قصة أحلام متسول الحلقة 18 / ذ. إسلمو ولد ماناّ

أربعاء, 2022-05-04 23:25

لفصل الثاني : تقاسم الأدوار  بين النظام والتبتابه !

إن مصطلح كلمة التبتابه قدأصبح متداولا في البلاد وهو مشتق  من كل أمر غير واضح المعالم وربما مشكوك في مشرعيته وكذا قانونيته سواء كان ذلك الأمر معاملات أو التزامات أو  أي تصرف آخر . وقد ظهر ذلك المصطلح أول ماقد ظهر في المقاولات وكذا في الأعمال التجارية . وذلك مع بداية حكم العسكر حيث ظهرت حركة التبتابه غير المعلن عن اسمها أو طبيعة نشاطها كداعمة لكل انقلاب عسكري أو مدني شبه عسكري مهما كان قائده أو أهدافه مدام يطلق  لها يد العنان في التصرف في مقدرات البلاد وتسييرأهم شؤونهابحسب ما تقتضيه مصالح تلك الحركة الجديدة ! 
‎وهم أيضا جماعة متنفذة في السياسة وفي الأعمال وجل نشا طهم يعد خارجا عن القانون والشرع، ويتم كل ذلك من طرفهم بالتعاون التام ولوضمنيا مع الذين كان عليهم أو من المفترض فيهم على الأقل أن يكونوا حماة للشريعة الإسلامية وكذا للقانون أيضا وأن يكونوا كذلك غيورين على الأخلاق الحميدة. 
‎إن إدارة التبتابه يومئذ لهذه البلاد من تحت الطاولة كما يعلم الجميع بأنها تقوم على قلب حقائق الأ مور وإعطائها مفاهيم مغايرة وعكسية تماما لما يجب أن تكون عليه ! ويبدو أنها تهدف من وراء ذلك إلى ذر الرماد في عيون الرأي العام الوطني وكذا الدولي من أجل تحقيق أهدافها الخبيثة والمدمرة للبلاد. 
‎فالعلم الذي يحملون شعاره فالمقصود به لديهم فهو مجرد طعم يخادعون به العالم ! وهو في واقع الأمر  في ممارساتهم العملية يعني الجهل ويتجلى ذلك بوضوح في تعا ملهم مع خريج الجامعة في فترة نفاذ حكمهم - إذالم تكن لديه وساطة معتبرة - فلن  يجد من وظيفة لديهم أو عمل سوى بيع براميل الماء الصدئة في الطرقات العا مة على ظهور الحمير أو في الحنفيات العامة ،أما المسابقات إن وجدت فالهدف من ورائها فهو تشريع وانتقاء ومنح وظيفة لمن لم يشارك أصلا في تلك المسا بقات من أجل اكتسا بها لذلك للشخص المفصلة  على مقاسه أصلا  بغلاف من الشرعية المزيفة ! 
وفي هذه المقولة فإني أصدق في شأنها  السيدإطول عمرو وذلك لكو ني قد حصل معي شخصيا ما يشبه ذلك تماما حيث قد شاركت في عدة مسابقات وطنية لوظائف شاغرة ، قد كان بعضها في بنوك والبعض الآخر في مناء الصداقة ، ولم يخرج معظم نتائج تلك المسابقات حتى الآن بعد عقد كامل  من الزمن تقريبا . وقد اشتغل في تلك الوظائف أناس غيرنا ممن لم يشاركوا أصلا في تلك المسابقات. 
‎وقد تظلمنا حينها كثيرا ولدى مختلف الجهات الرسمية المعنية بشأنها بما فيها السيدالرئيس معاوية ولد سيدي احمد الطائع نفسه دون أن نجد أذانا صاغية  تستمع إلى تظلما تنا تلك المبررة ! 
‎وقد كان من المفترض أن أنجح أنا شخصيا في مسابقة المناء وذلك لأن موضوعها كان يومئذ هو ( التبعية في عقد الشغل ) وقد كان ذلك هو عنوان رسالة تخرجي من الجامعة أيضا حيث قد كنت أدرس القانون الخاص وقد حصل معي نفس الشيئ أيضا في مسابقتين اثنتين  تتعلق واحدة منهما ببنك البركة الذي قد نجحت في مسابقتيه الكتابية والشفهية أيضا ، والذي قال لي أستاذ المقابلة الشفهية يومها وهو الأ ستاذ ولد احمد سلطان  فإذا لم يطلع اسمك ناجحا في هذه المسا بقة فلن يكون ذلك بسببي  لأنك أحسن متسابق قابلته في هذه المسابقة . 
‎والغريب أن زميلا لي قد سبق وأن شاركني نفس الجامعة ورسب في السنة الأولى منها يومئذ ثم انتقل إلى المدرسة الإدارية ، لليشاركنا أيضا هذه المرة في مسابقة بنك البركة في انواذيبو ولم ينجح أيضا حتي في الكتابي، والملفت للأنتباه يومها أنه التفت إلي مازحا كعادته بنصف ابتسامة  وهو يقول فلان فإذا وظف واحد في البنك بواسطة هذه المقابلة فسوف يكون ذلك الشخص هو أنا، وقد حصل فعلا ماقال ،حيث قد طلع إسمه هو من بين الموظفين في بنك البركة يومئذ ، وهو الذي كان قد سقط أصلا في مرحلة الكتابي ، في حين لم يطلع إسمي أنا ضمن أولئك الموظفين وأنا الذي قد نجحت في كلا الإختبارين الكتابي والشفهي معا! 
‎أما مسابقة البنك الليبي  فقد نجح باسمها زميلي أيضا من نفس الجامعة ويستحق ذلك النجاح لذكائه وجديته ، لو كان  قد شارك فعلا  في تلك المسابقة ! وذلك لكو نه في ذلك اليوم الذي قد أقيمت  فيه تلك المسابقة في العاشرة صباحا في مدينة انواكشوط . قد كان هو  في نفس ذلك اليم بالذات متوا جدا في مدينة كيفة وعلى بعد أكثر من 650 كلم ! 
‎وقد حصل كذلك نفس الشيئ  أيضا مع زميل آخر لنا من نفس الجامعة قد شارك هو الآخر في مسابقة للجيش ولم يطلع اسمه في الكتابي ولكن لحسن حظه عكسي أنا فإنه قد تقابل في أحد الأيام في الشا رع صدفة مع ضابط من البعثة الإستشارية الفرنسية العاملة في موريتانيا وقد كان مشرفا على تلك المسابقة ، وهو كذلك من قد صحح أوراق ذلك الزميل الذي قال له يومئذ لما رآه في الطريق يسير على غير هدى ، سعيد فلما ذا لاتكون قد ذهبت إلى المدرسة العسكرية في أطار كبقية زملائك الطلبة الذين نجحوا في تلك المسابقة ، فقال له يعود ذلك لكو ني لم أنجح في الكتابي . فقال له مستحيل فأنت الرقم الأول و بينك خمس نقاط كاملة مع الرقم الثاني ! 
‎ثم قال له اركب معي وذهب به وادخله على قائد الجيش الوطني يومها، وقص عليه قصة تفوق ذلك الشاب وسرعة إنجازه لعمله في ذلك الإختبار الشيئ الذي جعل إسمه وصورته يبقيان حاضران في ذهنه طيلة الوقت كما قال ، وكذا كون بعض المتسابقين أيضا قد نقلوا عليه ، وختم حديثه معه  قائلا بحزم سعيد يجب أن يلتحق بالمدرسة العكرية فورا وإلا فسوف نعلن الخبر للرأي العام الوطني !
‎وماكان من قائد الجيش حينئذ إلا أن أمربحلاقة شعر رأس سعيد فورا ثم إلحاقه بالمدرسة العسكرية في أطار علما أنه قد نجح أيضا ذلك الشاب هو الأول على دفعته في نهاية سنوات الدراسة. كما حصل لاحقا بمقتضى ذلك النجاح على تكوين في فرنسا وقد كان الأول فيه أيضا !
‎فهذه وقائع قد كنت طرفا فيها أو على علم بها وهي قد تدعم لاشك كلما ذكرت سابقا أيها السيد إطول عمرو ! 
‎وقد تابع الرجل حديثه السابق بعد انقطاع شبه طويل حيث اعتدل في جلسته وواصل حديثه قائلا والشاعر أيضا في زمنهم قد أفقدوه قيمته المعنوية وصار مجرد زمار في جوقة الحكومة ، أو متسولا بشعره للأسف في صالونات ومكاتب التبتابه ! 
‎والعلماء أيضا فلم يكونوا أحسن حظا من الشعراء . بل صار دور بعضهم مجرد إبرام عقود الزواج لبعض العائلات الغنية ،و كذا تحليل بعضهم لما ترغب الحكومة فيه ولو كان خارج المعطى الشرعي أصلا للأسف " فالرجل غير مأ مأمون على نفسه إذا جوعته.

أوخوفته " كما قال عمر ابن الخطاب رضي الله عنه في رسالة قد وجهها لعمرو ابن العا ص يوم كان واليا له على مصر وذلك في مجال اعتراف الشخص على نفسه تحت الإكراه .
‎ ونستنتج نحن من كل ذلك بأن تصرف أولئك الشعراء والعلماء يومئذ قد كان يقتضيه واقع أمنهم ومعاشهم . وياليتهم قاوموا تلك الضغوطات إن كانت ظروفهم ربما قد تسمح لهم بذلك ! 
‎فهذه بعض ممارسة أنظمة هذه الدولة التي يزعمون بأن فيها مليون شاعر ومليون عالم وفقيه ،ولكن من المؤكد منه  بالنسبة لي فهو أن فيها أكثر من مليون تبتاب . بل إنها تنطبق عليها المقولة المصرية القائلة ( ياداخل مصر هنا الف ألف من مثلك ) وذلك رغم قلة سكاننا نحن مقارنة بسكان مصر! 

(يتبع)