حروب الشرق الأوسط في معادلات النظام الدولي والأنظمة الليبرالية.... ازمات النظم السياسية الغربية والبحث عن قواعد أكثر عدلا

خميس, 2026-10-22 05:39

يتناحر رأيان بشأن مستقبل الأوضاع والتوازنات في العالم على الأقل خلال فترة اكتمال العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين إن لم يكن أبعد من ذلك. رأي يقول أن النظام العالمي الأحادي القطب الذي تشكل ونما وتقوى وتمترس خلال حوالي ثلاثة عقود بعد إنهيار الإتحاد السوفيتي بداية العقد الأخير من القرن العشرين، سيبقى ربما مع تعديلات بسيطة وستذهب الولايات المتحدة الأمريكية وحلفييها الناتو مع أوروبا ومثيله المكون من اربع تحالفات في آسيا، إلى ركوب مخاطر حرب عالمية ثالثة لمنع تبدله أو تقلص هيمنة هذا التكتل على الاقتصاد العالمي ومقدرات وثروات الدول التي توجد خارجه. ورأي آخر يقدر أن النظام العالمي الأحادي القطب قد انتهى عمليا والعالم يخوض الآن مخاض الإنتقال إلى عالم متعدد الأقطاب بكل ما يحمله ذلك من أخطار اقتصادية وعسكرية وسياسية ومواجهات وحروب في عدة مناطق من قارات العالم حيث تصطدم التطلعات البشرية المستقبلية بمختلف مصادرها ومنابعها، مع القوى التي لا تريد التخلي عن مكاسب حصدتها منذ عهود الاستعمار الترابي السابقة أو بفضل أساليب الإستعمار الجديد المبتكرة التي تم تنفيذها تحت غطاء شعارات مغلوطة الهدف وفرضها على بقية دول العالم التي توصف بالعالم الثالث.

ويقدر هذا الرأي أن التحالف المناصر للقطبية الأحادية يحاول بكل الطرق وقف تحول موازين القوى العالمية ولكنه لن يخاطر بحرب عالمية ثالثة وإن كان يستغل التهديد بخوضها ليقلص أكثر ما يمكن من حجم تراجع هيمنته العالمية وربما الوصول إلى تقاسم النفوذ مع القوى العالمية المناهضة ومن يتحالف معها على تقاسم الغنائم في عالم يبقى شرع الغاب سيده.

عندما نشر الشاب الأربعيني المفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما مقاله "نهاية التاريخ"؟ في مجلة The National Interest صيف 1989، قبل سقوط جدار برلين بأشهر، ثم حوله إلى كتاب عام 1992، ليؤكد أن الديمقراطية الليبرالية والرأسمالية هي الشكل النهائي والنموذج الأبدي لتطور الأيديولوجيا البشرية، قال الكثيرون في العالم إن الرجل أعلن انتصار الليبرالية وانتهاء الصراع البشري. فأصبح كتابه رمز الغطرسة الليبرالية.

إلا أن هذه النظرية تعرضت لـ "سقوط" أو اهتزاز كبير في الأوساط الفكرية والسياسية نتيجة عدة تحولات عالمية:

أسباب اهتزاز وسقوط نظرية فوكوياما

• صعود الأنظمة السلطوية (الأوتوقراطية): عودة صعود نماذج حكم غير ليبرالية ومنافسة تظهر كفاءة اقتصادية وسياسية (مثل الصين وروسيا)، ودخول العالم في مرحلة تعددية قطبية.

• تراجع الديمقراطية عالميا: انحسار موجة التحول الديمقراطي منذ أواسط العقد الأول من القرن الواحد وعشرين، وتزايد الأنظمة التسلطية وثقتها بنفسها.

• أزمات داخل المعقل الليبرالي ذاته: ظهور تصدعات واضحة داخل الديمقراطيات الغربية والولايات المتحدة، مثل تنامي سطوة المال السياسي، ونفوذ جماعات المصالح (اللوبيات)، واستقطابات سياسية حادة (مثل فترة إدارة دونالد ترامب).

• سياسات الهوية: فشل الديمقراطيات الليبرالية في تحقيق المساواة الحقيقية والاعتراف بالكرامة للفئات المهمشة، مما أدى إلى انفجار ما سماه فوكوياما نفسه لاحقاً بـ "سياسات الهوية" وسخط الشعوب.

• عجز النموذج عن التصدر عالميا: فشل فرض الديمقراطية الليبرالية عبر التدخلات العسكرية المباشرة في مناطق مثل العراق وأفغانستان.

اعتراف فوكوياما نفسه

تراجع فوكوياما جزئيا عن يقينيته المطلقة في كتابات لاحقة (مثل كتابه "الهوية: طلب الكرامة وسياسة السخط" عام 2018)، حيث أقر بأن التاريخ لم يتوقف، وأن الليبرالية تواجه تهديدات وجودية حقيقية تجعل فكرة "نهاية التاريخ" محل نقد وإبطال من مجريات الواقع الدولي.

فوكوياما ربما يكون قد سئم من اتهامه بأنه مخطئ، ولكن هل يقلق فوكوياما يوما من أن يثبت خطأه؟ قال، بالطبع، ولكن ليس من باب الاهتمام بعمله وإنما بسبب ما ستكون عليه تداعيات ذلك على العالم. وقال إن "كابوسه النهائي" هو عالم تعمل فيه الصين وروسيا بانسجام مع بعضهما بعضا، ربما مع تعزيز الصين لحرب روسيا في وسط شرق أوروبا وشن بكين غزوها الخاص -لتايوان. وقال فوكوياما إنه إذا حدث ذلك، ونجح، "فعندئذ سنعيش حقا في عالم تهيمن عليه هذه القوى غير الديمقراطية. وإذا لم تستطع الولايات المتحدة وبقية الغرب منع حدوث ذلك، فستكون هذه حقا نهاية نهاية التاريخ".

منذ بدء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في أكتوبر 2023، أحدثت المجازر المستمرة والمشاهد المروعة المنقولة حيةً إلى العالم تحولا جذريا في الوعي الجمعي العالمي، وجردت المنظومة الغربية (سياسيا وإعلاميا) من شعاراتها الأخلاقية التي طالما صدرتها للعالم.

تجلت عملية التعرية وسقوط الأكاذيب الغربية في عدة مستويات رئيسية:

1- سقوط فرية "حقوق الإنسان" والقانون الدولي.

* ازدواجية المعايير العارية: قارنت الشعوب والناشطون بين الموقف الغربي الصارم والداعم لأوكرانيا بذريعة "سيادة الدول وحماية المدنيين"، وبين الدعم المطلق وغير المشروط لإسرائيل في غزة رغم استهداف المستشفيات والمدارس.

* تعطيل العدالة الدولية: استخدام الولايات المتحدة وحلفائها حق النقض (الفيتو) المتكرر في مجلس الأمن لمنع وقف إطلاق النار، ومهاجمة المحاكم الدولية (مثل محكمة العدل الدولية والجنائية الدولية)، كشف أن "النظام الدولي القائم على القواعد" هو مجرد أداة لخدمة مصالح الغرب وحلفائه وليس لحماية المستضعفين.

 

2. انكسار احتكار الرواية الإعلامية.

* تجاوز الإعلام التقليدي الصارم: لعقود طويلة، كان الإعلام الغربي (مثل BBC، CNN، وغيرها) يتحكم في صياغة الرواية وتأطير الضحية والجلاد. لكن مجازر غزة عرضت مباشرة عبر منصات التواصل الاجتماعي (تيك توك، إنستغرام، إكس) بواسطة صحفيين ومواطنين من داخل القطاع.

* فضح لغة "التغطية المنحازة": انتبه الجمهور العالمي لكيفية صياغة الأخبار، حيث يموت الإسرائيليون "مقتولين" بينما يموت الفلسطينيون في "انفجارات" أو "أحداث" دون تحديد الفاعل، مما أفقد هذه الوسائل مصداقيتها أمام جيل الشباب.

3. زيف ادعاءات "حرية التعبير" والديمقراطية.

* قمع الحراك الطلابي: واجهت الحكومات الغربية (خاصة في الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا) الاحتجاجات السلمية داخل الجامعات العريقة (مثل كولومبيا وهارفارد) بعنف شرطي مفرط، والاعتقالات، وفصل الطلاب والأساتذة.

* المكارثية الجديدة: جرى ترهيب وتجريم أي صوت ينتقد الصهيونية أو يطالب بوقف الإبادة الجماعية عبر إلصاق تهمة "معاداة السامية" به، مما أثبت أن سقف "حرية التعبير" في الغرب ينتهي فوراً عندما يتعلق الأمر بإسرائيل.

4. تعرية أكاذيب "القيم الأخلاقية والمساعدات الإنسانية".

* تمويل الإبادة جماعية: لم يكتفِ الغرب بالصمت، بل استمر في تزويد إسرائيل بآلاف الأطنان من القنابل والذخائر الذكية التي مزقت أشلاء الأطفال، مما جعل العواصم الغربية "شريكة مباشرة" في الجريمة وليست مجرد وسيط أو مراقب.

* استخدام التجويع كسلاح: قطع التمويل عن وكالة "الأونروا" بناء على مزاعم غير مثبتة، والمشاركة في الحصار، كشف زيف الدبلوماسية الإنسانية الغربية التي تبكي على الجوعى في مناطق أخرى وتساهم في تجويع غزة.

لم تعد مجازر غزة مجرد حدث سياسي، بل تحولت إلى مرآة أخلاقية صدمت الشعوب الغربية نفسها قبل غيرها. لقد أسقطت هذه الحرب القناع الإنساني عن الليبرالية الغربية، وأثبتت لمليارات البشر أن الخطاب الغربي حول الديمقراطية والعدالة ليس سوى "غطاء استعماري" يتم تفعيله وتعطيله وفقاً للمصلحة والهوية العرقية.

كان الإلهام الأساسي للدبلوماسي البريطاني كارين روس وراء تأليف كتاب "ثورة بلا قيادات: كيف سيبادر الناس العاديون إلى تولي السلطة وتغيير السياسة في القرن الحادي والعشرين"، هو الرد الذي تلقاه من أحد المتظاهرين في ميدان التحرير في القاهرة، بعد سؤاله "ماذا تريدون من هذه التظاهرات؟"، كان الرد جريئا وصادما، لم يتوقع روس أن يفصح شخص من "العالم الثالث" بهذه الثقة: "خذ ديمقراطيتك يا باشا، نحن لسنا شحاذين".

الرد كان صريحا: "نريد الديمقراطية… لكن ليست ديمقراطية الغرب. تلك الديمقراطية التي أصبحت تخدم مصالح النخب وسقطت في أيدي دجالي اليمين. ما نريده هو ديمقراطية حقيقية، يحكم فيها الشعب لخدمة الشعب".

تواجه الديمقراطيات الغربية أزمات اقتصادية وسياسية عميقة. حالة السخط الشعبي المتزايد تعكس أزمة ثقة بالنظام الديمقراطي، خاصة بين الأجيال الشابة. وفقا لياسشا مونك في كتابه "الشعب ضد الديمقراطية"، فإن الكثير من الشباب في الغرب باتوا يرون الديمقراطية كأمر ثانوي، بل ويفضل بعضهم الأنظمة الاستبدادية الصريحة التي تبدو أكثر كفاءة في مواجهة الأزمات.

أحد أكبر التحديات التي تواجه الديمقراطية اليوم هو الأزمة الاقتصادية المتفاقمة. الديمقراطية الليبرالية، التي لطالما قدمت نفسها كنموذج لتحقيق العدالة والمساواة، باتت غير قادرة على تلبية هذه الوعود. الفجوة بين الأغنياء والفقراء تتسع بشكل مقلق، والفئات الأكثر ضعفا تعاني بصورة أكبر. الحركات الاحتجاجية، مثل "احتلوا وول ستريت" و"حياة السود مهمة"، جاءت كرد فعل مباشر على هذا الإخفاق. المفارقة هنا أن الديمقراطية، التي من المفترض أن تحمي الحقوق وتحقق العدالة، تبدو عاجزة عن معالجة القضايا الأساسية التي تهم المواطنين.

محمد نعيم، في مقاله "أكثر من شبح يطارد أوروبا"، يشير إلى أن اليمين الأوروبي، الذي يعاني من أزمة فكرية، يلجأ إلى استغلال الخطاب المناهض للمهاجرين واللاجئين كوسيلة لكسب الدعم الشعبي. في الوقت نفسه، يبدو اليسار الأوروبي فاقدا للحلول الاقتصادية الجديدة، مكتفيا بالتحذير من صعود اليمين من دون تقديم بدائل حقيقية.

هذه الأزمات تكشف عن جذور المشكلة: الديمقراطية الليبرالية أصبحت جزءاً من النظام النيوليبرالي الذي يعامل المواطن كمستهلك، ويعلي من شأن الأسواق على حساب العدالة الاجتماعية. هذا التصور يهدد الأسس الأخلاقية للديمقراطية ويجعلها عرضة للتآكل الداخلي.

انقلبت الصورة في بعض الطروحات الفكرية، حيث باتت الليبرالية تقدم من قبل خصومها بوصفها "نظاماً سلطوياً أو نخبويا" يحتاج الشارع والكتل الناخبة إلى ثورة ضده لصالح "الديمقراطية غير الليبرالية" أو العودة للسيادة القومية.

المفارقة تكمن في أن القيم الليبرالية، مثل حرية التعبير وسيادة المؤسسات وحقوق الإنسان، أصبحت مهددة بسبب ديناميكيات الرأسمالية التي تعمل ضمن الإطار الليبرالي. هذه الحريات، التي بقيت صامدة حتى الآن، موجودة على الرغم من الرأسمالية وليس بسببها، ما يعكس الحاجة إلى مراجعة شاملة للنموذج نفسه.

التحدي الأكبر للديمقراطية اليوم ليس فقط في مواجهة الأزمات الاقتصادية والبيئية، ولكن أيضا في قدرتها على التكيف مع عصر الرقمنة وهيمنة الشركات العملاقة، بما يضمن إعادة الإحساس الحقيقي بالمشاركة والعدالة للمواطنين.

واحد من الأفكار الرئيسية التي طرحها مايكل هاردت وأنطونيو نيغري في كتابهما "الإمبراطورية"، هو أن السلطة السياسية والاقتصادية أصبحت مشتتة في شبكة عالمية معقدة. لم تعد الدول القومية وحدها تتحكم بمصائر شعوبها كما في الماضي، بل باتت السلطة موزعة بين حكومات وشركات ومؤسسات مالية كبرى تتداخل مصالحها وتعمل معاً لتحقيق أهدافها.

هذا التشتت يجعل من الديمقراطية تحديا كبيرا، إذ لم يعد المواطن العادي يشعر بأن صوته أو مشاركته الانتخابية تحدث فرقاً حقيقياً. السلطة باتت في مكان آخر، تدار لصالح الشركات والمؤسسات التي تسعى الى تحقيق أرباحها الخاصة.

 

تدمير ممنهج

 

اسفرت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران منذ 28 فبراير 2026 وما رافقها من صراعات عسكرية من لبنان عبر اليمن والقرن الأفريقي عن تسريع عملية تعديل موازين القوى لغير صالح الغرب واستفحال الأزمات الاقتصادية والسياسية والعسكرية عبر كل العالم تقريبا.

عبارة "الاقتصاد الغربي مهدد" تعكس واقعاً يناقشه كبار الاقتصاديين والمؤسسات الدولية حالياً، حيث يواجه النظام الاقتصادي في دول الغرب (أمريكا وأوروبا واليابان) مجموعة من التحديات الهيكلية والجيوسياسية المتداخلة.

ويمكن تلخيص أبرز هذه التهديدات في النقاط التالية:

1. الصعود الجيوسياسي لكتلة "بريكس" (BRICS)

• تراجع الهيمنة: تشكل دول بريكس (بقيادة الصين وروسيا والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا، إلى جانب الأعضاء الجدد) جبهة تسعى لكسر احتكار الغرب للنظام المالي العالمي.

• إلغاء الدولرة: هناك تحركات مستمرة لتقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي واليورو في المعاملات التجارية الدولية، والاستعاضة عنها بالعملات المحلية أو عملة رقمية مشتركة، مما يضعف القوة النقدية للغرب.

2. التضخم وأزمات الديون السيادية

• مستويات قياسية للديون: تعاني دول كبرى مثل الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا من تضخم الديون العامة إلى مستويات غير مسبوقة مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي.

• فخ الفائدة المرتفعة: تضطر البنوك المركزية (مثل الفيدرالي الأمريكي والمركزي الأوروبي) لإبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لمكافحة التضخم، مما يزيد من تكلفة خدمة هذه الديون ويبطئ النمو الاقتصادي.

3. أزمة الطاقة وسلاسل الإمداد

• التبعية والتحول الصعب: كشفت السنوات الأخيرة عن هشاشة أوروبا في تأمين موارد الطاقة بعد قطع الغاز الروسي، والتوجه نحو الطاقة المتجددة يتطلب تكاليف باهظة وخلق تبعية جديدة للمعادن النادرة التي تسيطر عليها الصين.

• الحمائية التجارية: التنافس التجاري وفرض الرسوم الجمركية بين أمريكا والصين (وأحياناً بين أمريكا وأوروبا) يهدد حرية التجارة العالمية ويزيد من تكاليف الإنتاج.

4. التحديات الديموغرافية والاجتماعية

• شيخوخة السكان: تعاني المجتمعات الغربية (خاصة في أوروبا واليابان) من تراجع معدلات المواليد وزيادة نسبة كبار السن، مما يضغط على صناديق التقاعد والرعاية الصحية ويقلل من القوة العاملة المنتجة.

• اتساع الفجوة الطبقية: زيادة التضخم وتراجع القوة الشرائية يؤديان إلى اضطرابات اجتماعية وإضرابات عمالية متكررة تؤثر على الإنتاجية.

رغم هذه التهديدات الجدية، لا يزال الاقتصاد الغربي يمتلك عناصر قوة ضخمة تمنعه من الانهيار السريع، أبرزها: السيطرة على التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي، والأسواق المالية العميقة، وقوة المؤسسات القانونية. لذلك، يرى الخبراء أن التهديد لا يعني "الانهيار الفوري"، بل يعني التحول التدريجي نحو عالم متعدد الأقطاب يفقد فيه الغرب انفراده بقيادة الاقتصاد العالمي.

 

رؤية ما بعد الانهيار..

 

يجد الاقتصاد العالمي نفسه الآن عند مفترق طرق حاسم، وفي هذا السياق، يبرز كتاب "انهيار الاقتصاد العالمي" للكاتب والصحفي البريطاني المتخصص بول مايسون، كأحد أهم الأعمال التي حللت الأزمة الاقتصادية من منظور نقدي عميق، مسلطاً الضوء على خطايا النظام النيوليبرالي.

يكشف مايسون كيف كان مهندسو النيوليبرالية ينتظرون هذه الانهيارات ليقوموا بالبناء على أنقاضها، يغطي الكتاب تفاصيل الأزمة المالية العالمية لعام 2008 وكل ما تبعها، مرتكزاً على محاور تحليلية رئيسة:

تشريح الأزمة: يتابع الكتاب ميدانياً تراجع أسواق الأسهم العالمية، وتحول التضخم إلى انكماش، وانهيار الاعتقاد في الرأسمالية وجبروتها.

انتشار الأزمة عالمياً: يقدم مايسون أمثلة حية على انهيار الأنظمة المصرفية في بريطانيا وأمريكا وأوروبا، وتفشي الأزمة في الصين وباقي مناطق العالم.

فشل النظريات المالية: ينقل ما دار في البرلمانات العالمية من نقاش حول الأزمة، ويعلن فشل وعدم جدوى النظريات المالية الحديثة كافة.

أسباب الأزمة الجذرية: يفند الكتاب الأسباب، متهما رفع القيود عن مصارف الاستثمار بالدرجة الأولى، وفورة الرهنيات العقارية متدنية الأقساط، والتناقض بين إستراتيجيات السياسيين والتطور الهائل للقطاع المالي والمصرفي.

يخلص مايسون إلى أن الخيار الذي يواجه العالم المتقدم هو إما التأميم السريع والحاسم للمصارف بالتضافر مع تحفيز مالي هائل يقوده الإنفاق العام وخلق الوظائف، وإما سيتحول الركود إلى انكماش اقتصادي عالمي طويل.

إذا لم تتخذ الحكومات والشركات الإجراءات اللازمة لمعالجة التحديات الهيكلية والآنية التي تواجهها، فإن انهيار الاقتصاد العالمي يصبح احتمالاً لا مفر منه، ومع ذلك، وكما يرى مايسون، العمل المشترك واتخاذ قرارات جذرية جديدة هي السبيل الوحيد لمنع الانهيار وبناء مستقبل أكثر استدامة وإنصافاً للجميع، يتجاوز حدود الاقتصاد التقليدي.

 

الحسم المرحلي

 

يقدر عدد من الخبراء أن المسار الذي ستسلكه الأحداث خلال الأسابيع والأشهر القادمة والتي سيكون لها تأثير حاسم على الواقع الدولي سيتم تحديده بنتائج المواجهات بين الغرب وإيران والصراعات الإقليمية في منطقة الخليج العربي وفي مقدمتها المواجهة على الساحة اليمنية السعودية.

تواجه الولايات المتحدة الأمريكية مأزقاً استراتيجياً في حربها ضد إيران التي بدأت في 28 فبراير 2026، حيث تحولت من خطة لحسم سريع خلال أسابيع إلى مواجهة مستمرة لنحو ثمانية أشهر دون تحقيق الأهداف السياسية المعلنة.

أبرز جوانب المشهد الحالي:

فشل حسم الأهداف: لم تستطع الضربات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية إسقاط النظام الإيراني أو إجباره على الاستسلام، رغم تفوق واشنطن العسكري.

أزمة مضيق هرمز والحصار: تسببت التدابير العسكرية والحصار البحري في توترات حادة في مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط، مما شكل عبئاً اقتصادياً طال الأسواق العالمية والأسر الأمريكية نفسها.

خيار التفاوض مقابل التصعيد: تجد إدارة الرئيس دونالد ترمب نفسها أمام خيارات معقدة تتراوح بين السعي لتسوية سياسية ومفاوضات لوقف إطلاق النار، أو الانزلاق نحو مزيد من التصعيد غير المضمون النتائج.

صمود إيراني رغم الاستنزاف: يعتمد الجانب الإيراني على سياسة الصمود ومحاولة امتصاص الضغوط، وسط تحليلات تشير إلى أن المعركة أفرزت "انتصاراً أمريكياً صعباً" يفتقر إلى ترجمة سياسية واضحة، مقابل "انتصار إيراني مستحيل" في دفع كامل المخاطر عن الاقتصاد والبلاد.

تحديات

 

جاء في تقريرنشرته صحيفة الأهرام المصرية بتاريخ 8 سبتمبر 2026:

معظم التحليلات السياسية المعنية بما يمكن تسميته بـ"المأزق" أو "الورطة الأمريكية فى إيران"، تميل إلى الاستنتاج بأن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على تحديد ما تريده مع إيران فقط، بل إنها أضحت أيضًا عاجزة عن فرض أى من أهدافها. هذا الاستنتاج يكشف عن محدودية فرص الرئيس ترامب لتحقيق انتصار فى وقت أضحى فيه شديد الحاجة إلى ذلك وهو مقبل على خوض انتخابات التجديد النصفى للكونغرس التى ستجرى فى الثالث من نوفمبر 2026، والتى يخشى الرئيس وإدارته خسارة الأغلبية الجمهورية فى مجلسى الكونغرس، أو حتى فى أحدهما. الرئيس الذى حذر حلفاءه فى حركة «ماجا» (لنجعل أمريكا عظيمة من جديد) وفى الحزب الجمهورى من مآلات خطيرة فى حالة فوز الحزب الديمقراطى بالأغلبية فى هذه الانتخابات قد تصل إلى عزله ومحاكمته، يدرك أن أهم، وربما أخطر التحديات التى تواجهه فى هذه الانتخابات هو عجزه عن تحقيق انتصار على إيران فى حرب ترفضها الأغلبية من الناخبين الأمريكيين، لذلك يجد نفسه مطالبا بإنجاز ثلاث مهام أساسية خلال الأسابيع القليلة المقبلة حتى موعد إجراء تلك الانتخابات. أولى هذه المهام هو تجديد الأمل لدى الجمهوريين وحركة «ماجا» أنهم مازالوا قادرين على كسب هذه الانتخابات، وعمل كل شىء من شأنه أن يحقق هذا الطموح. ثانية هذه المهام هى العمل بشتى السبل على تسويق انتصار على إيران، حتى لو كان وهميًا، والترويج لمقولات من نوع أن «الحرب مع إيران أمر بسيط»، على نحو ما ورد على لسان ترامب نفسه (5/9/2026)، أو أن «المواجهة مع إيران ليست حربًا» رغم تواصل الأعمال العدائية مع إيران، على نحو ما صرح «جى.دى. فانس» نائب الرئيس الأمريكى، والتعميم الصادر عن وزارة الحرب «البنتاغون»، حسب إفادة شبكة «س.بى.اس. نيوز» (3/9/2026) بالتوقف عن استخدام اسم عملية «الغضب الملحمى»، وهو الاسم الذى أعلنته واشنطن لعدوانها المشترك مع إسرائيل على إيران، وتأكيد أن «العملية انتهت» رسميًا فى 5 مايو 2026 هو الآخر محاولة مستميتة لإقناع الناخبين الأمريكيين أن «الحرب على إيران انتهت»، وأن «تدفق النفط عبر مضيق هرمز عاد تقريبًا إلى مستويات ما قبل الحرب». على نحو ما ورد على لسان جى.دى. فانس نائب الرئيس الأمريكى. كل هذا من أجل انتزاع ورقة «الحرب على إيران» من أيدى الديمقراطيين، باعتبارها أهم أوراقهم الرابحة فى التنافس مع الحزب الجمهورى فى انتخابات التجديد النصفى للكونجرس. ثالثة هذه المهام هى العمل بدأب من الآن لمرحلة ما بعد انتهاء الحرب على إيران، حيث كشفت «القناة 12» (العبرية) عن خطة شاملة للشرق الأوسط محور ارتكازها استنزاف إيران عسكريًا واقتصاديًا، وإخراجها نهائيًا من معادلة التنافس على «الأمن الإقليمى»، وإنهاء أى طموح أو قدرة لها على أن تعرقل المشروع الأمريكى أومنافسة إسرائيل على الزعامة الإقليمية المنفردة.

هذه الخطة الأمريكية التى يعكف عليها الرئيس الأمريكى مع كبار مساعديه ومستشاريه، للتأسيس لنظام إقليمى ومعادلة أمن إقليمى جديدين، تتضمن وفق المصادر التى اعتمدت عليها القناة العبرية ثلاثة مكونات: المكون الأول: إنشاء منظومة إقليمية لكبح إيران، تعتمد على الحلفاء الإقليميين لواشنطن فى المنطقة، بحيث تكون واشنطن ضامنة لهذه المنظومة، دون أن تلعب دور الشرطى الإقليمى. المكون الثانى: إغلاق الملفات الإقليمية المفتوحة، بفرض تسويات لهذه الملفات التى فرضت نفسها منذ هجوم «طوفان الأقصى» (7 أكتوبر 2023) وتداعياته، ابتداء من حسم أمر قطاع غزة حسب بنود خطة ترامب، والتوصل إلى اتفاق أمنى بين إسرائيل والنظام الجديد فى سوريا، وتطبيق الاتفاق المأزوم بين إسرائيل ولبنان. هذا المكون أساسى لفرض حالة «استقرار إقليمى» ضرورية ترتكز على «وفاق متسع» بين الأطراف المتصارعة فى الإقليم والتى تتناغم فى طموحاتها مع الحليف الأمريكى. المكون الثالث والأهم: هو توسيع اتفاقات إبراهام، بدفع الدول العربية المجاورة لإسرائيل على الانخراط فى هذا المشروع، الذى يؤسس لتطبيع عربى شامل مع إسرائيل، وإنهاء الصراع معها، دون قيود أو عوائق تخص القضية الفلسطينية، واحتواء أى نزوع عربى للتمسك بـ «حل الدولتين».

 

تأمين المشروع الإسرائيلي

 

هذا يعنى أن الحرب على إيران على مدى الأشهر الماضية كانت من أجل هذا الهدف، أى «تأمين المشروع الإسرائيلى» بالقضاء نهائيًا على ما يسمونه «الخطر الإيرانى»، وفق ما أعلنه بنيامين نيتانياهو من رفض وجود أى مصدر لتهديد أمن ووجود إسرائيل. رغم ذلك يبقى السؤال المهم: هل تستطيع الولايات المتحدة فرض أو تأسيس مثل هذا المشروع؟.. وأين إيران من هذا كله؟. أولى الإجابات تعتمد على فشل الحل العسكرى للمأزق الأمريكى – الإسرائيلى مع إيران، ومن ثم اللجوء إلى ماسموه «الإنزال الاقتصادى» الأمريكى، أى الحرب الاقتصادية على إيران كحل بديل لهذا المأزق، بعد أن نجحت إيران فى فرض استراتيجيتها لإدارة الصراع مع الولايات المتحدة، وعرقلة أى مشروع لأى حل دبلوماسى، والرهان على تخليق أكبر تهديد للتخطيط الأمريكى، بإقحام الناخب الأمريكى فى المعركة مع إيران ضد الإدارة الأمريكية والرئيس ترامب شخصيًا. ثانية هذه الإجابات تعتمد أولًا على حقيقة أن إيران باقية، ولن تقبل بإنجاح المخطط الأمريكى، وثانيتها على حقيقة أن ما بعد الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران لن يكون كما قبلها، على نحو ما توقع «مارك لنيش» أستاذ العلوم السياسية بجامعة جورج واشنطن، فى دراسة نشرها بمجلة «فورين أفيرز» (24/8/2026)، الذى تنبأ فى هذه الدراسة بجدية وجود ما سماه «لحظة السويس الأمريكية فى الشرق الأوسط»، وأكد أن هذه اللحظة تقترب، باعتبارها «لحظة الاحتضار» للمشروع الأمريكى، على نحو ما حدث للمشروع البريطانى – الفرنسى، عقب العدوان الثلاثى على مصر عام 1956. الحرب على إيران، وقبلها الحرب الإسرائيلية على غزة، غيرت كثيرًا من حسابات حلفاء الولايات المتحدة وخصومها على السواء، والمحصلة هى استحالة نجاح خطة ترامب.

 

الصين وروسيا

 

لم تتدخل الصين وروسيا بشكل عسكري مباشر في المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، واكتفيتا بدور محدود يقتصر على الدعم الدبلوماسي والاستخباراتي والعسكري الخفيف وضبط النفس.

الموقف الروسي

• الأولوية في أوكرانيا: تتركز استراتيجية موسكو بشكل أساسي في جبهة أوكرانيا وإدارتها لصراعها مع الغرب، مما يجعل فتح جبهة جديدة مكلفة في الخليج أمراً غير مرغوب فيه.ولكن ذلك لا يمنع مساعدة طهران بأساليب متنوعة على استنزاف واشنطن.

• المكاسب الاقتصادية: أدى استمرار الصراع إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز عالمياً، وهو ما عزز الاقتصاد الروسي في مساعيه لتعويض النقص في الأسواق وتخفيف أثر العقوبات الغربية.

• الخطاب السياسي: اقتصر الرد الرسمي على إدانة تقويض سيادة الدول والدعوة للهدوء دون الانخراط الميداني.

الموقف الصيني

• حماية الاستقرار الاقتصادي: تعد بكين أكبر مستورد للطاقة، وتخضع حساباتها لاعتبارات أمن سلاسل الإمداد والاستقرار الاقتصادي العالمي.

• استنزاف واشنطن: ترى الصين في استمرار انشغال الولايات المتحدة بصراعات طويلة الأمد فرصة لتخفيف الضغط عنها في ملفات أخرى مثل بحر الصين الجنوبي وتايوان.

• الاتهامات والعقوبات: فرضت الولايات المتحدة عقوبات على شركات صينية اتهمتها بتزويد إيران بصور أقمار صناعية لمساعدة طهران في تحديد مواقع عسكرية وقواعد أمريكية، في حين تشير تقارير أخرى إلى اعتماد إيران على صور تجارية متاحة.

المعادلة الإستراتيجية العامة

• تدرك موسكو وبكين أن صمود إيران وعدم هزيمتها يخدم مصالحهما عبر استنزاف القدرات الأمريكية وإشغالها.

• ترفض كل من الصين وروسيا كسر إيران أو سقوط نظامها، لكنهما في الوقت نفسه لا تعتبران إيران حليفاً يستدعي التضحية بمصالحهما المباشرة أو الدخول في حرب عالمية مع الغرب.

 

البحث عن منقذ

 

صنع الغرب الأزمة وهو يحاول الآن النجاة من تبعاتها منفردا ويترك بقية العالم في تخبط.

جاء في تحليل نشرته وكالة رويترز يوم 18 أكتوبر 2026:

لم تسفر اجتماعات بدأت يوم 12 أكتوبر 2026 لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي عن أي إجابات جديدة للدول النامية بشأن أسئلة يطرحه صراع آخذ في الاتساع في الشرق الأوسط والحرب المستمرة في أوكرانيا ومدفوعات الديون المتزايدة وفقاعة محتملة في قطاع الذكاء الاصطناعي.

وليست هذه المرة الأولى التي تؤثر فيها تداعيات أفعال الدول الأكثر ثراء على البلدان ذات الدخل المنخفض، ومن بينها ‌ارتفاع تكاليف خدمة الدين وصعود التضخم وخطر التخلف أكثر فأكثر عن الركب الاقتصادي بضغط من طفرة الذكاء الاصطناعي.

ولم يخرج ما حصلت عليه هذه الدول عن النصائح المعتادة التي تقدمها جهات الإقراض العالمية، والمتمثلة في تقليص العجز المالي وتسريع وتيرة الإصلاحات الاقتصادية لجذب المزيد من استثمارات القطاع الخاص.

وقالت كريستالينا جورجيفا، وهي أول مديرة لصندوق النقد الدولي من دولة نامية وهي بلغاريا، إن الاقتصادات المتقدمة هي في الواقع الأكثر تسببا في اختلالات الميزانية. وأشارت إلى أن مستويات ديون الدول النامية انخفضت بالفعل في السنوات القليلة الماضية، إلا أن ارتفاع عوائد السندات في أماكن أخرى أدى إلى زيادة تكاليف الاقتراض.

وأضافت أن متوسط مدفوعات خدمة الدين هناك زاد بأكثر من مثليه مقارنة بما كان عليه الوضع قبل عشر سنوات ليصل إلى 14 بالمئة من الإيرادات الحكومية، مما يقلص الإنفاق على ⁠التعليم والرعاية الصحية وغيرها من القطاعات الحيوية.

* الاقتصادات المتقدمة تركز على مشكلاتها

قالت جورجيفا في حلقة نقاش إن كثيرا من القضايا لا تزال دون حل، ولا سيما ما يتعلق بالذكاء الاصطناعي. وتابعت قائلة "نحن في وضع لدينا فيه أسئلة أكثر بكثير من الإجابات. ونصيحتي للجميع هي: لا تنخدعوا بمن يدعون امتلاكهم الإجابات. إنهم يخدعونكم".

ويرى جوش ليبسكي رئيس قسم الاقتصاد الدولي في المجلس الأطلسي، وهو مؤسسة بحثية، أن الاجتماعات أهدرت فرصة التوصل إلى توجيهات أو طرق للمساعدة.

وقال "من الصعب الحديث عن العالم النامي في وقت لا تزال فيه الاقتصادات المتقدمة تعاني من عدم الاستقرار وتواجه خطر أزمة مالية... هذا بالإضافة إلى الأوضاع السياسية في عدد من هذه البلدان التي تجعل المساعدات التنموية مستبعدة من الأولويات في الوقت الراهن".

ويشير موريسيو كارديناس، وزير مالية كولومبيا السابق والباحث حاليا في كلية الشؤون الدولية والعامة بجامعة كولومبيا في نيويورك إلى أن عددا من صناع السياسات لديهم شعور متجذر بأن "شيئا سيئا للغاية قد يحدث" لكن دون وجود خارطة طريق حقيقية للسير عليها في المستقبل.

وقال "صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ليسا على أتم الاستعداد لهذه المرحلة الجديدة. فهما يدركان وجود تطورات ويستعينان بخبراء في مجال الذكاء الاصطناعي... لكن في نهاية المطاف، لا توجد أي نصائح محددة وملموسة حول كيفية الاستعداد لأمر لا نفهم حقا كيف سيتكشف".

وبدا التوتر الجيوسياسي الذي يعصف بالمؤسستين ‌منذ حرب روسيا في أوكرانيا في 2022، وأدى إلى تعقيد العمل المنسق، جليا في بانكوك عندما انسحب ما يقرب من نصف المندوبين في لجنة توجيهية تابعة لصندوق النقد الدولي في أثناء حديث وزير المالية الروسي.

وشكلت العاصمة التايلاندية بانكوك التي استضافت الاجتماعات نفسها تذكيرا صارخا بالتحديات التي تواجه الدول النامية، إذ لا تزال مناطق منها مغمورة بالمياه بعد فيضانات في سبتمبر تسببت في خسائر قدرت بنحو 200 مليون دولار للقطاع الصناعي في تايلاند.

* اتساع عدم المساواة قد يرفع التكاليف

حثت كيت بيكيت، الأستاذة في جامعة يورك، صانعي السياسات على التركيز على النمو الأكثر شمولا بدلا من إجبار البلدان النامية على إجراء إصلاحات جذرية صعبة.

وقالت "إذا اتسع عدم المساواة وتفاقم الفقر، فسيزيد ذلك من التكاليف على المدى الطويل... لا يكفي وصف اقتصاد ما بأنه يتمتع بالمتانة، فهو لا يكون كذلك إلا للأثرياء وأصحاب الامتيازات".

ويشير أيهان كوس نائب كبير خبراء الاقتصاد في البنك الدولي إلى أن الاقتصاد العالمي تجاوز أكبر أزمة في قطاع الطاقة، والناجمة عن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، بشكل أفضل من المتوقع.

لكنه أضاف أنه رغم تجنب ركود عالمي، فإن آفاق النمو في الاقتصادات النامية والمتقدمة على حد سواء أصبحت أسوأ مما كانت عليه سابقا.

وأوضح أن النمو تراجع بالفعل في نصف الاقتصادات المتقدمة، وتباطأ بشكل ملحوظ في البلدان النامية إجمالا إلى حوالي 3.6 بالمئة من 4.4 بالمئة.

وتابع قائلا "الناس يشعرون بقلق بالغ حقا لأن القدرة على الصمود اليوم لا تضمن القدرة على الصمود غدا... إنهم قلقون حاليا بشأن الأزمة المقبلة، لأن كل ستة أشهر، إن لم يكن كل ثلاثة أشهر، تحدث أزمة جديدة".

 

عمر نجيب

[email protected]