تقلص دور الدولار الأمريكي في تثبيت النظام العالمي الأحادي القطب... تضاعف غير مسبوق للأخطار التي تحيط بالورقة الخضراء

أربعاء, 2023-05-10 02:49

منذ صيف سنة 1971 أصبحت تطرح أكثر من أي وقت سابق أسئلة وبشكل متكرر خاصة في فترات وقوع أزمات ذات بعد دولي سواء اقتصادية أو سياسية أو عسكرية أو صحية، حول قدرة العملة الأمريكية الدولار على البقاء على قمة هرم أدوات المبادلات التجارية والتعاملات المصرفية ووسائل التحوط وتكوين الاحتياطات المالية لدى مختلف البنوك والأفراد وغيرهم في العالم. فالولايات المتحدة وبعد انتصارها في الحرب العالمية الثانية سنة 1945 فرضت على العالم تدريجيا عملتها كوحدة مالية أساسية ولكن مضمونة بالذهب. حيث كانت تسعر سلع وخدمات الدول الأخرى بالدولار المثمن بالذهب، وهذه الدول بدورها كانت تستخدم العملة الأمريكية في تعاملاتها المختلفة.

خلال شهر أغسطس 1971 استفحلت الأزمة الاقتصادية في الولايات المتحدة حيث بلغ معدل البطالة 6.1 في المئة، ووصل معدل التضخم المالي إلى 5.84 في المئة. أحد أسباب هذه الوضعية كانت الحرب الأمريكية ضد الفيتنام والتي كانت قد دخلت سنتها السادسة.

في محاولة لمواجهة الأزمة تشاور الرئيس نيكسون مع رئيس الاحتياطي الفيدرالي آرثر بيرنز، ووزير الخزانة جون كونالي، وبعد ذلك مع وكيل الوزارة للشؤون النقد الدولي ورئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي في المستقبل بول فولكر.

بعد ظهر يوم الجمعة الموافق 13 أغسطس 1971، التقى هؤلاء المسؤولين جنبا إلى جنب مع اثني عشر آخرين مستشارين رفيعي المستوى في البيت الأبيض ووزير الخزانة مع نيكسون في كامب ديفيد. كان هناك نقاش كبير حول ما ينبغي القيام به، ولكن في النهاية قام الرئيس نيكسون بالاعتماد على هذه المشورات خاصةً من وزير الخزانة كونالي، حيث قرر كسر نظام بريتون وودز من خلال تعليقه قابلية تحويل الدولار إلى ذهب، وتجميد الأجور والأسعار لمدة 90 يوما لمكافحة الآثار التضخمية المحتملة، وفرض رسوم استيراد 10 في المئة.

هكذا وجدت دول العالم التي لديها دولارات، أن تلك الأوراق الخضراء فقدت قيمتها المعروفة منذ سنة 1945، وغدت واشنطن محركها الحقيقي فيما سمي بصدمة نيكسون.

الاقتصادي پول كروكمان الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد 2008: لخص فترة ما بعد صدمة نيكسون كالتالي:

لا يخصص النظام النقدي العالمي الحالي أي دور للذهب، في الواقع، فإن الاحتياطي الفدرالي غير ملزم بربط الدولار بأي شيء. يمكنه طباعة كميات كثيرة أو قليلة تبعا لما يراه مناسبا.

وبحلول عام 1973 تم استبدال نظام بريتون وودز بحكم الأمر الواقع إلى نظام تعويم العملات الورقية الذي لا يزال العمل به قائما حتى الآن.

التساؤلات حول هيمنة الورقة الخضراء احتدت بموازاة مع استخدام الإدارة الأمريكية وبجانبها بعض الحلفاء الغربيين، للدولار الأمريكي والنظام المصرفي العالمي المهيمن عليه غربيا كسلاح لمواجهة والسعي إلى تدمير خصوم الغرب. وإلى جانب ذلك كانت هناك انتقادات ومعارضات حتى داخل التكتل الغربي تجاه استخدام واشنطن بأنانية لهيمنة عملتها لصالح اقتصادها وسياستها حتى عندما يسبب ذلك ضررا لحلفائها وشركائها التجاريين، وقد وصف كثيرون هذه الوضعية بدكتاتورية الورقة الخضراء.

في الكثير من الدول التي تصنف بالعالم الثالث أو الدول النامية، وصف الاقتصاديون استغلال واشنطن لهيمنة الدولار وتراجعها عن الاتفاقيات التي كانت تحكم قابلية تحويله من طرف مالكيه إلى ذهب بأكبر عملية سرقة في التاريخ. 

تعززت منذ اندلاع الحرب الروسية في وسط شرق أوروبا في 24 فبراير 2023 وما رافقها من مواجهات اقتصادية وعقوبات غربية على موسكو والمتعاملين معها، دينامكية الجهود للتخلي عن العملة الأمريكية واستبدلاها بعملة أو مجموعة من العملات في المعاملات الدولية مما ينزع من يد واشنطن ذلك السلاح الذي تفرض به إرادتها على الآخرين.

التقديرات بشأن نجاح هذه الجهود للخروج من فخ الدولار متفاوتة، بعضها يتوقع نجاحها خلال سنوات قليلة خاصة بعد أصبح الاقتصاد الصيني على أبواب التفوق على نظيره الأمريكي، بينما يرى آخرون أن الأمر ليس بالسهولة التي يبشر بها البعض، وأنه يجب الانتظار لسنوت طوال. بعض الأوساط الأمريكية تحذر من الأخطار التي تهدد الورقة الخضراء..ولكن.

إن انهيار الدولار يمكن "حسابيا" أن يحدث حين تنخفض قيمة الدولار الأمريكي إلى مستويات متدنية للغاية، لكن يجب أن يتوافر شرطان قبل أن ينهار الدولار، يجب أن يكون هناك ضعف أساسي في قيمة الدولار الأمريكي من حيث قابليته في التعاملات، ويجب أن يكون هناك بديل قابل للتطبيق. بعبارة أخرى، يجب أن يكون هناك سبب لفرار الناس من الدولار، ويجب أن يكون هناك مكان يذهبون إليه.

وإلا سيظل الدولار هو العملة العالمية، إذ تتطلب غالبية العقود الدولية حتى الأن دفعا بالدولار.

تضخم الدين الحكومي الأمريكي إلى نسب تفوق الناتج المحلي الإجمالي بمراحل واحتمالية تخلف واشنطن عن سداد ديونها، واتساع عمليات إفلاس البنوك الأمريكية وإنهيار أسهم شركات رئيسية في بورصة نيويورك وإقدام السعودية منفردة أو مع دول أخرى منتجة للنفط على تسعير منتوجها بعملة غير الدولار وإتباع الاحتياطي الفيدرالي لسياسات التيسير الكمي على نحو يمكن أن يؤدي إلى حدوث تضخم يطيح بالقوة الشرائية لاحتياطيات العالم من الدولار، يمكن أن تولد هذا الانهيار السريع.

 

أكبر إرهاب مالي

 

انتقد عدي كوتاك، أغنى مصرفي في آسيا والرئيس التنفيذي لبنك كوتاك ماهيندرا، أحد أكبر البنوك الهندية، عملة الدولار، ووصف العملة الأمريكية بأنها "أكبر إرهاب مالي في العالم".

وصرح كوتاك خلال حدث محلي في نيودلهي، "أعتقد بصدق أن أكبر إرهاب مالي في العالم هو الدولار الأمريكي جميع أموالنا في الحسابات المصرفية ويمكن لأي شخص في الولايات المتحدة أن يقول إنه لن يكون بمقدورك سحب أموالك من صباح الغد.

وشدد كوتاك على أن العالم الآن "يبحث بشدة عن عملة احتياطية بديلة"، مشيرا إلى أن الوقت قد حان بالنسبة للهند لجعل الروبية مثل هذه العملة الاحتياطية.

وتابع قائلا: "لا أعتقد أن أوروبا تستطيع صنع عملتها الاحتياطية لأنها جمعية للدول الأوروبية ولا أعتقد أن بريطانيا أو اليابان ستكون لديهما الشجاعة لاتخاذ هذا الموقف، على الرغم من أن الجنيه البريطاني والين كلاهما عملات حرة".

ولفت إلى أن: "أعتقد أن الصين لديها مشكلة ثقة خطيرة مع العديد من الدول في جميع أنحاء العالم".

وأشار رئيس البنك إلى أنه من أجل إنشاء عملة احتياط عالمية، يجب على الهند أن تقطع شوطا طويلا وأن تبني مؤسسات قوية. كما يجب أن تخلق هيكلا لا يعتمد على أهواء أي شخص ويجب أن تكون الآليات موثوقة. 

 

الدولار لايزال سيدا.. ولكن

 

جاء في تقرير نشر في العاصمة الأمريكية واشنطن يوم 30 أبريل 2023:

استمرت هيمنة الدولار الأمريكي لعقود على المعاملات التجارية وشبكات التمويل واحتياطات البنوك المركزية حول العالم، إلا أن بعض الدول بدأت تجد طرقا للتهرب منه باستخدام عملات أخرى، ومع ذلك، من المتوقع أن يظل في الفترة المقبلة العملة المهيمنة في العالم رغم تلك المحاولات، وفق مجلة إيكونوميست.

وتشير بيانات نشرتها دراسة لصندوق النقد الدولي إلى أن الدولار يهيمن "على النظام المالي العالمي والتجارة العالمية"، فيما يرجح استمرار احتفاظه بـ"الهيمنة كعملة للاحتياطي" الأجنبي في الدول المختلفة حول العالم.

ولم تؤثر التحولات الهيكلية التي شهدها "النظام النقدي الدولي" طيلة العقود الماضية على "هيمنة الدولار الأمريكي"، فيما تشير وزارة الخزانة الأمريكية إلى أن حصة الدولار من "الاحتياطيات لا تزال نفسها منذ ثلاثة عقود.. وبقيت أعلى من 50 في المئة" من مجمل الاحتياطيات الأجنبية حول العالم.

ومع ذلك، فإن معدلات التضخم المرتفعة، والتوترات السياسية، والعقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة وحلفاؤها على دول مثل روسيا وإيران وسوريا وفنزويلا وغيرهم تسببت، مؤخرا، في زيادة أصوات المتشككين في الدولار مرة أخرى، وفق المجلة.

وتقول إنه فضلا عن الدعوات المتزايدة لتنفيذ معاملات تجارية بعملات غير الدولار، أثار ارتفاع أسعار الذهب وانخفاض حصة الدولار في الاحتياطيات العالمية أصوات متشككين آخرين، قد يشيرون إلى مقولة وزيرة الخزانة الأمريكية، جانيت يلين، التي قالت إن استخدام العقوبات بمرور الوقت "يمكن أن يقوض الهيمنة".

ومع ذلك، فإن تشكيكات هؤلاء "منفصلة عن الواقع" لأن العملة الأمريكية لا تزال قوة جذب قوية في الاقتصاد العالمي ولم تضعف حتى لو ظهرت عقبات حقيقية أمام تفوقها، فنحو ثلث إلى نصف الفواتير التي يتم تحريرها لمبادلات التجارة العالمية تتم بالدولار، وهي نسبة ظلت مستقرة نسبيا.

كما أن نحو 90 في المئة من معاملات الصرف الأجنبي تتم بالدولار، وحوالي نصف الديون عبر الحدود مقومة بالدولار.

 

رد الفعل العكسي

 

رغم أن حصة الدولار من احتياطيات البنوك المركزية قد انخفضت، فهي لا تزال تمثل حوالي 60 في المئة منها.

ولا توجد أي علامة على حدوث تغيير جذري في الآونة الأخيرة، باستثناء أن البنوك المركزية أعادت تقييم محافظها المالية لمراعاة تحركات أسعار الصرف وأسعار الفائدة المرتفعة في الولايات المتحدة.

ولا توجد عملة أخرى تتمتع بجاذبية هذه العملة من ناحية توفير أصول آمنة للمستثمرين، فمنطقة اليورو هشة، ولا يمكن للصين أن تلبي الطلب العالمي على الأصول الآمنة طالما أنها تسيطر بشدة على تدفقات رأس المال وتدير فوائض الحساب الجاري.

والدولار، بصفته العملة المهيمنة، يستفيد من فكرة أن الناس يريدون التعامل بالعملات التي يستخدمها الجميع.

ومع ذلك، تقول إيكونوميست إنه رغم أن الدولار "لايزال ملكا"، إلا أن أولئك الذين يريدون التهرب منه يجدون طرقا للقيام بذلك، مثل روسيا التي رغم تضررها من العقوبات، لم يتعرض اقتصادها للشلل، ويرجع ذلك جزئيا إلى أن 16 في المئة من صادراتها تدفع الآن باليوان وجء آخر بعملات مختلفة.

وفي الصين، ينمو نظام بديل لنظام "سوفيت"، وهناك تحول سريع لزيادة المعاملات التجارية باليوان.

ويمكن لتقنيات المدفوعات الرقمية الجديدة، والعملات الرقمية للبنوك المركزية، أن تجعل من السهل حتى الآن نقل الأموال حول العالم دون تدخل أمريكي.

ولم تفرض واشنطن عقوبات على دول مثل الهند التي لا تزال تقيم معاملات تجارية واسعة مع روسيا رغم العقوبات، لأنها تخشى رد الفعل العكسي الذي قد ينتج عن ذلك. 

وعلى الرغم من أن التحول إلى نظام متعدد الأقطاب للعملات ليس وشيكا، فإنه قد يحدث في وقت لاحق من هذا القرن، إذا انخفضت نسبة حصة الولايات المتحدة في الاقتصاد العالمي. 

لكن مثل هذا النظام "سيكون أقل استقرارا من نظام يتمحور حول الدولار، لذلك لن يكون من مصلحة الولايات المتحدة، ولا العالم، تسريع هذا التحول.

 

الأخطار 

 

يواجه الدولار ضغوطا عدة خاصة بعد جعله سلاحا، يفيد تحليل لشبكة "سي أن أن" الأمريكية أن حوالي 60 في المئة من احتياطيات العملات العالمية، البالغة 12.8 تريليون دولار، محتفظ بها حاليا بالدولار، مما يمنح الولايات المتحدة امتيازا كبيرا على أي بلد آخر، خاصة أن ديون الحكومة الأمريكية، بعملتها الخاصة، لذلك إذا فقد الدولار قيمته، فإن الدين أيضا سيقل، كما أنه يمكن للشركات الأمريكية إجراء معاملات دولية بالدولار دون الحاجة إلى دفع رسوم تحويل.

وفي بعض الظروف، قد تلجأ الولايات المتحدة إلى منع وصول الدولار إلى بعض البنوك المركزية في أي بلد في العالم، مما يؤدي إلى عزل واستنزاف اقتصادياتها، ما يجعله "سلاحا اقتصاديا للدمار الشامل".

عندما يستخدم سلاح دمار شامل، ولو كان اقتصاديا، يصاب البعض بالفزع، فيلجأون إلى حماية أنفسهم، فتنوع البلدان استثماراتها بعيدا عن الدولار الأمريكي إلى عملات أخرى.

ووجدت ورقة بحثية جديدة، أعدها صندوق النقد الدولي، أن حصة الدولار من الاحتياطيات الدولية استمرت في انخفاض على مدى العقدين الماضيين. وبدأ ذلك في الوقت الذي بدأت فيه الولايات المتحدة حربها على الإرهاب وعقوباتها المتصلة بمكافحة الإرهاب. 

ومنذ ذلك الحين، تحول بعض احتياطيات الدولار إلى اليوان الصيني وإلى عملات بلدان أصغر. 

ويحذر المشاركون في الورقة البحثية من أن هذه الملاحظات قد تعطينا لمحة عما يمكن أن يتطور إليه النظام الدولي في المستقبل. 

ومع تقلص قيادة الولايات المتحدة للاقتصاد العالمي، تأمل روسيا والصين أيضا في توجيه تطور النظام الدولي. في غضون ذلك، أشارت تقارير إلى أن المملكة العربية السعودية تجري محادثات مع بكين لقبول مبيعات النفط الصينية باليوان بدلا من الدولار.

ورغم أنه لا يوجد أي شيء مستحيل، كما علمتنا السنتين الماضيتين في ظل وباء كورونا، فإن احتمال خسارة الولايات المتحدة لامتياز قيادة الدولار، أمر مستبعد للغاية، بحسب "سي أن أن". 

يعزو تحليل الشبكة سبب ذلك إلى أن البدائل ليست رائعة. 

فقد كانت الصين تضغط على اليوان منذ سنوات. ولا تتم معاملات عالمية بهذه العملة إلا بنحو ثلاثة في المئة فقط، مقابل 40 في المئة بالدولار. 

كما لا تزال الولايات المتحدة أيضا جذابة استثماريا إلى حد ما لبقية العالم. 

فعلى سبيل المثال، فإن سوق الأسهم الأمريكية هو أكبر سوق للأوراق المالية وأكثرها سيولة في العالم، كما يتدفق رأس المال الأجنبي إلى البلاد. فبينما نمت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في العالم بنسبة 77 في المئة إلى ما يقدر بـ 1.65 تريليون دولار في عام 2021، ارتفع الاستثمار في الولايات المتحدة بنسبة 114 في المئة إلى 323 مليار دولار، وفقا لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية.

لكن الشبكة، بناء على رأي المحللين، تقول إن الربع الثاني من عام 2023 قد يكون مضطربا، مع استمرار الحرب في أوكرانيا، وارتفاع معدلات التضخم، وتسريع خطة الاحتياطي الفيدرالي لزيادة أسعار الفائدة، مما يخلق سلسلة من التحديات الفريدة للمستثمرين.

وخلال الربع الأول من عام 2023، سجلت مؤشرات الأسهم الرئيسية أسوأ أداء لها منذ عامين.

وبينما يتطلع البعض إلى الاستثمار في أسواق الطاقة والسلع والمنتجات الخام بسبب تأثير الحرب على أوكرانيا، فإن البعض يفضل عدم الرهان على النفط والطاقة لأن أسعارها متقلبة.

ويرى آخرون أنه ربما حان الوقت للنظر إلى الأصول الحقيقية على أنها وسيلة للتحوط من التضخم، وهذا يعني الاستثمار في السلع والعقارات والأراضي والمعدات والموارد الطبيعية والابتعاد عن الورقة الخضراء.

عدوى التخلي عن الدولار كعملة رئيسية في التبادلات التجارية، تسارعت منذ بدء الحرب الروسية الأوكرانية، وبلغت ذروتها نهاية شهر أبريل 2023 بعد إعلان الصين ثاني اقتصاد في العالم والبرازيل، أول اقتصاد في أمريكا اللاتينية التعامل بعملتيهما المحليتين فقط، ما يعني أن الدولار الأمريكي قد تلقى ضربة موجعة.

 

ديون من كل أنحاء العالم

 

تستدين الحكومة الأمريكية لتغطية فجوة حجم نفقاتها الذي يزيد عن حجم إيراداتها السنوية، وبدأت الحكومة الأمريكية في الاستدانة المنتظمة قبل أكثر من 100 عام، وتحديدا عام 1917 إثر دخولها الحرب العالمية الأولى بهدف تهدئة الصقور الماليين والانعزاليين الذين إما عارضوا دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الأولى. وإما لم يرغبوا في اقتراض الكثير لدفع ثمنها. وتصاعدت عمليات الاستدانة بسبب التدخلات العسكرية الأمريكية، فمثلا يقدر أن واشنطن أنفقت على حربيها ضد العراق وأفغانستان ما يزيد على 6 تريليونات دولار.

بلغ إجمالي الدين الوطني للولايات المتحدة حوالي 31.4 تريليون دولار حتى بداية سنة 2023، وهو الحد الأقصى الذي يمكن للحكومة الأمريكية استدانته حتى يقرر الكونغرس زيادته من جديد، وهذه هي الأموال التي تدين بها الحكومة الأمريكية للدول والبنوك والمؤسسات ولأشخاص الذين اشتروا سنداتها وأدوات الدين الأخرى، الحكومات الأجنبية والعديد من صناديق التقاعد احتفظوا بالمزيد منها في السنوات الأخيرة، وبلغت قيمتها 7.5 تريليونات دولار، وللصين واليابان وبريطانيا حصة الأسد من هذه الديون.

وهناك نحو 8.5 تريليونات دولار من هذا الدين هو ما يسمى "الحيازات الحكومية الداخلية"، وهذا يشمل الصناديق الحكومية مثل الضمان الاجتماعي وصناديق التقاعد الحكومية المختلفة، وهذه الصناديق تشتري الديون الأمريكية لفوائدها العالية وهو ما يعني أنها تقرض الأموال لبقية الحكومة.

لا يمكن للحكومة الأمريكية تخطي مستوى سقف الدين الذي حدده الكونغرس، ورفع السقف آخر مرة بمقدار 2.5 تريليون دولار في ديسمبر2021 ليصل إلى ما 31.4 تريليون دولار.

إذا كان السبب الأساسي وراء الوصول إلى سقف 31.4 تريليون دولار بتلك السرعة ضخامة الإنفاق الحكومة والذي بلغ 6.27 تريليون دولار. فإن السبب الآخر والأهم فهو ارتفاع تكلفة الدين العام الأمريكي، إذ تسببت سياسات الفيدرالي الأمريكي المتسارعة في رفع أسعار الفائدة بحوالي 4.2 في المئة حتى نهاية عام 2022 -في محاولة منه لاحتواء التضخم- وجذب الأموال من الخارج في رفع تكلفة خدمة الدين الأمريكي بشكل متسارع.

وأعلنت وزارة الخزانة في ديسمبر 2022 أن تكلفة خدمة الدين العام خلال شهري أكتوبر ونوفمبر فقط بلغت 103 مليارات دولار أمريكي، وهو ما يزيد على تكلفة خدمة الدين لنفس الشهرين في العام 2021 بنسبة 87 في المئة. وعليه ولسداد تلك الفوائد المرتفعة، استدانت الحكومة من السوق، وهو ما دفع الدين العام إلى الارتفاع بشكل متسارع ليصل إلى السقف قبل موعده المحدد.

ومن الناحية القانونية، يحق للحكومة الفدرالية اقتراض الأموال عند هذا المستوى، طالما أنها لا تتجاوز سقف الديون الذي حدده الكونغرس، ولكن إذا وصلت إلى هذا الحد، فإن وزارة الخزانة ستعاني من نقص في المال.

على مدى العقود الماضية، تجنب الكونغرس معاكسة طلبات الحكومة لرفع حدود الدين العام، لكن الجمهوريين أصحاب الأغلبية في مجلس النواب حاليا قالوا إنهم لن يدعموا زيادة سقف الديون هذه المرة ما لم يتم تخفيض في الإنفاق الحكومي أو يتم الحصول على تنازلات أخرى.

إذا وصلت الولايات المتحدة إلى سقف ديونها ولم يرفعها الكونغرس، فسيتعين على وزارة الخزانة اتخاذ "تدابير استثنائية" لتجنب كارثة مالية لن تبقى داخل الحدود الأمريكية، وستبدأ وزارة الخزانة في نقل الأموال لتغطية النقص في التدفق النقدي، ويمكن أن تستمر هذه الإجراءات لبضعة أسابيع أو أشهر فقط. بمجرد نفاد هذه التدابير، ستواجه الحكومة الفدرالية صعوبة في سداد التزاماتها.

لم تتخلف الولايات المتحدة عن سداد مدفوعاتها من قبل، لذا فإن ما سيحدث بالضبط في تلك الحالة غير واضح، لكنه على الأغلب لن يكون جيدا. 

وحذرت وزيرة الخزانة الأمريكية، جانيت يلين مجددا، من أن التخلف عن السداد "سوف يسبب كارثة اقتصادية ومالية"، مؤكدة أنه سيتسبب في ضرر للاقتصاد الأمريكي "لا يمكن إصلاحة"، موضحة أنه سيؤثر على حياة الأمريكيين والاستقرار المالي العالمي. 

وتعتبر ديون الخزانة الأمريكية أساس تقييم الأصول الآمنة في العالم، ومعدلات فائدتها هي الأساس لتسعير المنتجات والتعاملات المالية في جميع أنحاء العالم.

وقالت يلين: "يجب أن يصوت الكونغرس لرفع أو تعليق سقف الديون. يجب أن يفعل ذلك من دون شروط ويجب ألا ينتظر حتى اللحظة الأخيرة".

داخليا يتوزع دين الحكومة الأمريكية كما يلي:

نصيب كل مواطن أمريكي من الدين العام يقترب من 94 ألف دولار.

نصيب كل عائلة أمريكية من الدين العام يقترب من 239 ألف دولار.

الدين العام يبلغ أكثر من 6 أضعاف الإيرادات الفدرالية السنوية.

يبلغ الدين العام 125 في المئة من الناتج الاقتصادي الأمريكي السنوي "جي دي بي" (GDP).

 

حافة الهاوية

 

كتب المحلل السياسي ألكسندر نازاروف خلال شهر مارس 2023 تحليلا تحت عنوان:

هل يقف الاقتصاد الأمريكي على حافة الهاوية؟. كتب فيه:

كما هو معلوم، تواصل البنوك المركزية الغربية، بقيادة الاحتياطي الفدرالي، رفع أسعار الفائدة في محاولة لكبح جماح التضخم.

إلا أن الأمور لا تسير على ما يرام، فبعد نجاح مؤقت خريف 2022، عاد التضخم من جديد، فبراير 2023، في أكبر دول أوروبا للنمو مرة أخرى، فيما توقف تراجع التضخم في الولايات المتحدة الأمريكية. وتندفع الأمور نحو ضرورة الاستمرار في رفع أسعار الفائدة الأساسية تبلغ الآن 4.75 في المئة في الولايات المتحدة. 

لقد أدى ذلك إلى زيادة سعر الفائدة على السندات الحكومية الأمريكية التي بلغت 5.16 في المئة على سندات 6 أشهر وإلى زيادة الفائدة على سندات الشركات، ما جعل هذا النوع من الإقراض غير مربح للأخيرة، وانهار حجم إصدار سندات الشركات عام 2022.

وبدلا من السندات، تحولت الأعمال التجارية الأمريكية إلى القروض المصرفية، حيث أصبح معدل الفائدة عليها الآن 2-3 مرات أقل من السندات.

ومع ذلك، فكيف يمكن للبنوك أن تقدم قروضا بخسارة؟ البنوك لا تتكبد الخسائر على الإطلاق، لأنها، وأثناء منحها القروض للشركات، بفائدة على سبيل المثال 2-3 في المئة سنويا، تحافظ على معدل الفائدة على الودائع للجمهور عند مستوى 0.35 في المئة في فبراير و0.17 في المئة في سبتمبر من عام 2022. بمعنى أن إقراض الشركات الأمريكية يتم على حساب سرقة مدخرات المواطنين الأمريكيين العاديين، الذين لا تدفع لهم البنوك أي شيء تقريبا على الودائع. وفي نفس الوقت، كان التضخم في الولايات المتحدة الأمريكية، فبراير 2023، عند مستوى 6.4 في المئة، وهي النسبة التي انخفضت بها قيمة هذه الودائع.

في عام 2020، أغرقت الحكومة الأمريكية مواطنيها بجميع أنواع المدفوعات والإعانات، وتلقى المواطنون الكثير من الأموال التي لم يتمكنوا من إنفاقها أثناء الحجر الصحي، لتذهب هذه الأموال جزئيا إلى الودائع في البنوك، وجزئيا لشراء الأسهم في سوق الأوراق المالية.

لكن هذا المورد هو الآخر يقترب من نهايته. تم إلغاء الإعانات، وبدأ الناس في زيادة الديون مرة أخرى، وبدأت المدخرات في التلاشي. كما يقوم الناس أيضا بتحويل الأموال من الودائع إلى السندات. ومنذ سبتمبر 2022، تضاعف معدل الودائع، وسرعان ما ستبدأ البنوك في تكبد الخسائر، أو سترفع سعر الفائدة للشركات.

العامل الثاني، هو أن معدل الرهن العقاري آخذ في الازدياد، وبحلول نهاية فبراير 2023 تجاوز 6.5 في المئة، وذلك من ناحية يساوي معدل التضخم. أي أنه رسميا أمر مفيد للمدينين. ومع ذلك، لا تنمو جميع الرواتب بمثل هذه المعدل، لهذا انهار سوق الرهن العقاري عام 2022، ثم بدأت قيمة العقارات هي الأخرى في الانخفاض، وهو ما يؤدي إلى انخفاض قيمة الضمان على الرهن العقاري، الأمر الذي سيدفع البنوك قريبا إلى طلب زيادة لهذه الضمانات، وهو ما لن يتمكن كثير من المدينين من القيام به. 

لكن الاحتياطي الفدرالي يواصل رفع سعر الفائدة، وهو ما يعني أن كل شيء يتجه نحو الأسوأ، أي أن الولايات المتحدة الأمريكية على أعتاب أزمة رهن عقاري كتلك التي بدأت الأزمة المالية العالمية عام 2008.

العامل الثالث، هو طباعة البنوك المركزية في الغرب، عام 2020، أثناء انهيار الاقتصاد بسبب الحجر الصحي، مبالغ مجنونة من النقود الورقية غير المغطاة، تريليونات الدولارات. ولم يتم استخدام كل هذه الأموال، حيث يقبع جزء منها في احتياطيات البنوك التجارية، وجزء آخر في حسابات وزارة الخزانة الأمريكية. إنها تلك الأموال في حسابات الخزانة التي تسمح لإدارة بايدن بدفع الفواتير على الرغم من حقيقة أن الاقتراض الجديد من قبل حكومة الولايات المتحدة قد تم تجميده بسبب أن الكونغرس لم يوافق بعد على رفع سقف الديون الوطنية.

ووفقا لعدد من التقديرات، ستكون هذه الأموال كافية فقط حتى منتصف الصيف المقبل، عندما ينتهي الوقت المخصص لاتخاذ قرار بشأن رفع سقف الديون الوطنية. ودعونا لا نفكر في السيناريو الكارثي، الذي لا يرفع فيه السقف، وتتخلف الولايات المتحدة الأمريكية عن سداد ديونها، ما سيقضي على جميع احتياطيات دول العالم الأخرى، التي تخزنها في السندات الأمريكية، ولنفترض أنه قد تم رفع سقف الديون.

 

صعوبة هزيمة التضخم

 

إن استئناف وزارة الخزانة الأمريكية لعملية الاقتراض، بعد توقف دام 6 أشهر، يعني أن مكنسة كهربائية ستقوم بشفط تلك الأموال بسرعة مضاعفة، وسوف تمتص رأس المال من السوق.

دعوني أشير في معرض حديثي فقط إلى أن الاقتراض الجديد سيكون متاحا للجميع بمعدل متزايد، وهو ما يعد بزيادة كبيرة في مدفوعات الفائدة، أي أن أزمة الميزانية وأزمة الديون في عام 2024 أو حتى في خريف عام 2023 شبه مضمونة.

وبالتالي، فإن ذلك سيعقد الظروف لجميع المقترضين، من الشركات إلى المواطنين الأمريكيين، وبالذات بالنسبة لمديني الرهن العقاري، فيما يبلغ إجمالي ديون المواطنين في الولايات المتحدة الأمريكية حوالي 17 تريليون دولار، منها حوالي 73 في المئة على الرهون العقارية. وهذا الدين موجود في الميزانية العمومية للبنوك الأمريكية، التي يمكن أن تبدأ في الانهيار في ظروف أزمة الرهن العقاري.

فعدد من البنوك بالكاد لا زالت على قيد الحياة، ومنذ عدة أشهر ينتظر الجميع إفلاس بنوك عملاقة على غرار كريديه سويس Credit Swiss ودويتشه بنك Deutsche Bank. أضف إلى ذلك انهيار سوق الأسهم المحتمل جدا في حالة حدوث تشديد حاد على الشروط المالية.

باختصار، يبدو لي أنه بحلول خريف 2023، ستهب عاصفة كاملة في الاقتصاد الأمريكي، وستتلاقى عدة أزمات في وقت ما.

ربما يحدث هذا لاحقا، فالنظام متحرك، ولا أحد يعرف التوقيت الدقيق، إلا أن ما يبدو لي أننا نشهد بالفعل سيناريو اقتراب أزمة عظمى من شأنها أن تجبر البنوك المركزية حول العالم على استئناف طباعة نقود ورقية غير مغطاة بأحجام قد تكون كافية لبدء تضخم عالمي مفرط.

 

قيمة النقود والتضخم

 

قيمة النقود معرضة، مثل أي مورد آخر، للتضخم بفعل الاستهلاك. وإذا لم يرتفع الطلب، ويصبح هذا المورد مرغوبا أكثر فأكثر، فإن قيمته تنخفض.

أوضح مثال على ذلك، أن الناس تشتري القمح في أوقات الأزمات كي تضمن أنها لن تتعرض لخطر المجاعة. وحين يتضاعف الطلب على هذه السلعة الحيوية التموينية، وتتعرض عمليات التموين لمصاعب، يحدث نقص في القمح، ويختفي من الأسواق، وترتفع قيمة ما تبقى منه. ويكون الارتفاع في سعر هذه السلعة الضرورية متناسبا مع حجم الكارثة أو الأزمة. 

بالمقابل، في أوقات السلم تتوفر البضائع بكثرة على أرفف المتاجر. تسير عملية سلسلة الإمداد من المنتج إلى المستهلك بطريقة طبيعية، وذلك لأن الناس واثقة من قدرتها على شراء أي سلع تموينية دائما بفضل الاستقرار. ويكون الطلب على القمح في صورة دقيق لصنع الخبز على سبيل المثال منخفضا، وبالتالي سعره أيضا. 

نفس الشيء يحدث في الاقتصاد. في أوقات الأزمة يسعى الأفراد والدول إلى الحصول على الأصول الضرورية، والتي يمكن التعامل بها بثقة مع وجود ضمانات بأن قيمتها لن تنخفض. يتمثل ذلك في عملات الدول المتقدمة، وهي الآن، الدولار، ثم اليورو، والين، واليوان، والجنيه الإسترليني.

تتمكن الدول صاحبة الاقتصاديات القوية من الصمود أمام الأزمات، في حين تتعرض العملات الوطنية للدول الأخرى إلى الانخفاض بشدة، ويسارع الناس والمستثمرون في الدولة التي تمر بأزمة إلى استبدال العملة الوطنية بعملة أكثر استقرارا.

أثناء الأزمات يزداد الطلب على الدولار، وإذا قامت الولايات المتحدة برفع وتيرة طباعته، فلن تنخفض قيمته بشكل كبير على الرغم من زيادة الطلب، إلا إذا.....

 

عمر نجيب

[email protected]