گرو ماضيه لا يشبه حاضره / الدد سيدي عبد الله

خميس, 2026-06-04 23:32

قرأت مقالا لصديقي وأخي الفقيه محمد ولد الصحة ولد ديدي ( ول طلبتنا) يتحسّرُ علي واقع مدينته "گرو" فهو يراها  حاضرة عند الواجب ولكنها تغيب عندما يبدأ جني النتائج وكأنها أهلها يتمثلون حديث المصطفي صل الله عليه وسلم حين مدح الانصار "إنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلون عند الطمع" التململ والتحسر كان موجودا منذو فترة وقد عبّر عنه البعض ممن يمتلكون مساحة للتعبير الحر وغير مقيدين بالتزام حزبي ، أما الجديد اليوم هو أن هذا الشعور بالحرمان الذي ظهر علي واقع الخدمات الأساسية للمدينة و تمثل في غياب أطر المقاطعة  عن الفعل والتأثير صدر هذه المرة من شخصيات من أنصار النظام ومنتسبي حزبه ليس محمد ولد الصحة فقط بل قرأت مقالا آخر للدكتور محمد ولد محمد العاقب وهو يصف نفسه بأنه عضو المجلس الوطني لحزب الإنصاف ذلك الإنصاف الذي استثني كرو ولم يشمله ، وهذين المقالين تزامنا مع دعوة حزب الإنصاف لأطر المقاطعة لإجتماع في مقر الحزب 

هذا الشعور بالغبن ولّدَ الإحباط عند أبناء المدينة ولم يعد باستطاعتهم السكوت عليه إذ لم يشفع لهم بأنهم دائمًا في مقدمة الملبيّن لنداء الواجب (سواء كان وطنيًا، أو اقتصاديًا، أو اجتماعيًا)، لكن حين تأتي لحظة "الاستحقاقات" وجني ثمار هذا الحضور من تنمية، ومناصب سيادية، ومشاريع استراتيجية، تجد المدينة نفسها في المقاعد الخلفية 

ولم يشفع للمدينة أنها عرفت تاريخيًا وعمليًا بالديناميكية العالية، وتصدّرت واجهة الفعل الوطني في محطات مفصلية. ومع ذلك، تبرز مفارقة صارخة لخصها عنوان المقال الأول بدقة: "كرو حاضرة في الواجبات، غائبة في الاستحقاقات أو عبارة المقال الثاني" كرو بين قوة التمثيل وضعف الحضور" وقد أتفق المقالان في تشخيص واقع المدينة . 

تعتبر مقاطعة گرو شريانًا اقتصاديًا حيويًا لموريتانيا بأكملها وذلك بفضل شبكة تجارها الواسعة في الداخل وفي مغارب الأرض ومشارقها (إفريقيا وأمريكا والخليج العربي وأوروبا ).

 وأموال أبنائها تدعم الخزينة، وتُنعش الأسواق، وتتدخل في الأزمات الوطنية عبر التبرعات والعمل الخيري إلي جانب كل ذلك لالتزام السياسي والانتخابي للمدينة في كل المحطات السياسية، حيث تسجل كرو نسب مشاركة عالية، وتُثبت انضباطًا حزبيًا أو خيارات سياسية واعية تعكس نضج ساكنتها. 

ورغم هذا التاريخ وهذا البعد الاقتصادي وذاك الحضور السياسي ظلت تعاني من نقص حاد في البنية التحتية مقارنة بحجمها الديمغرافي وثقلها المالي (مشاكل المياه، الكهرباء، الطرق الداخلية، وغياب منشآت صحية وتعليمية كبرى ، وإلي جانب هذا النقص الحاد في البنية التحتية ظلت تفتقر للتمثيل في مراكز القرار  رغم وجود "تمثيل" لبعض أطر المدينة، إلا أنه غالبًا ما يكون تمثيلاً عدديًا أو بروتوكوليًا، يفتقر إلى الفعالية والنفوذ الذي يُمكّن من انتزاع مكاسب حقيقية للمقاطعة في مجالس الوزراء والمؤسسات السيادية ،وللأسف ظلت المدينة أسيرة للنمطية السائدة لدى صناع القرار إذ يُصنف كرو كمدينة "غنية ذاتيًا" بفضل تجارها، مما يخلق مبررًا واهيًا وغير معلن لدى الحكومات المتعاقبة لتوجيه المشاريع التنموية لمناطق أخرى، بحجة أن كرو يمكنها الاعتماد على سواعد أبنائها. هذا الفهم يغفل أن واجب الدولة في توفير الخدمات الأساسية لا يسقط بيسار الساكنة

إن الفجوة بين ما تقدمه كرو وما تحصل عليه ليست وليدة الصدفة، بل نتاج تداخل جملة من الأسباب الذاتية والموضوعية

أهتم أبناء المدينة بالسياسة منذو ميلاد الدولة الموريتانية وقد ترجم ذلك الاهتمام في صورة تنافسية شرسة واستقطاب حاد (بين تيارات تقليدية، وحزبية، وأيديولوجية). هذا التنافس، وإن كان دليلاً على الحيوية، فإنه يُضعف "الكتلة الحرجة" للمدينة. عندما يتفرق الفاعلون السياسييون في كرو بين ولاءات متعددة ومتصارعة، يسهل على المركز السياسي في العاصمة التعامل معهم فرادى، وتضيع قدرة المقاطعة على الضغط ككتلة موحدة لانتزاع الاستحقاقات وقد ظلت تتأرجح كرو أحيانًا في علاقتها بالسلطة المركزية؛ فتارة تتبنى خيار المعارضة الشرسة بناءً على قناعات مبدئية (مما يدفع السلطة أحيانًا لمعاقبتها تنمويًا أو تجاهل مطالبها)، وتارة تنخرط في الموالاة بشكل مطلق دون اشتراط "مقايضة سياسية" تضمن للمدينة حقوقها التنموية. في غياب "البراغماتية السياسية" التي تقيس الولاء بحجم الإنجازات على الأرض، تظل المدينة خارج حسابات كعكة الاستحقاقات . 

إن الخروج من العناوين السابقة "گرو حاضرة في الواجبات، غائبة في الاستحقاقات" أو گرو بين قوة الحضور وضعف التمثيل " يتطلب صياغة "عقد اجتماعي وسياسي جديد" بين أبناء المقاطعة لن يتحول "قوة التمثيل" إلى "حضور فاعل" إلا إذا تحولت الخلافات السياسية الداخلية إلى تنوع يخدم التنمية، وإذا اشترطت النخب المحلية في دعمها لأي خيار سياسي تقديم التزامات واضحة وملموسة لصالح المدينة. 

إن كرو تستحق، بحكم ماضيها وحاضرها وبحجم ما تقدمه للوطن، أن تكون شريكة في الصدارة، لا مجرد رقم يصنع الانتصارات للآخرين ويغيب يوم الحصاد. 

 

الدد سيدي عبد الله /فاعل سياسي سابق مقيم بالولايات المتحدة الأميركية