
في ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها موريتانيا، برزت إلى الواجهة ظاهرة الاختفاء المؤقت والاختطاف المزعوم، وهي ظاهرة تستدعي معالجة جادة وحازمة من طرف الدولة، لما تخلّفه من آثار أمنية ونفسية على المجتمع. إن التعامل مع مثل هذه القضايا لا يمكن أن يكون عبر ردود أفعال ظرفية أو معالجة انتقائية، بل من خلال إجراءات مؤسسية وقانونية صارمة تضع حدًا لهذه الممارسات، سواء كانت حالات اختطاف حقيقية أو اختفاء مفتعل لأسباب شخصية أو دعائية.
يتطلب الأمن الحديث نهجًا يستند إلى الشفافية والمساءلة، وهو أمر يغيب في التعامل مع حالات الاختفاء في موريتانيا.
غالبًا ما تبدأ هذه القضايا بإبلاغ رسمي من الأسر، يتبعه انتشار مكثف للأخبار عبر ووسائل التواصل الاجتماعي، ما يخلق حالة من الذعر، ولكن بمجرد عودة الشخص المختفي، تغيب الحقيقة، وتُترك القضية دون توضيح رسمي، مما يُبقي المجال مفتوحًا أمام الشائعات والتكهنات.
إن التجاهل المؤسسي لتقديم توضيحات نهائية حول هذه الحوادث يقوض ثقة المواطنين في المؤسسات الأمنية، ويفتح الباب أمام استغلال الظاهرة بطرق متعددة، سواء من قبل أشخاص يسعون إلى إثارة الرأي العام لأغراض خاصة، أو من قبل جهات قد تحاول زعزعة استقرار المجتمع عبر نشر الأخبار المضللة.
من ناحية المسؤولية الأمنية فإن تعامل الأجهزة الأمنية مع حوادث الاختفاء لا يجب أن يقتصر على مجرد البحث عن المفقودين واستعادتهم، بل يجب أن يمتد إلى التحقيق العميق في ملابسات كل حادثة ومحاسبة المسؤولين عنها وفقًا للقانون.
في هذا الإطار، يتوجب:
- إصدار تقارير رسمية بعد كل حالة اختفاء توضح الأسباب الحقيقية للاختفاء، سواء كانت جريمة اختطاف أو مجرد حادثة عابرة.
- معاقبة الجناة في حالات الاختطاف الحقيقية وفقًا للقوانين الجنائية، وإعلان ذلك للرأي العام لتعزيز الردع.
- فرض غرامات وعقوبات على من يثبت تلاعبه بحوادث الاختفاء، سواء لأغراض شخصية أو للتضليل الإعلامي.
- تطوير آلية وطنية للإنذار المبكر عن حالات الاختفاء تتضمن خطًا ساخنًا وإجراءات موحدة للتحقيق السريع.
وفى هذا الصدد فإن للإعلام المسؤول هو الآخر دوره في ضبط الأخبار ومنع الفوضى المعلوماتية فلإعلام شريك رئيسي في تكريس الأمن والاستقرار، ولذلك يتوجب عليه التحقق الدقيق من المعلومات قبل نشرها، وتجنب إثارة الهلع دون مبرر.
التغطية الإعلامية لقضايا الاختفاء يجب أن تخضع لضوابط مهنية وأخلاقية واضحة، من بينها:
• عدم نشر أخبار عن حالات اختفاء دون مصادر موثوقة من الجهات الأمنية.
• الالتزام بتحديث الأخبار بعد انتهاء القضية، لتوضيح الحقيقة ومنع الشائعات.
• تقديم مواد توعوية حول كيفية التعامل مع حالات الاختفاء، بدلًا من المساهمة في نشر الذعر.
• ممارسة الضغط على السلطات الأمنية لإصدار بيانات رسمية في كل حالة اختفاء.
كما يتحتم على المجتمع والأسرة لعب الدور الوقائي في الحد من الظاهرة
فعلى مستوى المجتمع، هناك حاجة ماسة إلى تعزيز ثقافة الوقاية والمسؤولية الأسرية، من خلال:
- مراقبة الفئات الأكثر عرضة للخطر
وتوعيتهم بأساليب الحماية الشخصية.
-التبليغ الفوري عن أي حادثة اختفاء عبر القنوات الرسمية، بدل اللجوء إلى وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر أولي للإبلاغ.
- عدم الانجرار وراء الأخبار غير الموثوقة التي قد تثير الفوضى دون وجود دليل واضح.
- تعزيز التضامن المجتمعي من خلال تكثيف مبادرات الأمان المدني والمراقبة الجماعية.
هذا دون أن ننسى أهمية الإصلاح القانوني من أجل ضرورة سد الثغرات وتعزيز الردع
بحيث لا يمكن وضع حد لهذه الظاهرة دون إصلاح تشريعي واضح يحكم حالات الاختفاء والاختطاف، لذلك يتوجب:
١- وضع نصوص قانونية صريحة تُجرّم البلاغات الكاذبة عن الاختطاف وتحدد عقوبات صارمة للمتورطين.
٢- تعزيز العقوبات على جرائم الاختطاف الفعلية لتكون أكثر ردعًا وفعالية.
٣- إلزام الأجهزة الأمنية بإصدار بيانات رسمية حول كل حادثة اختفاء في إطار الشفافية.
٤- إنشاء سجل وطني لحالات الاختفاء مجهولة الأسباب، يُتاح للجهات المعنية والمجتمع المدني للمراقبة والمتابعة.
إن تجاهل هذه الظاهرة أو التعامل معها بأساليب تقليدية لم يعد مقبولًا، بحيث لا مجال للصمت والتجاهل بعد اليوم.
فالأمن المجتمعي يحتاج إلى وضوح، محاسبة، وشفافية في معالجة مثل هذه القضايا.
وعلى السلطات أن تتحرك بجدية لإنهاء حالة الفوضى المعلوماتية التي ترافق كل حادثة سواء كانت حادثة اختفاء، أو غيرها ، وتقديم إجابات نهائية لكل قضية، سواء كانت جريمة أم مجرد سوء تفاهم.
لا استقرار دون أمن، ولا أمن دون شفافية، ولا شفافية دون محاسبة.
محمد محمود سيدى بوى
رئيس المرصد الموريتاني للعدالة والمساواة للدفاع عن حقوق الانسان