صحيفة إسبانية: واحة صوفية في موريتانيا تواجه ضغط السلفية المتشددة

أربعاء, 2026-02-11 15:04

نشرت صحيفة «الباييس» الإسبانية مادة صحفية عن واحة معدن العرفان في موريتانيا، التي تعني “كنز المعرفة”، وتقع على بعد أكثر من 370 كلم من العاصمة نواكشوط. الطريق المؤدي إلى الواحة طويل وصامت، يعبر أرضًا شبه خالية من الحياة، لكن عند الوصول تظهر واحة خضراء متلألئة بين كثبان رمال الصحراء والجبال، تنتشر فيها بيوت صغيرة وحقول نخيل مزدهرة.

تأسست الواحة عام 1975 على يد محمد لمين سيدينا، وهو زعيم صوفي ينتمي إلى الطريقة التجانية. أنشأ ولد سيدينا مدينة زراعية تعيش فيها النساء والرجال على قدم المساواة، واليوم تضم الواحة حوالي 300 أسرة، ويزداد عددها سنويًا.

رغم جمال الحياة في الواحة، تواجه «معدن العرفان» ضغوطًا ثقافية ودينية. تقول أمينتو بوبو، إحدى نساء القرية، وهي تعمل في أحد الحقول: “الناس يأتون لمشاهدة حياتنا هنا، ويشعر بعضهم بالغيرة والحسد. هناك من يعتقد أن النساء لا يجب أن يعملن في الحقول”. وتوضح أن عملها في إزالة الأعشاب الضارة باستخدام حافة علبة حليب بودرة سيكون مستحيلاً في أماكن أخرى.

وتشير تقارير البنك الدولي إلى فجوة كبيرة بين الجنسين في موريتانيا، حيث يشارك 57% من الرجال في القوى العاملة، مقابل 26% فقط من النساء. وتؤكد الأمم المتحدة أن الضغوط الثقافية والدينية تخلق عوائق كبيرة أمام النساء اللواتي يرغبن في العمل وامتلاك الأراضي أو الممتلكات.

على بعد قليل، في حقل آخر، يحضر الإمام طه سيدينا شاي النعناع. وهو ابن مؤسس القرية الذي توفي عام 2003. يقول طه: “نحن ملتزمون بالإسلام، لكننا أقل تشددًا من الآخرين. نساعد بعضنا البعض ونزرع أراضي بعضنا. نحاول العمل في مجتمع متعاون”.

يتبع سيدينا وتلاميذ والده تعاليم أحمد التيجاني، مؤسس الطريقة الصوفية “التجانية”، وهي طريقة انتشرت في المغرب العربي وغرب إفريقيا خلال القرون الماضية.

لكن القلق قائم، فحسب الخبير أعل الشيخ ولد أمم فإن “السلفية الوهابية تكتسب نفوذًا أكبر في موريتانيا، مما يضع المجتمعات الصوفية مثل مجتمع معدن العرفان تحت ضغط متزايد”. ويشير إلى أن هذا التمدد يشمل مؤسسات دينية رسمية ووسائل إعلام، ويؤثر على المساجد الصوفية في المدن الكبرى، بما في ذلك إبعاد العلماء الصوفيين عن المناصب الرسمية، وقلة ظهورهم في وسائل الإعلام، وفق ولد أمم.

رغم هذه الضغوط، تظل الحياة اليومية في الواحة صافية وروح المجتمع قوية. تقول أمينتو بوبو مبتسمة: “قد يسخر البعض منا على الإنترنت، لكننا نواصل حياتنا ونساعد بعضنا بعضًا. نؤمن بأن عملنا يعود بالنفع علينا وعلى مجتمعنا. كثيرون ممن ينتقدوننا فقراء، ولو عملت زوجاتهم لكسبن المزيد من المال، لكان حالهم أفضل”.

تظهر واحة معدن العرفان كنموذج للتعايش والمساواة بين الجنسين في موريتانيا، لكنها تواجه تحديًا متناميًا من التوجهات الدينية المتشددة، ما يجعل مستقبل هذه التجربة المجتمعية على المحك، حسب الصحيفة الإسبانية.