، تارة لغزة، وأخرى لحزب الله وإيران، في إطار ما عُرف يوماً باسم "محور المقاومة والممانعة".
صحيح أن ثمة "التباسات" عميقة، ومريبة أحياناً، تحيط بتصوراتهم لمستقبل اليمن، وطبيعة نظام الحكم فيه، ومنظومات الحقوق والحريات التي يرونها مناسبة لشعبهم. وصحيح أنهم يحجمون عن الإفصاح عما يدور في خلدهم من إجابات عن أسئلة المستقبل اليمني وتحدياته، لكن الصحيح أيضاً أن فرصة الإفصاح عن هذه المكنونات لم تتوفر بعد، أقله منذ انتهاء جولات الحوار اليمني وصدور مخرجاته.
بيد أن القاعدة الحاكمة في النظر إليهم وإلى خصومهم يمكن إيجازها بالقول: "إن اليمن لا يُحكم بالحوثيين، ولا يُحكم من دونهم".
في المقابل، يبدو مصطلح "الشرعية" اليمنية من أكثر الاصطلاحات غموضاً وتضليلاً. فمن أين تأتي الشرعية في بلد لم تُجرَ فيه انتخابات برلمانية منذ ربع قرن تقريباً، آخرها في العام 2003، ولا انتخابات رئاسية منذ العام 2012، حين خاضها عبد ربه منصور هادي توافقياً، وفاز بـ"99.8 بالمئة من الأصوات"؟ وهذا أولاً.
أما ثانياً، فإن "الشرعية"، في واقع الحال، كانت انتقلت بالتوارث إلى المؤتمر الشعبي العام، حين كان حزب السلطة، وثمة ما يشبه الإجماع على أن ما مضى لهذا الحزب المتشظي والمستهلك لن يعود إليه، وأن حكاية اختيار الرئيس الانتقالي من صفوف هذا الحزب هي بمثابة بحث عن "إحياء لعظام الشرعية وهي رميم".
وثالثاً، إن الشرعية بحد ذاتها ليست سوى ائتلاف بين "لاعبين لا دولتيين"، أو، بالمباشر، ميليشيات مؤتلفة، لا تحظى أي منها بالشرعية، وحاصل جمع "اللا شرعيين" لا يعطي شرعية لأحد.
ولقد سبق لأجنحة الحكم أن اقتتلت في حرب ضروس فيما بينها، أما ولاءاتها فتوزعت بين إخوانية وسلفية وعشائرية وانفصالية. فما الذي "يجمع الشامي بالمغربي"؟ ولقد شهد الجنوب حرب إلغاء بين "الشرعية" و"المجلس الانتقالي"، أحد مكوناتها، وهي إذ تضم في صفوفها قوى دينية عقائدية، من سلفية وغيرها، لا يعطيها ذلك ميزة على الحوثيين المتهمين بانتماءاتهم العقائدية.
رابعاً، في السياسة، ثمة قوى تدعم وحدة البلاد، وأخرى ترفع رايات "الجنوب العربي" في كل مناسبة. ثمة من ينافح عن "إرث الجمهورية"، ومن يطالب بتحكيم "شرع الله وشريعته في الحكم".
وعبارة "الجنوب العربي" هنا تأتي لمداعبة "ذاكرة جمعية" لأهل الجنوب، لم تنطل حتى على مجرم حرب مثل نتنياهو، الذي أدرج بعض قوى الشرعية، إن لم نقل جميعها، في دائرة ثانية من دوائر "التحالف السداسي" الذي يتطلع لبنائه بقيادة إسرائيل، لمواجهة إيران ومحورها الشيعي من جهة، والمحور الراديكالي السني من جهة ثانية.
ولقد سبق لبعض فرسان "المجلس"، قبل وبعد انضوائهم في الشرعية، أن جاهروا برغبتهم في الالتحاق بالقاطرة الإبراهيمية، أقله قبل اندلاع حرب الإخوة الأعداء في الجنوب، أو حرب الوكالة بين الرياض وأبو ظبي.
عن أي شرعية نتحدث؟ وما هي هوامش "قرارها المستقل"؟ وبأي جرأة يتحدثون عن بناء الدولة وسيادة القانون و"حصرية السلاح" و"قرار الحرب والسلم"، وهم الذين أخذت حواضنهم تضيق بهم، وببذخهم واسترخائهم، وتفضيلهم "المنفى المريح" على "العودة المكلفة" إلى حضن الوطن، أقله المناطق المحررة من البلاد، وهي التي تزيد على ثلثي مساحته؟
هل يكفي أن تعترف حفنة من العواصم الوازنة، عربياً وإقليمياً، لكي يصبح هذا الفريق "شرعية"، وينزع غطاء الشرعية عن خصومه ومنافسيه من أبناء جلدته؟ وما قيمة "الشرعية" إن كانت "صنع في الخارج"، فيما "الداخل" أو "الدواخل" في واد أو وديان أخرى؟
ولقد أظهرت الجولة الأخيرة من الحرب هشاشة "الشرعية" وتشققاتها. بعض أجنحتها لم يقاتل، أو قاتل قتالاً انسحابياً - تراجعياً، وبعضها آثر توفير موارده لخوض حروبه الخاصة اللاحقة، طالما بقيت الحرب بعيدة عن مناطق هيمنته ونفوذه.
أما القتال الحقيقي، فقد صدر عن جماعات سلفية عقائدية، أخذت تستقوي بمظلة الشرعية لاستدعاء مزيد من أقرانهم، بالذات "الجهاديين" الذين رفضوا إحالتهم على "تقاعد مبكر" في سوريا، بعد سقوط نظام الأسد، وأعدادهم بالآلاف.
الاختفاء خلف هذه المصطلحات والمفاهيم ينفع في حملات الشيطنة والدعاية والبروباغندا، بيد أنه يلحق ضرراً بالغاً إن تمت الانطلاقة منه في البحث عن مخارج وحلول وتسويات. عندها، تشتد الحاجة إلى تفكيك المصطلحات والمفاهيم.
مدير مركز القدس للدراسات السياسية









