
حسابات كثيرة تشكل وتؤثر وتقود الأحداث في الصراع العسكري والسياسي الدائر في أعنف صوره بين الولايات المتحدة الأمريكية وإلى جانبها إسرائيل ضد إيران منذ 28 فبراير 2026.
الرئيس الأمريكي ترامب سارع إلى إبرام مذكرة التفاهم مع إيران لأنه أكتشف متأخرا أن الحرب لا تسير لصالح واشنطن أو تل أبيب وأن التقارير التي كانت تقدم له عن مسار الحرب وتصفية قدرات طهران العسكرية وقرب سقوط النظام بسبب الغضب الشعبي لم تكن صحيحة، كما ابلغه البنتاغون أن مخزون الولايات من الصواريخ والقنابل استنزف إلى درجة خطيرة ولا يمكن تجديده بسرعة.
جزء كبير من القيادات العسكرية في البنتاغون وخبراء في إدارات أمريكية سابقة أوصلوا له رسالة أن القدرات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية المتوفرة في الفترة الحالية من منتصف سنة 2026 وبدون استخدام سلاح نووي غير قادرة على حسم الحرب لصالح واشنطن. ترامب أخذ كذلك يزداد يقينا بما قاله بعض معارضي الحرب بأنه وقع في فخ يجب الإسراع بالخروج منه لمنع طهران وحلفائها في بكين وموسكو من تحقيق مكاسب إضافية، كما انه وبإعترافه أمام قمة الدول السبع في فرنسا ما بين 15 و17 يونيو 2026، قال إن احتياطيات النفط كانت ستنفد خلال أربعة أسابيع لو لم يفتح مضيق هرمز، وأضاف كما تعلمون، هناك احتياطيات في جميع أنحاء العالم، وستنفد بالفعل، وسيأتي وقت لن تتمكنوا فيه من الحصول على النفط، وأن الوضع سيكون "فوضويا" إذا نفد النفط.
عنصر آخر يظهر ثم يغيب في عناوين الأخبار والتصريحات بشأن موازين الصراع وله تأثيره الحتمي على قرارات موجهي سياسات البيت الأبيض، ويتعلق الأمر بالمعلومات التي تؤكدها مصادر عديدة عن تمكن طهران من صنع ما بين 8 و 11 قنبلة نووية. يذكر أنه أثناء الوساطة الباكستانية بين طهران وواشنطن تداولت تقارير إعلامية عبر منصات ومنتديات تحليلية أخبارا تفيد بأن باكستان نقلت تحذيرا لواشنطن عن استعداد إيران للقيام بـ "استعراض" أو تجربة نووية حال تصعيد التوترات.
وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو فند هذه المعلومات، مؤكدافي جلسة استماع للكونغرس أنه لم يتلق أو يطلع على أي رسالة أو تحذير استخباراتي من باكستان بشأن تجربة نووية إيرانية.نفي روبيو لم يأخذه كثيرون مأخذ الجد على ضوء ما سبق من أخبار وتأكيدات رسمية تبين أنها غير صحيحة.
ملف فرض رسوم على السفن التي تعبر مضيق هرمز مشابهة لتلك التي تفرضها تركيا على السفن العابرة لمضيق البوسفور تزعج واشنطن وغيرها بشكل مخيف وترفضها غير أن مسؤولاإيرانيا كبيرا صرح لرويترز إن طهران تريد أن يسمح لها أي اتفاق سلام دائم بالمطالبة برسوم على عبور السفن لمضيق هرمز.وأضاف المسؤول أن الرسوم ستتغير تبعا لاختلاف نوع السفينة وحمولتها وظروف أخرى لم تحدد بعد، لكنه لم يتطرق إلى التفاصيل.
وقال كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية الإيراني إن طهران تعمل على صياغة بروتوكول مع سلطنة عمان لإلزام السفن بالحصول على تصاريح وتراخيص لعبور المضيق، مشيرا إلى إن هذه الخطوة تهدف إلى تيسير العبور لا فرض قيود عليه.
وقالت سلطنة عمان إنها أجرت محادثات مع إيران بشأن خيارات متاحة لضمان سلاسة عبور مضيق هرمز، لكنها لم تذكر ما إذا جرى التوصل إلى أي اتفاقات. وحاليا تحصل طهران على رسوم من السفن العابرة.
بعد التوقف
على ضوء هذه المعطيات وغيرها يجد العالم الآن وعلى الأرجح لفترة تمتد 60 يوما أنه أمام وضعية قد تتأرجح بين هدنة تتخللها عمليات عسكرية محدودة أو عملية قصف جوي وصاروخي لفترة بما بين 3 أيام إلى أسبوع بين الأطراف الثلاثة، ولكن مع استبعاد مواجهة شاملة كالتي انطلقت يوم 28 فبراير 2026.
هذه الوضعية -ولأسباب متعددة إلا إذا وقعت أحداث غير منظورة- تستبعد احتمالات العودة إلى الحرب الشاملة حتى بداية الخريف القادم.
هنا استعير ما قاله جيريمي بوين محرر الشؤون الدولية في إذاعة البي بي سي البريطانية:
اعتقد كل من ترامب ونتنياهو أن تحقيق الانتصار على إيران سيعيد تشكيل الشرق الأوسط وكان ذلك وهما.
تشهد المنطقة إعادة تشكيل بالفعل، لكن ليس بالطريقة التي توقعاها. لم تهزم جمهورية إيران الإسلامية. ويتمثّل الخطر الآن في أزمة دائمة طويلة الأمد قائمة على الاستنزاف، قد تتأرجح بين الدخول والخروج من صراع مفتوح.
أثبت النظام الإيراني أنه أشد صعوبة على الكسر مما افترض ترامب ونتنياهو. كان تقديرهما خاطئا، وفقدا السيطرة على العواقب.
تغيير الشرق الأوسط
جاء في تقرير نشرته وكالة رويترز يوم 18 يونيو 2026:
يحتفي المؤيدون بالاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران ويصفونه بأنه "صفقة القرن"، ذلك لأنه أول اتفاق يوقعه رئيسان أمريكي وإيراني منذ قيام الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979.
لكن أعداء إيران في جميع أنحاء الشرق الأوسط، من إسرائيل إلى بعض دول الخليج وفصائل في لبنان، يرونه أقرب لأن يكون «لعنة القرن»، لأنه قد يجعل طهران أكثر أمانا وشرعية وأوسع نفوذا بطبيعة الحال.
اختار ترامب توقيع الاتفاق رسميا في قصر فرساي، على هامش قمة مجموعة السبع، في ترتيب ينظر إليه على أنه يحمل دلالة رمزية على إعادة تشكيل النظام الدولي بعد الصراع.
ويمدد الاتفاق الذي يتألف من 14 بندا وقف إطلاق النار لمدة 60 يوما، بما في ذلك في لبنان، للسماح بإجراء مفاوضات حول تسوية دائمة ومعالجة قضايا مثل البرنامج النووي الإيراني.
وقال المعلق اللبناني سركيس نعوم "بالنسبة لواشنطن وطهران، هذه صفقة كبرى.. إنها صفقة القرن، التي لا رجعة فيها".
وأضاف "احتمال النجاح يفوق مخاطر الفشل. لا تستطيع إيران تحمل المزيد من المعاناة الاقتصادية في ظل العقوبات، ولا يوجد ما يدفع ترامب لبدء حرب جديدة".
* انتكاسة لإسرائيل
وصف المحلل الإسرائيلي داني سيترينوفيتش الاتفاق بأنه "كارثة" استراتيجية. فما كان يصور على أنه حملة أمريكية-إسرائيلية مشتركة لإضعاف، أو حتى لإسقاط، الجمهورية الإسلامية، قد انقلب، في رأيه، إلى اعتراف أمريكي بإيران.
وقال سيترينوفيتش، وهو باحث بارز في الشؤون الإيرانية بمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي "ذهبنا لإسقاط النظام بدعم من الولايات المتحدة، وعدنا وقد اكتسب النظام، الذي كنا نريد إسقاطه، الشرعية فعليا من واشنطن وتعززت مكانته".
وأضاف أن الاتفاق لا يلبي أيا من المطالب الأساسية لإسرائيل، فلا قيود على برنامج الصواريخ الإيراني أو "وكلاء طهران"، ولا مسار واضحا لتفكيك منشآتها النووية، بل إن حملة إسرائيل في لبنان أصبحت الآن مقيدة بإطار وقف إطلاق النار الذي فرض بإصرار من إيران.
وللاتفاقية تداعيات سياسية واستراتيجية على حد سواء، إذ أنها تهدم رواية نتنياهو بشأن إيران، وتكشف حدود نفوذه لدى رئيس أمريكي ينظر إليه على أنه حليف وثيق لإسرائيل.
يقول سيترينوفيتش إن إيران اكتسبت مساحة أكبر للمناورة، وإن الاتفاقية تهدد بترسيخ موقفها مع تعميق عزلة إسرائيل.
وأضاف بوضوح شديد "كل شيء سيء، ولن يزداد إلا سوءا".
وإذا صمد الاتفاق، ستجني إيران فيما يبدو أكبر المكاسب، بما في ذلك إنهاء الحرب، وتخفيف العقوبات تدريجيا، واستئناف صادرات النفط، واحتمال الحصول على تمويل ضخم لإعادة الإعمار، علاوة على القبول الغربي الضمني بنظامها السياسيوسيطرتها على مضيق هرمز.
على النقيض من ذلك، أخفقت واشنطن في تحقيق الأهداف التي كانت تشترك فيها مع إسرائيل، ألا وهي إسقاط المؤسسة الدينية، وتفكيك برنامج طهران النووي، والحد من نفوذها الإقليمي. وبدلا من تغيير الوضع في إيران، يعيد الاتفاق ترسيخه.
*القلق في الخليج
بالنسبة للبنان، يرجح الاتفاق كفة الميزان لصالح لبنان، مما يعزز دور "حزب الله" المدعوم من طهران ويدخل البلاد في إطار أوسع بين الولايات المتحدة وإيران، بينما يضع المحادثات بين حكومة بيروت وإسرائيل على الهامش.
ويبلغ القلق ذروته في الخليج، حيث هزت الهجمات الإيرانية الثقة في الترتيبات الأمنية القائمة منذ زمن طويل والتي تعتمد على واشنطن. وبرزت دول الخليج باعتبارها أكبر الخاسرين في هذه الحرب، وأصبحوا مجرد متفرجين على قرارات تعيد تشكيل المشهد الأمني في المنطقة، وأصبحوا الآن مضطرين لتحمل التبعات.
وتقول مصادر خليجية إن الاتفاقية بدأت بالفعل في إعادة تشكيل التفكير الاستراتيجي، فهي تقوض الثقة في الحماية الأمريكية، وترسخ مكانة إيران كقوة إقليمية باقية، وتسرع التحول نحو التسوية بدلا من المواجهة.
إلا أن الخبير في الشؤون الإيرانية أليكس فاتانكا يرفض هذا القلق. فهو لا يرى في الاتفاق استسلاما، بل يعتبره النتيجة الأقل سوءا بعد سنوات من محاولات الإكراه الفاشلة.
وقال فاتانكا، وهو عضو بارز في معهد الشرق الأوسط بواشنطن "لقد حاولوا إسقاط إيران عسكريا. لكنهم فشلوا. والبديل كان كارثيا.. إنه حرب واسعة النطاق كانت ستدمر الخليج لعقود".
وأضاف أن الاختبارات الحقيقية قادمة في الطريق، متمثلة في تنفيذ الاتفاق، وفي المفاوضات النووية التي لم تحسم بعد، وفي ردود الفعل الإقليمية التي سيثيرها. ومضى قائلا "إنه أمر كبير، لكنه ليس نهاية المطاف. إنه مجرد بداية".
*إسرائيل قد تكون عنصرا معطلا
يرى بعض المحللين أن إسرائيل هي الطرف الذي يصعب التكهن به. ورغم أن من غير المرجح أن تعرقل عملية يقودها ترامب، فإنهم يحذرون من أن الخطر لا يزال قائما، لا سيما في لبنان.
وقال مسؤول إيراني، طلب عدم ذكر اسمه "لقد عزلت إسرائيل، بعد هذه الحرب، سواء في المنطقة أو في العالم".
وأضاف مسؤول آخر "حصلت إيران على ما كانت تريده... لم نتخل عن أصدقائنا، مثل حزب الله، بل كنا مستعدين حتى للذهاب إلى حد الانسحاب من طاولة المفاوضات والعودة إلى الحرب من أجلهم".
بدائل لإسرائيل
إذا كانت نسبة كبيرة من المحللين والسياسيين في العالم تقدر أن إيران كسبت حتى الآن الحرب فإن آخرين يقدرون أن حزب الله اللبناني هو كذلك في طريقه مرة أخرى لإلحاق هزيمة بتل أبيب بعد أن صدم كل مصالح الاستخبارية الغربية التي تصورت أن الحزب انهار بعد اغتيال قائده حسن نصرالله في 27 سبتمبر 2024. نتنياهو يقامر بكل ما لديه لكسب معركة جنوب لبنان لعله يغطي الفشل الحالي في المواجهة مع طهران وهو يقدر أن الفشل في لبنان سيبدأ العد العكسي لوجود إسرائيل ومخططها للتوسع وتحقيق حلم إسرائيل الكبرى.
أمام عجز تل أبيب المتكرر في الانتصار على حزب الله قدم الرئيس الأمريكي مخططا جديدا، فخلال مؤتمر مجموعة السبع في فرنسا يوم الأربعاء 17 يونيو، قال ترامب إنه تحدث مع نظيره السوري أحمد الشرع حول محاربة جماعة حزب الله في لبنان، وذلك بعد يوم من انتقاده لإسرائيل لعدم إنجاز المهمة.
وردا على سؤال وجه إليه خلال قمة مجموعة السبع في إيفيان-ليه-بان بفرنسا عما إذا كان قد تحدث مع الشرع بشأن جماعة حزب الله، أومأ ترامب برأسه وقال "نعم". وعندما سئل عما إذا كان الشرع مستعدا لمواجهة الجماعة المسلحة، قال ترامب إنه سيتحدث عن ذلك لاحقا.
وصرح ترامب للصحفيين قبل ذلك ويوم الثلاثاء على هامش القمة "أعتبر أن (لبنان) يمثل حربا صغيرة، وإيران حربا كبيرة، لكن لدينا تلك المشكلة الصغيرة التي تطل برأسها باستمرار، وهي جماعة حزب الله".
وأبدى ترامب دعما قويا للشرع وهو قائد سابق في تنظيم القاعدة أطاح ببشار الأسد الذي حكم سوريا لفترة طويلة، وسعى الشرع إلى تصوير نفسه على أنه زعيم معتدل يحاول توحيد بلاده التي أهلكتها الحرب وإنهاء عزلتها.
وذكر ترامب الثلاثاء عن الشرع " قام بعمل مذهل في توحيد الصفوف. إنه ليس فتى كشافة، لكنه قام بعمل كبير في توحيد الصفوف، ولديه قدرة كبيرة على التعامل مع حزب الله. إنه لا يحبهم".
وكانت رويترز قد أفادت في مارس بأن الولايات المتحدة شجعت سوريا على النظر في إرسال قوات إلى شرق لبنان للمساعدة في نزع سلاح حزب الله، لكن دمشق كانت مترددة في الشروع في مثل هذه المهمة خوفا من الإنجرار إلى الحرب في الشرق الأوسط وتأجيج التوتر الطائفي في سوريا ولبنان وتمرد القوات التي سترسل إلى لبنان.
ووفقا لتصريحات نشرتها وسائل إعلام حكومية سورية، نفى الشرع يوم السبت صحة ما تردد بشأن دخول سوريا إلى لبنان واصفا ذلك بأنه ليس له أساس.
تسريع بناء الترسانة النووية
أفادت "قناة 12" العبرية، يوم الثلاثاء 16 يونيو، بأن المؤسسة الأمنية تقدر أن إيران ستسعى لتمديد فترة وقف إطلاق النار وتبدأ بخطوات عملية لتطوير مشروعها النووي.
وكانت مصادر رصد في العاصمة الألمانية برلين وإسلام آباد بباكستان قد ذكرت أن الخبراء الإيرانيين يسابقون الزمن لمضاعفة ترسانة بلادهم من القنابل النووية وصولا إلى ما بين 25 و 30 قنبلة قبل نهاية سنة 2026.
وأضافت "القناة 12" أن الولايات المتحدة أبلغت إسرائيل أن طهران تعهدت بعدم القيام بأي خطوة في مشروعها النووي خلال فترة الـ60 يوما.
وأشارت إلى أن واشنطن أبلغت إسرائيل أيضا أن طهران التزمت بالتوصل لحل بشأن اليورانيوم المخصب. وقالت أيضا إن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية تشكك في نوايا إيران في مفاوضات الاتفاق النووي.
وذكرت أن المعلومات الاستخباراتية أظهرت تناقضا بين تصريحات المسؤولين الإيرانيين والرسائل التي نقلوها، موضحة أن الوزيرين روبيو وهيغسيث تساورهما ذات الشكوك وأثارا تساؤلات حول الاتفاقية في مناقشات داخلية، بينما يدعم فانس وكوشنر الاتفاق.
ووفق المصدر ذاته، أبلغ مدير وكالة المخابرات المركزية جون راتكليف الرئيس ترامب ومسؤولين كبارا آخرين في الإدارة، أن المعلومات التي جمعتها العديد من وكالات الاستخبارات الأمريكية تثير شكوكا جدية حول استعداد إيران لتقديم التنازلات التي تسعى إليها الولايات المتحدة في اتفاق نووي نهائي بين البلدين، وذلك وفقا لثلاثة مصادر مطلعة على المناقشات.
وتقول القناة في تقريرها إن مسؤولي الإدارة الأمريكية الذين يعارضون الاتفاق، يشيرون إلى أنه لا يتوقع أن توقع إيران اتفاقا نوويا بالشروط التي تريدها الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه ستستفيد أكثر من مذكرة التفاهم.
وفي السياق، رد مسؤول كبير في البيت الأبيض قائلا: "يستمع الرئيس ترامب إلى جميع الآراء حول أي قضية معينة، لكن الجميع يدرك أنه صاحب القرار النهائي".
كارثة
هذا، وينظر الإسرائيليون إلى اتفاق الولايات المتحدة وإيران على أنه كارثة.
وقالت صحيفة "واشنطن بوست" إن المزاج العام في إسرائيل سواء بين مؤيدي رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ومعارضيه على حد سواء في وسائل الإعلام وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، لا يستسيغ هذا الاتفاق، ويؤكد الجميع في إسرائيل أن إيران ستظل تشكل تهديدا.
وتساءلت الصحيفة عما إذا كان اتفاق ترمب سيحظى برضا نتنياهو، أم أنه سيسعى إلى إفشاله.
وسبق أن اتهم الرئيس الأمريكي في مقابلات مقتضبة مليئة بالشتائم يوم الأحد 14 يونيو 2026، نتنياهو بتعريض الاتفاق للخطر.
ويتمزق نتنياهو ما بين الترهيب العلني الذي يمارسه ترامب عليه والاستياء الواسع الذي ينهشه في الداخل، ما يشكل تحديا غير مسبوق بشأن كيفية التعامل مع الشهرين المقبلين، وهي فترة حساسة ستتفاوض فيها واشنطن وطهران على تفاصيل إعادة فتح مضيق هرمز، وإزالة المواد النووية الإيرانية، مقابل الإفراج عن مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية المجمدة، ورفع العقوبات الأمريكية، وإنهاء الأعمال العدائية في لبنان.
وأشارت "واشنطن بوست" إلى أنه على مدى أسبوعين قبل اتفاق ترامب مع طهران، أظهر نتنياهو بالفعل أنه قادر على لعب "دور المفسد" من خلال قصف الضاحية الجنوبية لبيروت، ردا على ما يزعم مسؤولون إسرائيليون إنها هجمات شنها حزب الله على إسرائيل.
وفي الساعات التي سبقت الإعلان عن الاتفاق، شنت إسرائيل غارات على الضاحية الجنوبية لبيروت، ما أثار تهديدا بقصف صاروخي من إيران وتوبيخات شديدة اللهجة من ترامب.
حرب أهلية داخل اليمين الأمريكي
جاء في تقرير نشرته صحيفة"نيويورك بوست" يوم السبت 20 يونيو 2026
يشن البيت الأبيض تحت قيادة الرئيس ترامب هجوما على بعض أكثر حلفائه موثوقية، في وقت تندلع فيه "حرب أهلية" سياسية مريرة داخل اليمين الأمريكي بسبب الاتفاق مع إيران.
وأصبحت المعلقة المحافظة باتيا أونغار-سارغون أحدث هدف لهذه الهجمات يوم الجمعة 19 يونيو، بعدما وصفت الاتفاق بأنه "إذلال كامل" للولايات المتحدة، واتهمت نائب الرئيس جي دي فانس بمهاجمة إسرائيل بشكل غير عادل في الوقت الذي يدافع فيه عن طهران.
وخلال ساعات، شن الحساب الرسمي للاستجابة السريعة التابع للبيت الأبيض على منصة "إكس" هجوما لاذعا على المعلقة المحافظة في منشورين حادين.
وكتب الحساب، المعروف باسم Rapid Response 47: "الإذلال الوحيد هنا هو أن باتيا تتوسل بشدة للحصول على خلية دماغية إضافية، لأن برنامجها التلفزيوني الفاشل أصبح أكثر تهميشا حتى من كايتلان كولينز وتابر المزيف"، مضيفا: "فقط غبي مثلها يمكنه أن يشكك بعد في قيادة الرئيس ترامب".
وتعد كايتلان كولينز، كبيرة مراسلي شبكة CNN في البيت الأبيض ومقدمة أحد برامج أوقات الذروة، من الأهداف المتكررة لترامب، كما هو الحال مع جيك تابر، مقدم البرنامج السياسي اليومي "The Lead with Jake Tapper" على الشبكة.
كما سخر الحساب المرتبط بالبيت الأبيض من الكاتب المحافظ ديفيد ريابوي، ووصفه بأنه "نكرة تماما" ولا أحد يرغب في قراءة "ترهاته الغبية": "تخيل أي نوع من عفن الدماغ قد يدفعك إلى الاعتقاد بأن أحدا يرغب في قراءة الترهات الغبية لشخص نكرة تماما مثل "ديف ريبوي" على منصة سابستاك".
وتابع: "إن معارضي ترامب (Never Trumpers) من أمثال هذا الفاشل هم أسوأ شيء حدث لهذا البلد على الإطلاق. أمر مخز".
وجاء المنشور ردا على اتهام ريابوي لنائب الرئيس فانس بأنه يعاني من "تعفن دماغي" جعله "يتحول إلى نسخة أكثر فصاحة من ثيو فون"، في إشارة إلى مقدم البودكاست الشهير الذي انتقد إسرائيل.
ولفتت هذه الهجمات الانتباه لأن أونغار-سارغون وريابوي أمضيا سنوات ضمن المنظومة السياسية والإعلامية الأوسع المتحالفة مع ترامب.
وتعد أونغار-سارغون، وهي محررة سابقة لقسم الرأي في مجلةNewsweek ومقدمة حالية في NewsNation وتصف نفسها بأنها "يسارية من حركة ماغا"، واحدة من أبرز المدافعين الإعلاميين عن ترامب في السنوات الأخيرة.
وفي مقال حظي بنقاش واسع عام 2024، اعتبرت أن ترامب هو "الوارث" للتقاليد اليهودية والعمالية الأمريكية، ودافعت مرارا عن أجندته الاقتصادية الشعبوية.
أما ريابوي، وهو معلق في شؤون الأمن القومي، فقد ارتبط لفترة طويلة بحركة "أمريكا أولا" والأوساط الإعلامية المحافظة. ورغم دعمه لحاكم ولاية فلوريدا رون ديسانتيس خلال جزء من الانتخابات التمهيدية الجمهورية لعام 2024، فإنه ظل صوتا بارزا داخل اليمين الشعبوي.
ولم يقتصر الغضب على الشخصيات الإعلامية. فقد وجدت الإدارة نفسها في مواجهة انتقادات من مجموعة واسعة من المحافظين المتشددين والناشطين المؤيدين لإسرائيل والمسؤولين الجمهوريين الذين يخشون أن يشبه الاتفاق النهج التصالحي مع إيران الذي أمضى الجمهوريون سنوات في انتقاده خلال عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما.
ومن بين الشخصيات التي أعربت عن مخاوفها مارك ليفين، ونائب الرئيس السابق مايك بنس، والسيناتور تيد كروز.
وبدلا من الاكتفاء بالدفاع عن الاتفاق استنادا إلى مضمونه، اتجه البيت الأبيض وحلفاؤه بشكل متزايد إلى مهاجمة المنتقدين أنفسهم. فقد وصف فانس بعض المعارضين بأنهم أشخاص يريدون استمرار الصراع إلى ما لا نهاية، فيما أفادت تقارير بأن ترامب وصف المنتقدين بأنهم "حمقى".
وكان ترامب قد أكد خلال مؤتمر صحفي مع أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني يوم الثلاثاء على هامش قمة مجموعة السبع في فرنسا، أنه لولا الولايات المتحدة لما وجدت إسرائيل.
غير أن سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل، مايك هاكابي، صرح من جانبه: أنه "لولا إسرائيل والأسس اليهودية لما وجدت أمريكا"، مضيفا: "نحن مدينون بوجودنا لما حدث في هذه الأرض".
المواجهة مع الصين
كتب المحلل السياسي الروسي ألكسندر نازاروف يوم 19 يونيو2026:
أعلنت القيادة المركزية الأمريكية "سنتكوم"، يوم الخميس 18 يونيو، الرفع الكامل للحصار البحري عن الموانئ الإيرانية.
لم تتضح الصورة تماما بعد، لكن حتى المعلومات المتاحة حتى الآن تكفي للقول بأن الولايات المتحدة تكبدت هزيمة مذلة.
مع ذلك، وكما سحبت واشنطن قواتها من أفغانستان للتركيز على المواجهة مع روسيا بعد تلقيها معلومات استخباراتية تفيد بأن موسكو تستعد لعملية عسكرية خاصة بأوكرانيا، فإن تجميد الحرب في إيران هو إجراء مؤقت وليس نتيجة نهائية، وفي رأيي المتواضع، فإن استئناف الحرب في الخليج العربي أمر لا مفر منه، لأن منطق تطور المواجهة بين الولايات المتحدة والصين يتطلب قطع طرق إمدادات الصين بالنفط.
يغلق ترامب مؤقتا الطريق الإيراني لتحويل الضغط إلى موسكو، التي، بعكس إيران، لا تميل إلى الدخول في حالة "البرسركيين" (كما كان يطلق على محاربي الفيكنغ الإسكندنافيين الذين يتناولون فطر الهلوسة قبل المعركة ليدخلوا في حالة من الغضب الجامح وانعدام الخوف من الموت)، بل تميل إلى المفاوضات والمناورات الدبلوماسية. هذا يعزز ثقة ترامب (التي ترسخت بالفعل في أذهان الأوروبيين) بأن الضغط على موسكو هو أولا: آمن، وثانيا: ناجح للغاية بالفعل، ويجب مواصلته وتكثيفه.
في هذا السياق، تعد إيران وروسيا طريقين يقودان الولايات المتحدة إلى حرب مع الصين. يبحث ترامب عن حلول سهلة، ويختار المسار الأسهل، ويبدو أن موسكو، بفضل ضبط النفس الذي لطالما أبدته، هي المسار الأسهل الآن.
يتفق كل من الديمقراطيين والجمهوريين على أن الصين هي المنافس الرئيسي، لكنهم يختلفون حول أي من هذين المسارين يجب إعطاؤه الأولوية. وضعف ترامب نتيجة لفشل الملف الإيراني يجبره على التحالف مع الديمقراطيين والدولة العميقة. علاوة على ذلك، قد يكون تصعيد المواجهة مع روسيا هو السبيل الوحيد لتجنب العزل والمحاكمة بعد الهزيمة المتوقعة للجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر2026. قد يقضي ترامب ما تبقى من رئاسته كدمية مطيعة في يد الدولة العميقة، كما فعل خلال ولايته الأولى.
وبناء على ذلك، أتوقع تصاعد الاستفزازات والهجمات ضد روسيا خلال الأشهر المقبلة وطوال العام القادم. ولا يسعنا إلا الانتظار لنرى ما إذا كانت موسكو ستنفجر غضبا، أي أنها ستبدأ بخلق مشاكل مباشرة للولايات المتحدة وأوروبا، ما قد يجبر واشنطن على العودة إلى المسار الإيراني قبل الأوان، أم أن الوضع سيستمر في التطور بمساره الحالي.
لكن بطبيعة الحال، يمكن للرفيق نتنياهو أن يقلب كل هذه البنى المنطقية رأسا على عقب، إذ قد تكون لديه خططه الخاصة لهذا المساء ويعتزم تنفيذها.
حرب عبثية
أكد عضو اللجنة الدستورية في مجلس الاتحاد الروسي أليكسي بوشكوف أن الصراع حول إيران سيصبح واحدا من أكثر الصراعات عبثية في تاريخ الولايات المتحدة.
وكتب بوشكوف في قناته على "تلغرام" يوم 15 يونيو: "أعتقد أن الحرب الإيرانية ستحتل مكانة بارزة في سلسلة أكثر الحروب عبثية التي خاضتها الولايات المتحدة على مدار تاريخها".
وأشار السيناتور إلى أن الرئيس الأمريكي ترامب سيروج الصراع ضد إيران على أنه انتصار كامل له.
وأوضح بوشكوف أن الحجة الرئيسية للزعيم الأمريكي ستكون حرمان إيران من امتلاك السلاح النووي.
وأشار السياسي إلى أنه وفقا للمعلومات المتوفرة، يجب أن يُنص في مذكرة التفاهم على مثل هذا الالتزام من جانب إيران. ولكن المشكلة تكمن في أن طهران قدمت هذا الالتزام نفسه قبل 11 عاما، ليس في مذكرة تفاهم - وهي مجرد إعلان عن النوايا - بل ضمن اتفاق كامل وقع مع إدارة (الرئيس الأمريكي الأسبق باراك) أوباما" ونقضه ترامب في ولايته الأولى.
وأضاف بوشكوف أن إيران لا تزال تحتفظ باليورانيوم المخصب، ولم يحدث أي تغيير في النظام في إيران.
واختتم عضو لجنة مجلس الاتحاد الروسي قائلا: "إيران لم تتخل عن برنامجها الصاروخي. بل إن قدراتها الصاروخية لم تدمر، ولم يحدث - ما يمكن استنتاجه - إضعاف جذري لها كقوة إقليمية، وهو ما كان (رئيس وزراء إسرائيل بنيامين) نتنياهو يتوق إليه بشدة".
تفكك الجغرافية السياسية
جاء في مقال للكاتب أندرياس كلوث على شبكة "بلومبرغ" نشر يو 19 يونيو أن الحرب الأمريكية على إيران انتهت إلى تراجع النفوذ الأمريكي بدل تعزيزه. ويرى أن النتيجة هي تسارع الانتقال من نظام دولي تقوده قوة واحدة إلى عالم متعدد الأقطاب أو حتى "عالم بلا قائد"، مع صعود الصين وازدياد سباقات التسلح وعدم الاستقرار العالمي.
الرئيس الأمريكي ترامب رجل يفي بوعوده: ففي مارس، وعد بأنه "لن يكون هناك اتفاق مع إيران إلا الاستسلام غير المشروط...سيكون لإيران مستقبل عظيم". ولم يوضح أن الولايات المتحدة هي التي ستستسلم.
إن ما يمثله "الاتفاق" بين الولايات المتحدة وإيران هو الاستسلام، يعني ذلك شهورا إضافية، إن لم تكن سنوات من " حرب زائفة "، دون حل يذكر لأي قضية بشكل نهائي، بدءًا من مضيق هرمز وصولا إلى اليورانيوم الإيراني. أما بالنسبة للعالم أجمع، فستكون تداعيات هذا الجمود بنفس القدر من الجسامة.
كانت تلك الآثار الثانوية حاضرة بلا شك في أذهان قادة مجموعة الدول السبع خلال اجتماعهم في إيفيان.
ربما قلل ترامب من شأن هزيمته في الخليج، بنكات غير موفقة ومحاولاتٍ حساسة لتجنب المقارنات غير المواتية مع سلفه، باراك أوباما. لكن على قادة الدول الست الأخرى التي لطالما اعتبرت نفسها حليفة للولايات المتحدة، وضيوفهم من دول متوسطة القوة كالهند والبرازيل، أن يتأملوا في مستقبل ما بعد الهيمنة الأمريكية.
تختلف الحرب الأمريكية ضد إيران عن الحرب الروسية في أوكرانيا، لكن الصراعين يشتركان في أمر واحد: في كلتا الحالتين، هاجم رئيس دولة عظمى سابقة دولة أقل شأنا.
أما الصين، وهي قوة ثالثة، فتراقب عن كثب هذا التخريب الذاتي البطيء ولكنه المتسارع من جانب أمريكا. ويرى زعيمها، شي جين بينغ، تأكيدا لتوقعاته.
ويخلص رايان هاس، من معهد بروكينغز، وهو خبير مخضرم في الأمن القومي من إدارة أوباما، إلى أن "الولايات المتحدة وإسرائيل حاربتا إيران، وانتصرت الصين".
إذا اقتصر التحليل الجيوسياسي، سواءً على طاولة المفاوضات في إيفيان أو غيرها، على هذه القوى الثلاث الكبرى، فسيؤكد ذلك نظرية أن العالم، الذي كان ثنائي القطب خلال الحرب الباردة وأحادي القطب بعدها مباشرة، يتحول إلى متعدد الأقطاب.
وهذا بحد ذاته أمر خطير، لأن هذا السيناريو، الذي يطلق عليه الفيزيائيون "مسألة الأجسام الثلاثة" والذي حير حتى إسحاق نيوتن، هو في الأصل غير قابل للتنبؤ وغير مستقر. لكن يجب أن يأخذ التحليل في الحسبان أيضا جميع الدول الأخرى، بما فيها تلك الممثلة في إيفيان.
تشمل هذه الدول القوتين اللتين تسببتا في الحرب العالمية الثانية، ألمانيا واليابان. بعد تلك الكارثة، تبنت كل منهما (تحت وصاية أمريكية) عناصر من السلمية في دستورها ما بعد الحرب، واتبعت استراتيجية كبرى ناجحة للتحول إلى قوة تجارية تحت الحماية العسكرية لواشنطن. إلا أن كلتيهما أدركتا الآن أن "الشخصية الأبوية" الأمريكية القديمة قد ولت إلى الأبد. وكلتاهما، متخليتين عن محظورات ما بعد الحرب، تعيدان تسليح نفسيهما على نطاق واسع.
ترحب الولايات المتحدة، التي لطالما اشتكت من استغلال حلفائها لضماناتها الدفاعية دون مقابل، بهذا التحول. لكن من آثاره الجانبية عودة القلق إلى جيران ألمانيا واليابان، وضحاياها التاريخيين، مثل بولندا وكوريا الجنوبية.
لا يشكل ذلك مشكلة في الوقت الراهن، لأن كلا من وارسو وسيول تخشى روسيا والصين وكوريا الشمالية أكثر من غيرها، وتعتبران برلين وطوكيو حليفتين. إحدى الصيغ في عالم ما بعد الولايات المتحدة هي التعاون وتشكيل تحالفات جديدة دون الولايات المتحدة، وهو ما يعرف بـ"توازن التهديدات ".
لكن التعاون، ناهيك عن الاتحاد الكونفدرالي كما يحاول الاتحاد الأوروبي فعله، أمر صعب. ففي محاولة لقطع اعتمادهما على الموردين الأمريكيين، سعت ألمانيا وفرنسا إلى بناء طائرة مقاتلة من الجيل التالي معا، إلا أن هذا المشروع قد فشل. واقترح إيمانويل ماكرون مؤخرا توسيع الدرع النووي الفرنسي ليشمل أوروبا، بعد أن فقدت المظلة الأمريكية مصداقيتها. وبذلك، أثار دون قصدٍ أسئلة أكثر مما أجاب.
تواجه دول أخرى معضلاتٍ مماثلة، من كندا (التي يصرح ترامب برغبته في ضمها) إلى عمان، التي طالما افترضت أنها تستطيع التزام الحياد وعدم التدخل في شؤون الآخرين، لكنها اكتشفت مؤخرا أنها قد تقصف هي الأخرى إذا ما أغضبت ترامب.
من الدول الكبيرة والنووية (مثل الهند) إلى الدول المتوسطة الحجم وغير النووية (مثل تركيا)، يتعين على جميع القوى المتوسطة، بل وحتى بعض الدول الصغيرة، إعادة تقييم أمنها. والكلمة المهذبة هي "تقليل المخاطر"، من جانب أمريكا والصين وأي جهة أخرى.
إحدى النتائج المترتبة على ذلك هي سباق تسلح عالمي. وتشير الأرقام بالفعل إلى ذلك: فمبيعات الأسلحة التقليدية العالمية تشهد ازدهارا كبيرا. ومن المرجح أيضا أن تسعى دول أخرى، وليس إيران وحدها، إلى امتلاك أسلحة نووية، وأن تحقق ذلك، في ظل تراجع أهمية معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، التي حصرت حتى الآن عدد الدول النووية في تسع دول فقط.
يمكنك تسمية هذا النظام الناشئ (أو الفوضى) بالتعددية القطبية إن شئت. لكن هذا المصطلح يوحي بعالم لا يزال خاضعا لتنظيمات مثل مجموعة السبع، ومجموعة العشرين، ومجموعة الأمم المتحدة. ثمة احتمال آخر هو ما يسميه محللون جيوسياسيون مثل إيان بريمر "عالم بلا مجموعة" ، حيث لا تملك أي دولة القدرة أو المصلحة في ضمان المنافع العامة كالتجارة الحرة والأمن الأساسي.
إذا أردت التمسك بالاستعارة الكهرومغناطيسية للقطبية، فيمكن وصف المستقبل الجيوسياسي للعالم بأنه بلازما: مرجل من الجسيمات المشحونة تتفاعل كما تفعل، على سبيل المثال، على سطح الشمس - بشكل لا يمكن التنبؤ به، وفوضوي، وغالبا ما يكون عنيفا، مع دوامات وتوهجات وانفجارات عرضية.
مجلس التعاون الخليجي
نشرت مجلة Newsweek نيوزويك الأمريكية في الثلث الثاني منشهر يونيو مقالا حول تأثير الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضدإيران على مجلس التعاون الخليجي جاء فيه:
في 17 مايو 2026 استهدفت غارة جوية بطائرة مسيرة محطةالطاقة النووية الوحيدة في الإمارات. وقبل ذلك بأسبوع، تسببتغارة أخرى بطائرة مسيرة في اندلاع حريق هائل في منطقةالفجيرة الصناعية النفطية، مما أسفر عن إصابة 3 مواطنينهنود.
واتهمت أبوظبي طهران على الفور بتدبير الحادثتين. ويبدو أنإيران، إلى جانب الطائرات المسيرة والصواريخ، تتبع استراتيجيةأكثر هدوءًا تقوم على استغلال الخلاف القائم بين الرياضوأبوظبي كسلاح.
لم يبدأ الانقسام السعودي الإماراتي مع الحرب الحالية. فعلىمدى أكثر من عقد من الزمان، وتحت سطح ما بدا أنه تحالفمتماسك، تنافست السعودية والإمارات، بهدوء ثم علناً، علىالهيمنة الإقليمية على عدة جبهات من الاستثمار الأجنبيوسياسة الطاقة والنفوذ الإقليمي.
يكمن جوهر هذا التباين في منافسة محتدمة على القيادةالإقليمية. فقد رسّخت الإمارات العربية المتحدة مكانتها مبكراًكمركز عالمي للتجارة والتمويل والخدمات اللوجستية، وبرزت دبيكبوابة تجارية للشرق الأوسط.
ومنذ ذلك الحين، سعت المملكة العربية السعودية، من خلال رؤية2030، إلى محاكاة هذا النموذج وتجاوزه عبر استقطاب المقراتالرئيسية للشركات متعددة الجنسيات والاستثمار بكثافة في بنيةتحتية موازية.
وقد اشتد هذا التنافس في جبهات إقليمية متعددة. ففي اليمن،وبينما تعاون الطرفان في البداية ضمن التحالف المناهضللحوثيين، اتجهت أبوظبي نحو دعم الجهات الفاعلة المحليةالجنوبية، في حين شددت السعودية على الحفاظ على وحدةالأراضي اليمنية تحت سلطة مركزية.
وفي السودان، ارتبطت أبوظبي ارتباطاً وثيقاً بقوات الدعمالسريع، بينما اتخذت الرياض موقف الوسيط الساعي إلىاستقرار الدولة. وتظهر اختلافات مماثلة في القرن الأفريقي،حيث ركزت الإمارات على البنية التحتية للموانئ والشركاء علىمستوى ما دون الدولة، بينما مالت السعودية إلى دعم الحكوماتالمركزية.
لقد كشفت سياسة الطاقة عن مزيد من التباين الهيكلي. إذ تُعطيالرياض الأولوية لاستقرار الأسعار لدعم التحول المالي في إطاررؤية 2030، بينما تركز أبوظبي على مرونة الإنتاج وحصتهاالسوقية. ولم يكن قرار الإمارات بالانسحاب من منظمة أوبك مجردتعديل فني، بل كان بمثابة قطيعة سياسية، مما يُشير إلى تراجعقبول أبوظبي لقيادة الرياض في النظام النفطي الإقليمي.
كما عززت التحالفات الجيوسياسية هذا التباين. فقد قرّبتاتفاقيات إبراهيم الإمارات العربية المتحدة من إسرائيل. فيالمقابل، حافظت السعودية على مسافة بينها وبين إسرائيل،ووازنت بين مشاركة محدودة وقيود داخلية وإقليمية منذ حرب غزة. وليس من المستغرب أن ما بدا في السابق شراكة سلسة بينمحمد بن سلمان ومحمد بن زايد قد تحول إلى تباين واضح. ولمتكشف الحرب الإيرانية إلا عن هذا التباين، ومنحت طهران فرصةلاستغلاله.
ولا يمكن فهم نمط ضربات إيران خلال الحرب إلا في هذاالسياق. فقد دأبت طهران على توجيه ضربات أقوى بكثير إلىالإمارات العربية المتحدة مقارنة بالسعودية، مما كشف عنهشاشة اقتصاد أبوظبي. وقد أدى تطبيع الإمارات مع إسرائيلإلى تعميق العداء الإيراني، كما عزز التنسيق الإماراتيالإسرائيلي الأخير اعتقاد طهران بأنهما يعملان بتنسيق تام.
علاوة على ذلك تُعدّ الإمارات العربية المتحدة الدولة الإقليميةالوحيدة التي لها مطالبة إقليمية صريحة على الأراضي الإيرانية. ويُرسّخ تأكيد أبوظبي المستمر على سيادتها على جزر أبو موسىوطنب الكبرى والصغرى علاقة قانونية وسياسية مختلفة بينهاوبين طهران.
وإذا ما خرجت إيران من هذا الصراع ضعيفة، فمن شبه المؤكدأن تسعى الإمارات إلى تأكيد هذه المطالبة، وطهران تدرك ذلك. وتُؤثر هذه المعرفة في كل حسابات إيران بشأن المجالات التيستمارس فيها الضغط.
وتتجلى هذه الاستراتيجية بوضوح في استهداف خط أنابيبحبشان-الفجيرة الإماراتي المصمم لتجاوز مضيق هرمز. ورغمإمكانية تطبيق منطق مماثل على خط أنابيب بترولاين السعودي،الذي يحول الصادرات من الخليج العربي إلى البحر الأحمر، إلاأن إيران امتنعت عن تهديده. ويعكس هذا التباين حساباتاستراتيجية مدروسة، حيث تمارس طهران ضغوطًا انتقائية علىالإمارات العربية المتحدة مع تجنب التصعيد المباشر معالسعودية.
بينما تُصعد إيران ضغوطها على الإمارات، اتخذت السعوديةموقفاً مختلفاً. وتنظر الرياض بشكل متزايد إلى إيران الضعيفة،وإن كانت لا تزال تتمتع بالصمود، كقوة موازنة للهيمنة الإقليميةالإسرائيلية الصاعدة. ومن وجهة نظر الرياض تراجعت شبكةإيران الإقليمية بشكل ملحوظ، في حين أن تنامي القوة العسكريةالإسرائيلية، على نحوٍ متناقض، زاد من قلق السعودية. ولا تزالالسعودية متحالفة علناً مع شريكها في مجلس التعاون الخليجي. أما في الواقع، فليس لديها حافز يُذكر لتغيير هذا الوضع الذييصب في مصلحة الرياض.
وبالنسبة للإمارات العربية المتحدة يُعدّ هذا المسار مقلقاً. فقدراهنت أبوظبي بمبالغ طائلة على إسرائيل ونزعتها العسكرية. إلاأن اقتصاداً منفتحاً قائماً على التجارة والتمويل والسياحة لايمكنه تحمّل مواجهة عسكرية طويلة الأمد. ويُشكّل مضيق هرمزتهديداً دائماً لشريان الحياة الاقتصادي للإمارات، وقد كشفتالحرب عن هشاشة اقتصادها الساحلي.
لقد سعت السعودية إلى إطار عدم اعتداء مع إيران ودول إقليميةأخرى. وفي المقابل واصلت الإمارات العربية المتحدة تعميقعلاقاتها مع إسرائيل. وتُبرز الزيارة السرية التي قام بها بنياميننتنياهو إلى الإمارات، والتي نفت أبو ظبي وجودها، بينما لمتنفِها تل أبيب، كيف تطورت اتفاقيات أبراهام من مجرد تطبيعإلى شراكة أمنية.
ويُظهر هذا التباين أن مجلس التعاون الخليجي لم يعد يعمل وفقعقيدة استراتيجية موحدة تجاه إيران. بل إن رؤيتين متنافستينتتبلوران في آن واحد داخل المجلس نفسه، إحداهما تتمحور حولالمواجهة والاندماج في إطار إقليمي إسرائيلي، والأخرى تتمحورحول التعايش التفاوضي مع طهران.
إن الحرب الإيرانية تعكس تأثيرًا طويل الأمد على النظامالإقليمي. فإذا ما صمدت الجمهورية الإسلامية في وجه الحربالحالية، فقد يعود منطق "الركيزتين" المألوف إلى الظهور. ففيستينيات القرن الماضي، استند هذا النظام إلى نظام "الركيزتين" المدعوم من الولايات المتحدة، والذي تمحور حول إيران والسعودية،ثم تحول لاحقًا في عهد نيكسون وفورد إلى ترتيب "الركيزةالوحيدة" بحكم الأمر الواقع، مع شاه إيران كضامن رئيسي، قبلأن ينهار بعد الثورة.
واليوم، قد يعود نظام "الركيزتين" بنسخة معدلة، وإن كان هذهالمرة مدفوعًا بالديناميكيات الإقليمية لا بالتصميم الخارجي. ويجعل تطور نظرة الرياض إلى إيران كجزء من إطار التوازن هذاالاحتمال أكثر ترجيحًا.
ستتجاوز آثار الحرب الإيرانية الأشد خطورة ساحة المعركة. فبينما غالباً ما تُصوَّر الحرب الإيرانية من منظور الصواريخوالطائرات المسيّرة وديناميكيات التصعيد، فإنّ تأثيرها الأعمقيتجلّى في التحالفات والشراكات، بل وفي بنية النظام الإقليميبرمّته.
والسؤال الحقيقي هو: إلى أيّ مدى سيصل تفكك مجلس التعاونالخليجي؟ وهل سينبثق منه نظام جديد؟ ومن سيرسم ملامح مابعد ذلك؟
عمر نجيب









