
واقع جديد بمعطيات محدثة ومغايرة للكثير مما سبق، برز بعد انمر الشهر الأول من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. سقط الاعتقاد الذي طغى لفترة قصيرة بعد بدء الحملة العسكريةيوم 28 فبراير 2026 بأن المواجهة لن تستمر سوى لأسبوعين أوثلاثة وتحسم لصالح واشنطن وتل أبيب بفرض شروط قليلة أوكثيرة على طهران وأما وقف لإطلاق النار مثل ذلك الذي طبق بعدحرب الاثنى عشر يوما في الفترة من 13 حتى 24 من شهر يونيو2025 في انتظار التحضير لجولة عسكرية جديدة يستعد لهابشكل أفضل تحالف تل ابيب واشنطن.
بعد شهر من الحرب وجد العالم نفسه أمام تصريحات ومواقفمتقلبة عن التفاوض وعدمه وقرب التوصل إلى إتفاق والاعدادلحرب برية والقضاء على قدرات إيران العسكرية بشكل كاملوالاعداد للسيطرة على مخزون طهران من اليورانيوم المخصب،في نفس الوقت واصلت طهران ضرب القواعد الأمريكية في أغلبمنطقة الخليج العربي وإسرائيل بينما أجبرت صواريخ ومسيراتحزب الله من لبنان أكثر من ثلاثة ملايين إسرائيلي على قضاءاغلب ساعات النهار والليل على العيش في الملاجئ.
مضيق هرمز الذي تمر عبره نسبة 20 في المئة من الاستهلاكالعالمي للنفط وأكثر من ذلك من الغاز ظل مغلقا ولم تسمح طهرانسوى لسفن الدول الصديقة بالمرور وبرسوم بغير الدولارالأمريكي، اسعار النفط والغاز انفجرت عالميا والخسائر بمئاتالمليارات من الدولارات أسبوعيا.
في الغرب انقسمت الآراء بين من يتوقع انتصارا أمريكياإسرائيليا في النهاية على طهران وآخر ينتظر
العكس.
الحرب ضد إيران تتسع ويتزايد حجم دعم بكين وموسكو لطهرانويصر محللون على أن خصوم الولايات المتحدة نصبوا لها فخافي الحرب على إيران وأن موسكو وجدت فرصة لرد الصاعلواشنطن لدعمها منذ سنوات أوكرانيا في الحرب مع روسيا، فيحين تستفيد بكين من استنزاف أمريكا في الشرق الأوسط مماسيسهل عليها استعادة تايوان وتسريع انجاز مبادرة الحزاموالطريق. ويحذر سياسيون في الغرب من أن هدف طهران ومنيتحالف معها هو افراغ الشرق الأوسط من الوجود العسكريالأمريكي. في داخل الولايات المتحدة نفسها يتزايد المعارضونللحرب ويواجه الحزب الجمهوري خطر خسارة انتخاباتالكونغرس في نوفمبر 2026، ويخرج مئات الالاف من المتظاهرينفي مدن الولايات المتحدة معارضين سياسة الرئيس ترامب.
ترامب يهاجم حلف الناتو ويصفه بنمر من ورق لأنه رفضالانخراط إلى جانبه في الحرب ضد إيران، والمحافظون الجددالمقربين من الرئيس الأمريكي يريدون مواصلة الحرب ويتوقعونإنكسار طهران قريبا ويريدون شن حرب برية وإحتلال جزر فيالخليج، ويطالبون بالرد على موسكو وبكين لأنهما تساعدانطهران على قتل الأمريكيين والاضرار بمصالحهم.
نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل يعتبر إيران في ظل حكومتهاالحالية خطرا وجوديا على تل أبيب ولا يريد سوى نصر كامل علىطهران وهو يهدد بإستخدام السلاح النووي إذا لم تنجح العمليةالعسكرية الحالية في حسمها. ولكن في نفس الوقت تتصاعدالمعلومات في عدد من مراكز الرصد بأن طهران صنعت بالفعل مابين 8 و 11 قنبلة نووية بأوزان لا تفوق 250 كيلوغراما مما يسهلنقلها بالصواريخ وأنها سوف تستخدمها ضد إسرائيل.
شروط واشنطن وتل أبيب وطهران لإنهاء الصراع متعاكسة تماماولا يمكن إيجاد حل وسط بينهما.
ككل الحروب والصراعات سيكسب من يصمد أطول من خصومه.
القنبلة النووية
أكد ثيودور بوستول (Theodore Postol) هو فيزيائي أمريكيبارز عمل في القطاع النووي في البنتاغون الأمريكي وأستاذفخري في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، متخصصفي سياسات العلوم، التكنولوجيا، والأمن القومي. أن إيرانأصبحت عمليا قوة نووية خفية.
وقال بوستول: فكروا في الأمر بهذا الشكل: كل 40 كيلوغراما مناليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة يمكن أن تخصب بسهولةللحصول على حوالي 25 كيلوغراما من اليورانيوم المخصب بنسبة90 في المئة، وهي الكمية الكافية لصنع قنبلة نووية واحدة. وبماأن لدينا 460 كيلوغرام في إيران، فهذا يعني إمكانية إنتاج 10 قنابل نووية.
وأضاف بالتأكيد. “إذا كنت رئيس دولة مهددة، فعليك أن تجعلبلدك إيران دولة تمتلك أسلحة نووية غير معلنة – مثل إسرائيل. هذا له تداعيات كبرى على الاستقرار الإقليمي. السر فيالتخصيب هو أن برنامج الطاقة النووية يتطلب قدرة تخصيب أكبربكثير من إنتاج الأسلحة. وإذا كان لديك برنامج للطاقة النووية،فلديك القدرة الضمنية لصناعة القنابل. وبما أننا لا نعرف أينذهب اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة الآن، فأنا أعتبرإيران دولة نووية من الناحية العملية. وإن كنت مكان إسرائيل، لنأدفعهم إلى الزاوية. أي تهديد مباشر قد يعني سقوط قنبلة علىتل أبيب أو حيفا”.
موازاة مع تصريحات الخبير الأمريكي ويوم 27 مارس اعتبرالمتحدث باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمانالإيراني علي رضائي أن "استمرار عضوية إيران في معاهدةحظر الانتشار النووي (NPT) ليس له معنى".
وفي حسابه على منصة "إكس"، كتب رضائي: "إن استمرارعضوية إيران في معاهدة حظر الانتشار النووي (NPT) ليس لهمعنى، فهذه المعاهدة لم تقدم لنا أي ميزة".
وأضاف: "إن معاهدة حظر الانتشار النووي (NPT) لم تفشلفقط في حماية بلادنا من خطر هجمات قوى نووية، بل إنمنشآتنا النووية قد تعرضت لهجمات متكررة، كما تم تجاهلالوثائق والاتفاقيات الدولية بشكل كامل أساسا".
وأوضح رضائي قائلا: "ليس لدينا أي نية لإنتاج قنبلة، وسياستنافي هذا المجال لم تتغير، ولكن عندما يقول مدير عام الوكالةالدولية للطاقة الذرية إن السبيل الوحيد لتدمير برنامج إيرانالنووي هو القنبلة الذرية، فإن هذا الأمر يعد تحريضيا وخطيرا".
وختم المتحدث باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجيةمنشوره بالقول: "لقد انسحبت الولايات المتحدة من 60 منظمةواتفاقية دولية، والآن إذا أردنا نحن الخروج من معاهدة حظرالانتشار النووي، فمن المحتمل أن نواجه دهشة ومعارضة منالغرب! لقد حان وقت الانسحاب".
حصون منيعة على عمق 500 متر
منذ أندلعت الحرب ضد إيران ضجت البلاغات والتصريحاتالصادرة سواء من واشنطن أو تل أبيب عن النجاح في القضاءعلى القدرات العسكرية لطهران، ولكن الوقائع على الأرض أثبتتعكس ذلك. ومؤخرا بدأت تتسرب أخبار عن قدرات عسكرية جديدةفي يد قواتها المسلحة. وهكذا تستمر التفاصيل حول المدنالصاروخية الإيرانية تحت الأرض في الكشف عن قدرات هندسيةوعسكرية هائلة. فقد أنشئ أحد هذه المرافق الضخمة داخل جبلمن الغرانيت قرب مدينة يزد، ويضم شبكة متفرعة من الأنفاقمزودة بمخارج محصنة على جوانب متقابلة من الكتلة الصخرية. كما تم مد خطوط سكك حديدية داخل المنشأة لنقل صواريخمختلفة الأنواع.
ويبلغ عمر الصخور في الموقع نحو 300 مليون سنة، وتتفوقصلابتها على الخرسانة المسلحة، ما يجعل الموقع هدفا شبه منيعأمام الطيران الأمريكي. على سبيل المثال، فإن أقوى القنابلالأمريكية الخارقة للتحصينات من طراز GBU-57 MOPصُممت لضرب الملاجئ على عمق 60 مترا، وقد تكون عاجزة أماممثل هذا المرفق. ويُشار إلى أن إيران تمتلك 27 قاعدة مماثلةموزعة في أنحاء البلاد، تشكّل "مدنا تحت الأرض" قادرة علىتحمل ضربات نووية والعمل في عزلة لعدة أشهر.
الهندسة متعددة المستويات
ليست هذه الأنفاق مجرد ممرات ضيقة، بل منشآت هندسيةعملاقة متعددة الطوابق. حُفرت الأنفاق بارتفاع خمسة طوابق، ممايتيح نقل صواريخ باليستية من نوع "سجيل" و"قاسم" باستخدامشاحنات ضخمة بحرية تامة.
جدران الأنفاق مدعمة بخرسانة فائقة الصلابة، ويقسم نظامبوابات محكم القفل القاعدة إلى قطاعات، لضمان استمرار عملباقي أقسام القاعدة حتى عند تعرض أحد الأقسام للضرر. كماتظل منصات الإطلاق في حالة تأهب قتالي وجاهزة للانطلاق منالأنفاق نحو مواقع الإطلاق المخفية.
لا يمكن لإيران خسارة هذه الحرب
تعمل هذه المنشآت كـ"دولة داخل دولة"، إذ وُفرت فيها بنية تحتيةلحياة آلاف الجنود والمهندسين لشهور طويلة وهناك:
•مصانع شبحية: تقع خطوط تجميع طائرات "شاهد" المسيرة وورش صيانة محركات الصواريخ تحت الأرض مباشرة. وتُدخل المكونات إلى هذه المرافق بشكل منفصل، ويخرج المنتجالنهائي جاهزًا إلى موقع الإطلاق.
•دورة حياة متكاملة: تضم القواعد مستشفيات مزودة بغرفعمليات، ومقاصف، وثكنات، وحتى صالات رياضية خاصة بها.
•استقلالية الموارد: تمكّن أنظمة تنقية الهواء الخاصة، وآبارالمياه الارتوازية العميقة، والمولدات الكهربائية الضخمة المشغلةبوقود الديزل مع مخزون هائل من الوقود، القاعدة من العمل فيوضع مغلق ومعزول تماما.
القدرة الاستراتيجية والردع النفسي
وجود هذه القواعد يخلق حالة من "الجمود الاستراتيجي"، إذيدرك الخصم أن أي ضربة استباقية لن تقضي على قدرات إيرانالصاروخية، وأن الرد الانتقامي ممكن في أي لحظة من داخلالأنفاق. إنها حقا "عالم مواز" تُخطط فيه الحرب بهدوء تحتالأرض، بينما تسير الحياة الطبيعية على السطح.
وتمثل هذه المدن تحت الأرض قمة الدفاع غير المتماثل. في عالمتتحكم فيه الأقمار الصناعية والطائرات المسيرة في الجو، نزلتإيران إلى الأعماق، محولة جبالها إلى منشآت صاروخية منيعةمخفية داخل الصخر.
نحو الانهيار
يوم الخميس 26 مارس 2026 أعلن رئيس أركان الجيشالإسرائيلي أيال زامير أن الجيش يتجه إلى الانهيار في ظلالحرب مع إيران وحزب الله.
وقال زامير خلال اجتماع للمجلس الوزاري المصغر (الكابينت) منأن الجيش الإسرائيلي "يتجه نحو الانهيار من الداخل"، في ظلأزمات متراكمة تتعلق بنقص القوى البشرية.
وبحسب ما نقلته صحيفة "يديعوت أحرنوت"، أشار رئيس الأركانالإسرائيلي إلى أن قوات الاحتياط "لن تصمد"، منتقدا عدم إقرارالحكومة لقوانين تنظم تجنيد المتدينين (الحريديم)، وعدم تعديلقانون الاحتياط، إضافة إلى عدم اتخاذ خطوات لتمديد مدةالخدمة الإلزامية.
وأضاف في تحذير لافت: "أرفع 10 أعلام حمراء"، في إشارة إلىخطورة الوضع الحالي، ما يعكس تصاعد القلق داخل المؤسسةالعسكرية من تداعيات الضغط المستمر على القوات في ظلالحرب الدائرة وتصاعد الأعباء العملياتية ونقص القوى البشرية.
وأكد زامير أن حجم القوات المطلوبة يتزايد باستمرار، بينما يعملالجيش على عدة جبهات نشطة تشمل قطاع غزة ولبنان وسورياوالضفة الغربية، محذرا من أن قوات الاحتياط لن تصمد في ظلالضغط الحالي.
وأشار إلى أن الحكومة لم تقر حتى الآن قوانين أساسية لتخفيفالأزمة، من بينها قانون تجنيد المتدينين (الحريديم)، وتعديل قانونالاحتياط، وتمديد مدة الخدمة الإلزامية، ما يفاقم أزمة النقصالبشري داخل المؤسسة العسكرية.
وأكد زامير أنه "خلال وقت غير بعيد، لن يكون الجيش قادرا علىتنفيذ مهامه حتى في الظروف الاعتيادية"، مشددا على أناستمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى تراجع جاهزية إسرائيلالعسكرية بشكل خطير.
رئيس المعارضة في إسرائيل، يائير لابيد، صرح إن تحذيراترئيس أركان الجيش الإسرائيلي يتم تجاهلها من قبل الحكومة.
وأضاف لابيد، حسبما نقلت صحيفة "يديعوت احرنوت"، أنالحكومة "لن تتمكن في الكارثة القادمة من الادعاء بأنها لم تكنعلى علم"، مؤكدا أنها تتحمل المسؤولية الكاملة عن تداعياتالوضع الحالي.
رئيس حزب "كاحول لافان" ووزير الأمن الأسبق، بيني غانتس،ذكر إن تصريحات رئيس الأركان "تُشكّل إدانة خطيرة للحكومةفي زمن الحرب".
وأضاف: "إنها الحكومة نفسها التي تتحدث من جهة عن ’تغييرالشرق الأوسط’، وعن أسابيع حرب طويلة أخرى، والتي تروجلأوهام انتصارات عظيمة، بينما تستمر من جهة أخرى فيتشجيع التهرب الجماعي".
وتابع غانتس: "لن تستطيعوا التستّر على هذا، ولن تستطيعواالتذرّع بـ’لم نكن نعلم’، عندما تقع الكارثة التالية".
من جانبه شن رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق نفتالي بينيتهجوما حادا على حكومة بنيامين نتنياهو، متهما إياها بالفشلفي حسم المعارك.
واعتبر بينيت في مقابلة مع موقع واللاه العبري أن "الشمالمتروك.. وحزب الله أعاد ترميم قدراته قبل إعادة إعمار كرياتشمونة".
وقال بينيت إن نتنياهو "يعرف كيف يبدأ الحروب لكنه لا يعرفكيف ينهيها"، منتقدا استمرار ما وصفه بـ"عقيدة عدم الحسموالتردد".
وأضاف بينيت أن إسرائيل لم تحقق أهدافها في غزة أو فيمواجهة إيران، مشيرا إلى أن قوة حركة حماس "تتعاظم رغمإعلان النصر مرارا"، فيما اعتبر أن الحرب يجب أن تنتهي فقطبتحقيق ثلاثة أهداف: تفكيك البرنامج النووي الإيراني، وإنهاءمنظومة الصواريخ الباليستية، ووقف نشاط "محور المقاومة".
في هذه الاثناء يحتشد آلاف الاسرائيليين عند معبر طابا معمصر والمعابر مع الأردن للعبور عبرهما إلى مطارات شرم الشيخوالقاهرة وعمان للسفر إلى بقية دول العالم بعد شل مطاراتإسرائيل وتخشى الدوائر السياسية في تل أبيب من أن تكون هذهعملية هجرة معاكسة بسبب انعدام الأمن والحروب التي لا تنتهي،وتقول صحف إسرائيلية أن إنضمام اليمن مجددا للحرب ضد تلأبيب زاد المخاطر.
لبنان وغزة
يوم الأربعاء 25 مارس أفادت وكالة رويترز نقلاً عن مصادرإقليمية بأن إيران أبلغت دولاً وسيطة أن لبنان يجب أن يكونمشمولاً في أي صفقة مع إسرائيل والولايات المتحدة.
وقالت المصادر إن طهران نقلت الرسالة إلى الوسطاء بالفعل فيمنتصف مارس، مفادها أن الصفقة ستوقف العمليات العسكريةالإسرائيلية في لبنان.
ونقل عن المصدر قوله: "إيران تعطي أولوية للبنان – ولن تقبلبالانتهاكات الإسرائيلية في ذلك البلد كما حدث بعد وقف إطلاقالنار في 2024".
بعد ذلك بساعات أضافت مصادر ألمانية أن طهران اشترطتكذلك وقف حرب غزة وجلاء القوات الإسرائيلية منها وفك الحصار.
جبهة الشمال
وسط هذا الجدل لا تسير خطط تل ابيب لوقف هجمات حزب اللهأو السيطرة على جنوب لبنان حتى نهر الليطاني كما كانت حكومةنتنياهو تأمل حيث تتكبد خسائر كبيرة وتضطر قواتها للتراجع.
في تقرير لها يوم 27 مارس، رصدت صحيفة "يديعوت أحرونوت" تزايد الإطلاقات التي ينفذها "حزب الله" اللبناني ضد إسرائيل،وتغير التكتيك الإيراني في الحرب معها.
وتطرقت "يديعوت أحرونوت" في تقريرها، إلى أنه في اليومالعاشر من الحرب، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن"قدرات إيران الصاروخية انخفضت إلى عشرة بالمئة، وربما أقل". وفي اليوم الثالث عشر، صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنياميننتنياهو بأن "ما تبقى لدى حزب الله هو نيران متبقية فقط،وسنعالجها أيضا". ومنذ ذلك الحين مر أسبوعان آخران، إلا أنكلا من إيران و"حزب الله" يواصلان إطلاق الصواريخ والقذائف،بل ويكثفان النيران ويغيران تكتيكاتهما.
ووفقا للبيانات، سُجل يوم الأربعاء 25 /ارس أكبر عدد منصافرات الإنذار في إسرائيل نتيجة القصف من لبنان منذأسبوعين بواقع 399 صافرة. في ذلك اليوم، وصل "حزب الله" إلىذروة بلغت نحو 500 عملية إطلاق، استهدف معظمها القواتالإسرائيلية المتوغلة في جنوب لبنان، بينما عبر 100 صاروخ منهاإلى الأراضي الإسرائيلية. كما أطلق "حزب الله" يوم الخميسعشرات الصواريخ باتجاه مستوطنات الشمال.
فعلياً، طوال الأسبوع الماضي، أطلق حزب الله رشقات ثقيلة نحومدن الشمال، شملت إطلاق عشرات الصواريخ دفعة واحدة علىحيفا ومنطقة "الكريوت"، ورشقات مكثفة على نهاريا، عكا، كرياتشمونة، كرميئيل وصفد.
وليلة 26 مارس - وللمرة الثالثة منذ بداية الحرب - أطلق "حزبالله" صواريخ باتجاه المركز (تل أبيب ومحيطها)، وأكد أنهاستهدف مقر "الكرياه" وقاعدة استخبارات في تل أبيب.
بالتوازي مع ذلك، يبدو أن إيران قد غيرت هي الأخرى تكتيكاتالإطلاق الخاصة بها خلال الأسبوع الماضي، مما أدى إلى وقوعإصابات وأضرار جسيمة في شمال إسرائيل والمركز والجنوب.
وحسب الصحيفة، لم تكن هناك زيادة في عدد الصواريخالباليستية التي تطلق نحو إسرائيل - حيث تستمر بمعدل حواليعشرة صواريخ يوميا - ولكن طرأ تغيير معين في نمط الإطلاق.
وأفادت بيانات معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)،بأن الإيرانيين نفذوا خلال أسبوع وحتى يوم الخميس، 89 "موجةهجوم" على إسرائيل، مقارنة بـ 60 موجة في الأيام الأربعة التيسبقت ذلك. وهو معدل مشابه (13 مقابل 15). ومن جهة أخرى.
ولعدة أيام، أطلقت إيران صواريخ على إسرائيل واحدا تلو الآخرنحو منطقة معينة، ربما بهدف البحث عن ثغرات في الدفاعالجوي. وكانت إحدى الحالات البارزة صباح أمس الخميس، حيثدوت سبع صافرات إنذار خلال ساعات قليلة في منطقة المركز.
بالإضافة إلى ذلك، ينسق "حزب الله"، حسب "يديعوتأحرونوت"، توقيت إطلاقاته مع مواعيد نشرات الأخبار التلفزيونية،حيث أن عدد عمليات الإطلاق بين الساعة 8 و9 مساءً أكبر بكثيرمن أي ساعة أخرى (714 صافرة). وبين الساعة 2 و3 ظهراسُمعت 400 صافرة إنذار، وبين الساعة 8 و9 صباحاً سُمعت311 صافرة. وفي بقية ساعات اليوم، سُجل أقل من 200 صافرةإنذار نتيجة الإطلاق من لبنان.
خسائر الجيش
يوم 26 مارس أعلنت غرفة عمليات المقاومة الإسلامية في "حزبالله" تفاصيل كمين محكم مركب نفذته قواتها في محور الطيبة – القنطرة جنوب لبنان، أسفر عن تدمير 10 دبابات إسرائيلية منطراز "ميركافا".
وذكر بيان الغرفة العملياتية إن "قوات العدو سيرت، الثلاثاء 24 مارس، جرافة بالتحكم عن بعد بين منطقة المحيسبات في الطيبةوبلدة القنطرة بهدف استطلاع تموضعات المقاومة، فتم رصدهاوإمهالها لاستدراج العدو إلى كمين محكم".
وأضاف: "عند الساعة 18:50 من مساء الأربعاء، تقدمت سريةمدرعات إسرائيلية بنسق طولي من جهة المحيسبات باتجاه بلدةالقنطرة تمهيدا للسيطرة عليها. وعندما أصبحت الآليات ضمنحقل الرماية، أطلق المجاهدون صواريخهم الموجهة باتجاه الفصيلالأوسط المؤلف من 4 دبابات ميركافا وجرافة D9، مما أدى إلىتدميرها بالكامل".
وتابع البيان: "أثناء محاولة الفصيل الخلفي (4 دبابات ميركافا) إطلاق غطاء دخاني كثيف لإخفاء تموضعه، عاجله المجاهدونبالصواريخ الموجهة ودمروا استعداده بالكامل. تزامنا معالاشتباك، استهدفت مجموعات إسناد من سلاح المدفعية التابعللمقاومة المقرات القيادية للكتائب المعادية في مشروع الطيبة وربثلاثين والعويضة، وكذلك قوات التعزيز التي استُقدمت لإجلاءالإصابات".
تشدد موقف موسكو
يوم 26 مارس 2026 أكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروفأن روسيا زودت إيران بأنواع معينة من المنتجات العسكرية وفقاللاتفاقية العسكرية التقنية لكنها ترفض اتهامها بتقديم معلوماتاستخباراتية.
وقال لافروف في مقابلة مع قناة "فرانس تي في": "لدينا اتفاقيةللتعاون العسكري التقني. قمنا بتزويد إيران بأنواع معينة منالمنتجات العسكرية، لكننا لا نستطيع الموافقة على الاتهامات بأننانساعد إيران بمعلومات استخباراتية".
وفي معرض رده على اتهامات غربية بشأن مساعدة روسيا لإيرانفي استهداف القواعد الأمريكية، قال لافروف إن إحداثياتالمنشآت العسكرية الأمريكية في منطقة الخليج "معروفة للجميع" وليست سرية.
وأضاف: "لقد ذكرتم المعلومات الاستخباراتية حول مواقع القواعدالعسكرية الأمريكية. إحداثياتها في المنطقة معروفة للجميع. إنهاليست سرية. إنها معلومات مفتوحة. لا أستغرب أن إيرانتهاجمها".
وأشار وزير الخارجية الروسي إلى أن موسكو أرسلت "إشاراتمتكررة" إلى واشنطن حول ضرورة إقامة حوار لحل مشاكلالخليج والشرق الأوسط، مؤكدا أن روسيا دعت مرارا إلى تسويةسياسية للأزمة بدلا من التصعيد العسكري.
في تحدي للعلاقات مع واشنطن صرح الرئيس التركي رجب طيبأردوغان يوم 26 مارس إن حكومة رئيس الوزراء الإسرائيليبنيامين نتنياهو "لا تكتفي باستهداف إيران بل تنفذ أيضاخططها لاحتلال لبنان خطوة بخطوة".
وأضاف أردوغان في كلمة له يوم الخميس، أن الحرب على إيران"لا تزال تخنق منطقتنا برائحة الدم والبارود وأصبح الأطفالالأبرياء أهدافا للصواريخ بينما يستمعون لدروسهم فيمدارسهم".
وتابع: "على الجميع أن يتأكد أننا لا نميز بين إخواننا وجيرانناوأننا لا نقف مكتوفي الأيدي بينما يعاني إخواننا. منطقتنا تعيشأكثر أيامها ألما في القرن الأخير، وشبكة إبادة يغمرها الحقد تجرالمنطقة إلى كارثة متسترة بحجج دينية".
وقال الرئيس التركي: "حكومة نتنياهو لا تكتفي باستهداف جارتناإيران بل تنفذ أيضا خططها لاحتلال لبنان خطوة بخطوة".
يقصم الظهر
قبل ستة أيام تقريبا من دخول اليمن الحرب ضد إسرائيل دعمالطهران وجبهة المقاومة يوم السبت 28 مارس كتب المحلل الروسييفغيني بوزنياكوف، في "فزغلياد":
اتضح أن الولايات المتحدة وإسرائيل تسعيان لتجنب أياستفزازات قد تجر الحوثيين إلى الصراع إلى جانب إيران. ووفقًالصحيفة وول ستريت جورنال، تخشى واشنطن وتل أبيب من أنيُغلق الحوثيون مضيق باب المندب.
كما أكدت الصحيفة أن السعودية تحاول أيضًا، عبر القنواتالدبلوماسية، ردع الحوثيين عن بدء أعمال عدائية.
وبحسبه، "انصبت جهود الأمريكيين الأساسية على تأمين مضيقباب المندب. لذا، تبقى الجماعة على أهبة الاستعداد للقتال، وهذاتحديدًا ما تخشاه الولايات المتحدة في حال تصاعد التوتر حولإيران. نظريًا، يُمكن للحوثيين التدخل في الصراع، لكن هذاسيحصل في حال انضمام طرف جديد، إلى القتال. في هذهالحالة، قد يدافع الحوثيون عن إيران".
جزيرة خارك
جاء في تقرير لمركز الأبحاث الأميركي"FDD" : قد تفضي عمليةالاستيلاء على جزيرة خارك أو خرج الإيرانية إلى نتائج عكسية،إذ ستُكبّد خسائر فادحة مقابل مكاسب عملياتية أو استراتيجيةضئيلة يُمكن تحقيقها بفعالية أكبر عبر وسائل أخرى، بل إنالاستيلاء على الجزيرة واحتلالها يُرجّح أن يُوسّع نطاق الحربويُطيل أمدها أكثر من أن يُحقق أي نصر حاسم.
وأضاف التقرير إلى أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامبركزت في الحرب على إعادة فتح مضيق هرمز، الذي من شأنه أنيساعد في استقرار أسواق الطاقة العالمية، بوصفه هدفهاالمباشر.
ومع احتمال نفاد صبر الإدارة وسعيها إلى وسائل عسكريةإضافية لتحقيق أهداف سياسية لم تتضح معالمها بعد، ظهرتتقارير هذا الأسبوع تفيد بأن ترامب يدرس خططاً للاستيلاء علىجزيرة خارك واحتلالها، والتي كانت إيران تصدر عبرها نحو 90 في المئة من نفطها الخام قبل الحرب، وذلك للضغط على طهرانلفتح المضيق، وربما استخدامها كورقة ضغط في المفاوضاتالمستقبلية.
وأشار التقرير إلى أن أنباء وردت عن عملية محتملة مع تحركمجموعتين جاهزتين للإنزال البرمائي تابعتين للبحرية الأمريكية،برفقة وحدات مشاة البحرية التابعة لهما، والتي يبلغ تعدادهامجتمعة 3000 جندي على الأقل، نحو "الشرق الأوسط"،بالإضافة إلى إصدار البنتاغون، يوم الثلاثاء، أوامر بنشر عناصرمن الفرقة 82 المحمولة جواً التابعة للجيش الأمريكي في المنطقة،وهي قوة إضافية يمكن الاستعانة بها في مثل هذه العملية.
"الاستيلاء على الجزيرة سيأتي بتكلفة باهظة"
وأفاد "FDD" بأن الاستيلاء على الجزيرة واحتلالها إلى أجلغير مسمى سيشكل تحديات تشغيلية كبيرة وسيأتي بتكلفةباهظة مقابل عائد استراتيجي ضئيل.
وأضاف بأنه من المرجح أن تتمكن قوات مشتركة من مشاةالبحرية وقوات الجيش المحمولة جواً وقوات العمليات الخاصة منالاستيلاء على جزيرة خارك بسرعة نسبية، على الرغم من أنالقوات البحرية ستواجه تهديدات إيرانية أثناء توجهها إلىالجزيرة، ومع ذلك، من المرجح أن تبدأ المشاكل الحقيقية للقواتالأمريكية بمجرد وصولها إلى الجزيرة، حيث ستواجه تحدياتكبيرة في حماية القوات وإمدادها.
وتقع جزيرة خارك على بعد حوالي 20 ميلاً قبالة سواحل إيرانفي الطرف الغربي من الخليج، وأكثر من 350 ميلاً بعد مضيقهرمز، ويجعل قرب الجزيرة من البر الرئيسي القوات الأمريكية فيمرمى تهديدات نيران غير مباشرة أخرى، بما في ذلك أنظمةإطلاق الصواريخ المتعددة الإيرانية، وربما حتى بعض المدافعالتي تطلق قذائف صاروخية، بحسب مركز الأبحاث.
وقد يشكّل استخدام الطائرات المسيّرة الإيرانية ذات الرؤية منمنظور الشخص الأول (FPV)، بحسب المركز، تهديداً إضافياً لايحظى بالتقدير الكافي، وإذا ما حصلت طهران على طائراتFPV ذات مدى كافٍ أو قامت بتصنيعها، فمن المحتمل أن يتمكنالجيش الإيراني من تحديد واستهداف أنظمة فردية وأفراد منالقوات الأمريكية في الوقت الفعلي.
وباستخدام هذه القدرات، من المرجح أن تحاول إيران شنّهجمات نارية مكثفة ضد القوات الأمريكية أثناء الاستيلاء علىالجزيرة وأثناء أي احتلال لاحق، وفقاً لـ "FDD"، ومن شبه المؤكدأن تبادل المعلومات الاستخباراتية الروسية مع إيران، بما في ذلكصور الأقمار الصناعية، سيزيد من فتك هذه الضربات.
"سيُلحق هذا أضراراً بالغةً بالدفاعات الأمريكية"
وبحسب "FDD"، فإنه من الأفضل أن تكون هذه القوات مجهزةبأنظمة دفاع جوي وصاروخي وطائرات مسيرة متطورة.،إلا أنالعديد من هذه الأنظمة يتطلب أفراداً ومعدات كبيرة مطلوبة أيضًافي مناطق أخرى من مسرح العمليات، كما أن بعضها سيكونمن الصعب نشره وصيانته بسرعة على الجزيرة، وستكون الأنظمةالأرضية الحيوية، مثل الرادارات، عرضة بشكل خاص للكشفعنها واستهدافها بنيران إيرانية غير مباشرة أو طائرات مسيرة،مما قد يُلحق ضرراً بالغاً بالدفاعات الأمريكية الأرضية هناك.
زسيحتاج سلاح البحرية الأمريكية أيضاً، بحسب مركز الأبحاث،إلى المساهمة في جهود حماية هذه القوات، فمع الضغط الواقععلى المدمرات جراء مهامها المتعددة، سيُطلب منها على الأرجحتوفير الدفاع الصاروخي الباليستي وصواريخ كروز، ليس فقطللقوات المتمركزة في الجزيرة، بل أيضا لمجموعات الإنزالالبرمائي الجاهزة اللازمة لنقل القوات إلى هناك، وسفن الدعماللازمة لإعالتها.
وستكون هذه الجهود محفوفة بالمخاطر نظراً لموقع جزيرة خاركفي الطرف الغربي من الخليج. إذ سيتعين على السفن عبورمضيق هرمز، الذي يمتد عبر معظم الخليج، ثم البقاء بالقرب منالساحل الإيراني، مما يتيح لإيران شن هجمات قد تكون مميتة،وفقاً لـ "FDD"، وإذا احتاجت القوات المتمركزة في الجزيرة إلىدعم لوجستي بحري مستمر، فإن المخاطر ستزداد مع مرورالوقت، كما ستصبح هذه الأصول البحرية غير متاحة لمهام أخرى،مثل مرافقة ناقلات النفط عبر المضيق، ونظراً لأن البحرية لم تبدأبعد عمليات المرافقة، فإن مهمة الاستيلاء على خارك ستؤخرقدرتها على القيام بذلك بشكل شبه مؤكد.
استنزاف القدرات الجوية
ولعل الأهم من ذلك، بالنسبة لـ "FDD"، أن القوات الأمريكيةستحتاج أيضاً إلى شن حملة قمع جوي واسعة النطاق على طولالساحل الإيراني، باستخدام مجموعة متنوعة من القدرات، لعرقلةمحاولات إيران تركيز نيرانها الفعالة على المواقع الأمريكية،وسيؤدي هذا الجهد إلى استنزاف قدر كبير من القدرات الجويةالأمريكية، ومنعها من ضرب أهداف أخرى، وربما تعريضهالتهديدات جوية أرضية أكبر، وحتى مع حملة جوية قوية، فإنالتهديد المشترك للصواريخ، وربما المدفعية، والطائرات المسيرةبعيدة وقصيرة المدى، والصواريخ الجوالة والباليستية، سيكونهائلاً، ومن غير المرجح القضاء عليه تماماً من الجو وحده.
ومن المرجح أن تكلَف الأصول الجوية، ولا سيما المروحياتوطائرات "V-22 Osprey" ذات المراوح القابلة للإمالة، بتقديمالدعم اللوجستي للأفراد الأمريكيين في الجزيرة، وسيتطلب ذلكطلعات جوية عديدة، وستكون الطائرات التي تحلق على ارتفاعمنخفض نسبياً أكثر عرضة للتهديدات الإيرانية أرض-جو، وفقاًلمركز الأبحاث.
"الاستيلاء على جزيرة خارك عملية محفوفة بالمخاطر".
بالنظر إلى هذه التحديات وغيرها، فإن الاستيلاء على جزيرةخارك سيكون عملية محفوفة بالمخاطر، تتطلب مشاركة أعدادكبيرة من القوات الأمريكية، وقد تؤدي إلى خسائر فادحة، بحسب"FDD"، فإذا كان تنفيذ مثل هذه العملية سيحقق نصراً حاسماًيقصر أمد الحرب ويؤمّن الأهداف الاستراتيجية الأمريكية، فربمايمكن القول إنها تستحق المخاطرة، ومع ذلك، حتى لو نجحالاستيلاء على الجزيرة، فمن المرجح أن تكون النتيجة عكسية.
واختُتم التقرير بالقول، إنه غالباً ما يجد القادة السياسيون فيزمن الحرب أنفسهم يبحثون عن "معركة حاسمة" تحقق نصراًسريعاً وقاطعاً، ولا شك أن من المغري تصور هدف واحد أو عمليةواحدة تُخضع العدو، خاصةً عندما يبدو البديل حرب استنزافطويلة الأمد بلا نهاية، ومع ذلك، لا تُبشّر جزيرة خارك بقرار سريعولا بنصر، فبينما قد ينظر البعض إلى الاستيلاء عليها كورقةضغط لتحقيق هدف سياسي لم يحدد بعد، إلا أنها ستكون عمليةمحفوفة بالمخاطر، يُرجّح أن تُكلّف مبالغ طائلة مقابل فائدة ضئيلة. من المرجّح أن تصبح خارك عبئًا أكثر منها رصيداً، وستقرب إدارةترامب من حرب الاستنزاف التي تسعى جاهدةً لتجنبها.
خيارات صعبة
في تقرير نشرته وكالة رويترز يوم 28 مارس 2026 تم الكشف عنحجم المأزق الذي توجد فيه واشنطن، ولكنه في نفس الوقت تمسكبوهم قدرة واشنطن على تحقيق أهدافها كما حاول تبريرتصريحات ترامب المتناقضة والبهلوانية على أنها اسلوب للمناورةوفيما يلي هذا التقرير:
مع ارتفاع أسعار الطاقة العالمية وتراجع معدلات تأييده، يواجهالرئيس الأمريكي دونالد ترامب خيارات صعبة بعد شهر منذ شنالحرب ضد إيران، فإما إبرام اتفاق قد يكون معيبا والانسحاب، أوالتصعيد العسكري والمخاطرة بخوض صراع طويل الأمد قديستنزف فترة رئاسته.
وعلى الرغم من جهود دبلوماسية نشطة، ينهي ترامب أسبوعا آخرمن الحملة الأمريكية الإسرائيلية المشتركة محاولا بصعوبة احتواءأزمة الشرق الأوسط المتفاقمة، في الوقت الذي تواصل فيه إيرانالصامدة عرقلة شحنات النفط والغاز من الخليج وشن هجماتبالصواريخ والطائرات المسيرة على دول في أنحاء المنطقة.
ويقول المحللون إن السؤال الأساسي الآن هو ما إذا كان ترامبمستعدا لتهدئة أو تصعيد ما وصفه المنتقدون بحرب اختيارية،وهي صراع أحدث أسوأ صدمة في إمدادات الطاقة العالمية علىالإطلاق وتوسع نطاقه ليتجاوز حدود المنطقة.
وقال مسؤول كبير في البيت الأبيض إن ترامب أبلغ مساعديهبرغبته في تجنب "حرب أبدية" وإيجاد مخرج عبر التفاوض،وحثهم على التأكيد على أن مدة الأعمال القتالية التي حددها فيتصريحاته تتراوح بين أربعة وستة أسابيع، لكن المسؤول أشارإلى أن هذا الجدول الزمني يبدو "هشا".
في الوقت نفسه، يهدد ترامب بتصعيد عسكري كبير إذا فشلتالمحادثات.
يبدو أن مبادرات ترامب الدبلوماسية تجاه إيران، بما في ذلكاقتراح السلام المكون من 15 نقطة الذي أرسله عبر باكستان،تُظهر أنه يبحث عن مخرج بشكل ملح. لكن لم يتضح بعد ما إذاكانت هناك حاليا احتمالات واقعية لإجراء مفاوضات تفضي إلىنتائج إيجابية.
قال جوناثان بانيكوف النائب السابق لمسؤول المخابرات الوطنيةالأمريكية لشؤون الشرق الأوسط "الخيارات المتاحة للرئيسترامب من جميع النواحي لإنهاء الحرب ضعيفة... جزء من التحديهو عدم الوضوح فيما يتعلق بطبيعة النتيجة المرضية".
وأكد مسؤول في البيت الأبيض أن الحملة ضد إيران "ستنتهيعندما يقرر القائد الأعلى أن أهدافنا قد تحققت"، قائلا إن ترامبحدد أهدافا واضحة.
* تحديات لاحتواء اتساع الحرب
في محاولة واضحة للتحوط، ينشر ترامب آلاف الجنود الأمريكيينالإضافيين في المنطقة ويتوعد إيران بهجوم مكثف، قد يشملاستخدام القوات البرية، إذا لم تستجب لمطالبه.
ويقول المحللون إن استعراض القوة هذا قد يهدف إلى بث الرهبةوممارسة نفوذ للحصول على تنازلات من طهران لكنه يخاطربانزلاق الولايات المتحدة في صراع أطول أمدا. ومن المرجح أنيثير أي التزام بإرسال قوات برية إلى الأراضي الإيرانية غضبكثير من الناخبين الأمريكيين.
ويقول الخبراء إن السيناريو المحتمل الآخر هو أن تشن الولاياتالمتحدة هجوما جويا كبيرا للمرة الأخيرة في إطار "عملية ملحمةالغضب" لتقويض القدرات العسكرية وتدمير المواقع النوويةالإيرانية بشكل أكبر، وبعد ذلك يعلن ترامب النصر وينسحبليقول إن أهدافه الحربية قد تحققت.
لكن هذا سيبدو كالحديث الأجوف ما لم تتم إعادة فتح مضيقهرمز الحيوي بالكامل، وهو ما ترفض إيران السماح به حتى الآن. وعبر ترامب عن إحباطه من رفض الحلفاء الأوروبيين إرسال سفنحربية للمساعدة في تأمين الممر المائي.
ويبدو أن ترامب، الذي تعهد كثيرا بإبقاء الولايات المتحدة بعيدة عنالنزاعات الخارجية، يجد صعوبة في احتواء الحرب التي بدأهامع إسرائيل ويتسع نطاقها.
ويقول المسؤول الكبير في البيت الأبيض، الذي طلب عدم الكشفعن هويته لمناقشة المداولات الداخلية، إن ترامب يواصل الحديثعن تقييمات تشير إلى النصر، لكنه يوجه رسائله بشكل متزايدلطمأنة الأسواق المالية المتوترة وحث كبار مساعديه على التأكيدعلى أن الحرب ستنتهي قريبا.
إلا أن الافتقار إلى استراتيجية خروج واضحة ينطوي علىمخاطر تهدد إرث ترامب الرئاسي وفرص الحزب الجمهوري الذييسعى جاهدا للاحتفاظ بأغلبيته الضئيلة في الكونجرس فيانتخابات التجديد النصفي في نوفمبر.
وكان أكبر خطأ في تقديرات ترامب هو المدى الذي قد تبلغهطهران للرد على استهدافها. فقد استخدمت ما لديها من صواريخوطائرات مسيرة لضرب إسرائيل ودول الخليج المجاورة وإغلاقمضيق هرمز، الذي يمر عبره خُمس إمدادات النفط العالمية، مماتسبب في أزمة هائلة للاقتصاد العالمي.
وذكر جون ألترمان من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية فيواشنطن "تراهن الحكومة الإيرانية على قدرتها على تحمل المزيدمن الضربات لفترة أطول مقارنة مع أعدائها، وقد تكون على حق".
وصرح مسؤول في البيت الأبيض، الذي طلب عدم الكشف عنهويته، إن ترامب وأعضاء فريقه "متأهبون جيدا" للرد على إيرانفي المضيق، وهم واثقون من إعادة فتحه قريبا.
ومع ذلك، جاءت أوضح علامة على قلق ترامب المتزايد بشأنالحرب يوم الاثنين الماضي مع تراجعه المثير للدهشة عن تهديدهبتدمير شبكة الكهرباء الإيرانية إذا لم تسمح طهران باستئنافالشحن عبر المضيق.
وفي خطوة فسرها كثيرون على أنها تهدف إلى تهدئة الأسواق،أعلن عن مهلة خمسة أيام قبل تنفيذ تهديده لمنح الفرصة للجهودالدبلوماسية. ويوم الخميس، مدد المهلة 10 أيام أخرى.
في الوقت نفسه، تتزايد الضغوط في الداخل إذ تظهراستطلاعات الرأي أن الحرب لا تحظى بتأييد كبير لدىالأمريكيين. وفي حين أن أنصار حركته "لنجعل أمريكا عظيمةمجددا" أيدوه في معظم قراراته فإن تأثيره على قاعدته السياسيةقد يضعف إذا استمرت التداعيات الاقتصادية، بما في ذلكارتفاع أسعار الوقود.
ووفقا لاستطلاع لرويترز/إبسوس صدر يوم الاثنين، تراجعت نسبةالتأييد الإجمالية لترامب إلى 36 بالمئة، وهي الأدنى منذ عودتهإلى البيت الأبيض.
وذكر مسؤول كبير سابق في إدارة ترامب لرويترز أن القلقيتنامى في البيت الأبيض إزاء التداعيات السياسية للحرب مشيراإلى المخاوف التي عبر عنها المشرعون الجمهوريون بشأنانتخابات التجديد النصفي.
وفي مؤشر على تزايد قلق الجمهوريين، انتقد النائب مايك روجرزرئيس لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب الإدارة الأمريكية يومالخميس لعدم تقديمها معلومات كافية عن نطاق الحملة ضدإيران.
وردا على ذلك، قال المسؤول في البيت الأبيض إن مساعدي ترامبأطلعوا الكونجرس على الوضع مرات عديدة قبل الحرب وأثناءها.
* جهود دبلوماسية متوترة
لكن في الوقت الحالي، لا يقدم المسار الدبلوماسي أي حلولسهلة.
تشبه الخطة المكونة من 15 نقطة التي طرحها ترامب ما رفضتهإيران في الغالب خلال المفاوضات التي سبقت الحرب، وتشملبعض العناصر التي سيكون من الصعب تنفيذها. وتتراوحالمطالب ما بين تفكيك برنامج إيران النووي والحد من ترسانتهاالصاروخية إلى التخلي عن الجماعات المتحالفة معها والتسليمالفعلي للسيطرة على المضيق.
ووصفت إيران المقترح الأمريكي بأنه غير عادل وغير واقعي، لكنهالم تستبعد إجراء مزيد من الاتصالات غير المباشرة.
وبينما أصر ترامب يوم الخميس على أن إيران "تتوسل" للتوصلإلى اتفاق، يقول محللون إن حكام البلاد ليسوا في عجلة منأمرهم على ما يبدو للتفاوض على إنهاء الصراع، لأنهم يعتقدونأنهم سيكونون في وضع يسمح لهم بإعلان النصر بمجرد النجاةوالبقاء على قيد الحياة.
ويقول المحللون إن ما يعقد أي جهود دبلوماسية هو استبدالبعض القادة الذين قتلوا في غارات جوية أمريكية إسرائيليةبمجموعة من غلاة المحافظين أكثر تشددا. وأوضح الحكام عدمثقتهم في ترامب، الذي شن غارات جوية مرتين خلال العامالماضي بينما كان الطرفان لا يزالان يتفاوضان.
وقال مسؤول في البيت الأبيض "الرئيس مستعد للإنصات، لكنإذا لم يقبلوا واقع اللحظة الراهنة، فسوف يتعرضون لضرباتأقوى من أي وقت مضى".
وفي الوقت نفسه، أبدى المسؤولون الإسرائيليون قلقهم من أنيقدم ترامب تنازلات قد تقيد أيديهم في شن المزيد من الهجماتعلى إيران.
ويمكن أن يشعر حلفاء واشنطن في الخليج بالإستياء أيضا منخروج أمريكي متسرع، نظرا لأنهم قد يتركون في مواجهة جارمتضرر ومعاد.
إشارات متناقضة
إذا كان ترامب مستعدا بالفعل لنشر قوات برية، فيمكنه السيطرةعلى جزيرة خارك، مركز النفط الإيراني، أو جزر استراتيجيةأخرى أو إطلاق عمليات على سواحلها أو إرسال قوات خاصة فيمحاولة معقدة للاستيلاء على مخزونها من اليورانيوم عاليالتخصيب الذي يعتقد أنه مدفون في الغالب تحت الأرض جراءالقصف الأمريكي الإسرائيلي في يونيو 2025.
وقد تتفاقم مثل هذه التحركات إلى صراع أوسع نطاقا يثيرذكريات الحربين طويلتي الأمد في العراق وأفغانستان التي وعدترامب بأن الولايات المتحدة لن تنجر إليها أبدا خلال فترة رئاسته. ويمكن أن تؤدي أيضا إلى زيادة القتلى والجرحى الأمريكيينوتثير المزيد من التساؤلات حول أهداف المهمة الأمريكية.
وقال مسؤول خليجي كبير طلب العدم الكشف عن هويته إنالحلفاء الخليجيين حذروا الإدارة الأمريكية من إرسال قوات بريةإلى إيران، قائلين إن ذلك قد يؤدي إلى رد طهران بمزيد منالضربات، ربما ضد البنية التحتية للطاقة وأهداف مدنية لديهم.
وافاد المسؤول في البيت الأبيض إن ترامب أوضح "أنه لا يخططلإرسال قوات برية إلى أي مكان في الوقت الحالي"، لكنه أضافأنه يبقي دائما جميع الخيارات مطروحة على الطاولة.
وفي الوقت الحالي، يبقي ترامب العالم في حالة ترقب، إذ يصدرفي لحظة تصريحات تهدف إلى تهدئة الأسواق المتقلبة، وفياللحظة التالية يطلق تهديدات تؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة.
وقالت لورا بلومنفلد من كلية جونز هوبكنز للدراسات الدوليةالمتقدمة في واشنطن "يرسل ترامب إشارات متناقضة.. إنه آلةإعلامية منفردة تعمل بنظام 'ضبابية الحرب' لإبقاء خصومه فيحالة من عدم التوازن".
عمر نجيب









