انتخابات العشيرة وقبائل الديمقراطية - قرية المدينة ومدينة القرية

اثنين, 2020-10-12 13:02

مرّ المجتمع الفلسطيني بعدة صدمات كبيرة، جعلته يعيد بناء نفسه بطريقة مختلفة عن باقي المجتمعات العربية وحتى الغربية.
في نهاية القرن التاسع عشر تدفق عشرات ألاف المهجرين اليهود إلى فلسطين ، ثم صاروا مئات ألاف، ما أفقد المجتمع العربي الفلسطيني تركيزه ودفعه نحو خانة الدفاع عن الهوية.
في 1948 انشطر المجتمع الفلسطيني بسكين الحرب إلى قسمين. قسم الداخل وقسم اللاجئين. وانقسم الداخل إلى قسمين (قسم تحت منع التجوال داخل الخط الأخضر وقسم تحت الوصاية الأردنية والمصرية. وفي العام 1967 انشطر بسكين النكبة الى قسمين آخرين ( لاجئون داخل الوطن ولاجئون خارج الوطن).
وفي الانتفاضة الأولى عام 1987 ثار المجتمع على الاحتلال، وعم العصيان المدني في جميع أنحاء المجتمع. فانحسرت "مركزية الدولة" ونشأت "دويلات الانتفاضة" في كل منطقة
بعد أوسلو 1995. جاءت السلطة تعيد لملمة الدويلات والجماعات والقبائل والعشائر والتنظيمات المسلحة تحت مسمى سلطة مركزية، وبدأت في ذلك اقتصاديا ومركزيا إداريا وسياسيا وتنظيميا وسيكولوجيا. ولكن بعد نحو خمس سنوات اندلعت الانتفاضة الثانية فتقوّضت السلطة المركزية وقصف الاحتلال مراكز الدولة ومقرات الآمن. فتناثر المجتمع الفلسطيني من جديد على شكل دوائر سوسيولوجية تدافع عن نفسها في كل منطقة وكل عشيرة.
في 2005 وبوجود الرئيس عباس، ورئيس وزرائه د سلام فيّاض. عملت السلطة على إعادة إنتاج نفسها من خلال إعلان دولة افتراضية على الورق في الأمم المتحدة، وحاولت إعلان ذلك عام 2008 ولكن ما يفعله الاحتلال منذ ذلك الوقت، ومع انقسام قطاع غزة. عادت السلطة المركزية إلى الترنح والسقوط. ضعفت وهزلت حتى بانت عظامها. فنشأت تلقائيا قوى غير مركزية تلعب دور الطرف الأقوى تنظيميا وإداريا وماليا وعسكريا وتنظيميا وسيكولوجيا. غزة أصبحت دولة لوحدها، وكذلك كل محافظة في الضفة الغربية أصبحت تسعى لحكم ذاتي غير معلن، ولكنه ظاهر للعيان.
مع الحصار المالي الأمريكي في 2018 عادت السلطة المركزية إلى حالة الغيبوبة المؤقتة. ولكن ظهور فيروس كورونا في بداية 2020 قضى على أي أمل لاستعادة القوة المركزية للسلطة.
وقد لاحظت في السنوات الأخيرة أن مفهوم (مدينة القرية) عاد ليصبح هو الأقوى. وفي علم الاجتماع أن كل قرية في فلسطين أصبحت مدينة فيها فرع لبنك وفيها صالات أفراح وفيها مركزية خاصة فيها اقتصاديا وتنظيميا وحتى في المواصلات والعيادات والمشافي والصيدليات.
وفي ظل وجود نحو 3 مليون هاتف ذكي بيد المواطنين الفلسطينيين، واعتماد التعليم عن بعد. فقدت المدينة صيرورتها الطبيعية فصارت قرية، بينما صارت القرية مدينة.
أي أن السلطة المركزية تراجعت وتتراجع لصالح السلطات المحلية والبلديات والتنظيم والقطاع الخاص والعمل في الورشات الاسرائيلية.
وفي مثل هذه الظروف، يجري البحث في أمر الانتخابات العامة. وعلى هذه الخلفية يمكن لنا أن نتوقع النتائج مسبقا. نتائج كاسحة لصالح الضواحي على حساب السلطات المركزية.

د. ناصر اللحام