
نتناول في هذا التعليق إشكالية العلاقة الملتبسة بين الأحزاب السياسية والمجتمع المدني في موريتانيا، في سياق التحضير لحوار وطني مرتقب يعول عليه في معالجة أزمات سياسية وبنيوية متراكمة. وتنطلق الورقة من استعارة فلسفية مستوحاة من (معضلة القنفذ) عند شوبنهاور، بوصفها إطارا تفسيريا يفسر حالة التوتر والتقارب الحذر بين الفاعلين السياسيين والمدنيين، حيث تفرض الحاجة إلى التعاون نفسها، في مقابل الخوف من الأذى المتبادل وفقدان الاستقلالية.
تقوم (معضلة القنفذ) على تصور مجازي لحالة كائنات تسعى إلى الدفء الجماعي، لكنها كلما اقتربت من بعضها البعض آذت نفسها بأشواكها، فتضطر إلى التباعد، قبل أن تعود مجددا إلى البحث عن مسافة وسطى توازن بين القرب والأمان. استخدم شوبنهاور هذا التصور لتفسير العلاقات الإنسانية، ولا سيما في السياقات التي يجتمع فيها الاحتياج المتبادل مع انعدام الثقة.
وتمثل هذه المعضلة إطارا مناسبا لتحليل العلاقة بين الأحزاب السياسية والمجتمع المدني، حيث تفرض التحديات الوطنية الكبرى كالإصلاح السياسي، والعدالة الاجتماعية، وبناء دولة القانون ضرورة التنسيق، بينما تعيق المصالح الضيقة، والتجارب السابقة، ومخاوف الهيمنة أو التهميش هذا التقارب.
تعاني الأحزاب السياسية الموريتانية من إشكالات بنيوية، من أبرزها ضعف التجذر الاجتماعي، وتغليب الحسابات الانتخابية الضيقة، إضافة إلى هشاشة الممارسة الديمقراطية الداخلية. هذه العوامل جعلت قطاعات واسعة من المجتمع المدني تنظر إلى الأحزاب بوصفها فاعلا نفعيا، يسعى إلى توظيف المبادرات الحوارية لصالح إعادة التموضع السياسي أكثر من سعيه إلى إنتاج توافقات وطنية مستدامة.
في المقابل، تنظر الأحزاب إلى بعض مكونات المجتمع المدني بعين الريبة، معتبرة إياها إما امتدادا غير معلن للسلطة، أو واجهات نخبوية تفتقر إلى الشرعية التمثيلية، وهو ما يعمق منطق الأشواك المتبادلة في العلاقة.
رغم النمو العددي والنوعي لمنظمات المجتمع المدني في موريتانيا خلال العقود الأخيرة، إلا أن دورها في الحوارات الوطنية ظل محل جدل. فبينما تؤكد هذه المنظمات على استقلاليتها ودورها الرقابي والترافعي، تتهمها بعض الأحزاب بالارتهان للتمويل الخارجي أو بالاصطفاف السياسي غير المعلن.
هذه الوضعية تجعل المجتمع المدني، وفق منطق معضلة القنفذ، مترددا في الاقتراب الزائد من الأحزاب، خشية فقدان مصداقيته واستقلاليته، لكنه في الوقت ذاته لا يستطيع الانعزال الكامل دون أن يفقد تأثيره في مسار الحوار الوطني.
يمثل الحوار الوطني المرتقب لحظة اختبار حقيقية لقدرة الأحزاب والمجتمع المدني على إيجاد المسافة المثلى التي تحدث عنها شوبنهاور مسافة تسمح بالتعاون دون الذوبان، وبالنقد دون القطيعة. ويتطلب ذلك
تحديد أدوار واضحة لكل طرف داخل الحوار، بما يمنع التداخل الوظيفي والصراعات الخفية.
بناء آليات ثقة مؤسسية، مثل الشفافية في التمثيل وصنع القرار.
الاعتراف المتبادل بالشرعية، السياسية للأحزاب، والمجتمعية والرقابية لمنظمات المجتمع المدني.
تبين هذه الدراسة أن إشكالية العلاقة بين الأحزاب السياسية والمجتمع المدني في موريتانيا لا تكمن في غياب الرغبة في الحوار، بل في الخوف المتبادل من تبعات التقارب غير المحسوب. ومن خلال توظيف (معضلة القنفذ) كشكل تحليلي، يتضح أن نجاح الحوار الوطني المرتقب مرهون بقدرة الفاعلين على تجاوز منطق الأشواك، دون إنكار وجودها، والسعي إلى صياغة نموذج تعاوني واقعي، يقوم على التوازن لا على الاندماج القسري أو العزلة المتبادلة.
قاسم صالح









