
استمعت إلى خطاب السيّد الرئيس الشيخ الغزواني الذي ألقاه في مفتتح مهرجان مدائن التراث، وباختصار يمكن القول إنه خطاب جيد معنى ومبنى، وإن كانت لي ملاحظات على الأداء.
كما أسلفت في مقال سابق عن الخطابة وأنها تعتمد بالأساس على الأسلوب. أقول إن أداء الخطاب على مستوى الشكل كان ممتازا وعلى مستوى الإلقاء والحضور كان مقبولا إلى حدود مرضية؛ مع تمنياتنا أن يكون أداؤه أكثر طغيانا وإلهاما في المناسبات القادمة.
تكلمت في مناسبة سابقة عن الازدحام الذي يصاحب تحرك السيّد الرئيس من كاميرات ورجال أمن وحماية وصحافة وبشمركة وغيرهم، ويشكلون طوقا حول الرئيس لا يجد متنفسا منه ولا تحركا. ويُصعِّب هذا من نقل صورة قوية ومنظمة إلى الجمهور المتلقي. الرئيس يجب أن يكون على المنصة وحده، وأن تترك له مساحة للتحرك من مكان جلوسه إلى المنبر وبدون وجود لغابة المصورين وغيرهم الذين يفسدون نقل صورة منظمة للحدث بانسيابية وتدفق ودون تشويش.
رأيت الرئيس تحرك إلى المنبر وألقى خطابه، بدون تزاحم، كما أبعدوا أيضا متطفلي الخلفية، فظهرت صورته لوحده، وهو شيء يجعل المشاهد يركز لسماع الخطاب من غير اضطراب أو قطع أفكار. وهذا في جميع الكون، ومن ينظر إلى منصات الخطابة في كل ركن من العالم، يرى أن الخطيب يقف لوحده ويلقي خطابه ثم ينزل إلى مكان جلوسه، لا حشد ولا أشخاص في الخلفية. وكل في مكانه، رجل الحماية في مكانه ومساره، وكذا أيضا المصورين في أماكنهم.
على مستوى الخطاب وأدائه، كنت أتمنى لو أن كاتب الخطاب فرّق بين الفقرات، فتم للأسف إقحام فقرتين في فقرة واحدة طويلة. كان يجب الفصل بين الدعوة إلى تطهير الموروث الثقافي من الصور النمطية الزائفة عن بعض فئات المجتمع، والوقوف في وجه النفس القبلي المتصاعد وأن الدولة متمسكة بالمواطنة ولا يترتب شيء إلا عليها. كل فقرة كما هو معروف وحدة معنى ويجب فصلها عن الأخرى، مع إبقائها موجزة وبكلمات قوية ونافذة.
هاتان الفقرتان مهمتان في الخطاب وتحملان رسائل متعددة، كان على كاتب الخطاب أن يفصلهما، وفصلهما ليس على مستوى النص فقط بل في تنبيه المشاهدين والمستمعين بإعادة توجيه صياغة المخاطبة المناسبة من جديد (أيها السادة.. أيها المواطنون...أيها الحضور..إلخ)، وكان على السيد الرئيس لكي يحملا مدلولا قويّا وفوريا أن يصاحبهما بحركة أو تفاعل.
كما أسفلت في مقال سابق عن الخطابة، على الخطيب في أثناء خطابه وليشد من انتباه الجمهور أن يصمت قبل وبعد الأفكار المهمة وأن يتفاعل بحركة ما. أفهم أن السيد الرئيس شخص في غاية الأدب ويحب الكياسة واللطف،لكن هذا لا يتعارض مع خصاله، هذا على العكس يظهر قدراته الخطابية ووقوفه أمام الجمهور بقوة وحضور وجاذبية.
وغاب عن الخطاب أي مسحة دعابة ولو خافتة. وكما تمنيت في مناسبة سابقة، ليس على السيد الرئيس أن يكبت روح الفكاهة في أي خطاب، ولكن طبعا بمقادير قليلة ومتناثرة، فذاك يزيد من الحضور وسطوته وطغيانه.
هناك في الخطاب كلمات غير مناسبة وتخرج عن الارتصاف أو الانتظام المعهود؛ فمثلا لا يمكن أن تقول في العربية (نادر النظير)، ولكن يمكنك القول (منقطع النظير)، فلكل لغة منطقها وعبقريتها وانتظام معانيها. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
—————————————-
#الخطابةُ_كالرَّسم
الكاتب الصحفي سيدأحمد أعْمَرْ محم
