
من إضراب البازارات إلى حراك شعبي محدود: رغم اتساع بعض الاضطرابات في إيران اجتماعيًا وجغرافيًا في فترة محدودة، إلا أنها ظلت تفتقر إلى برنامج سياسي موحد ومطالب متماسكة، وقد واجهت ردًا حاسمًا من النظام ومن الشعب نفسه الذي حافظ على الاستقرار والأمن العام.
لم تشهد الجمهورية الإسلامية اضطرابات بهذا العنف منذ ثمانينيات القرن الماضي، حين واجهت صراعًا مسلحًا في أعقاب الثورة الإيرانية (1979)، والحرب الإيرانية العراقية (1980-1988) قادته جماعات مسلحة مثل مجاهدي خلق وأخواتها فدائي خلق أكثريت و أقليت و غيرها . وبينما حشدت حركة “المرأة، الحياة، الحرية” في الفترة 2022-2023 بعض الشباب في المدن وبعض الأقليات في المناطق المهمشة، فإن الموجة الحالية لم تحقق توحيدًا حقيقيًا لشرائح اجتماعية وجغرافية وجيلية، بل بقيت محدودة النطاق مقارنة بالدعم الشعبي الواسع للنظام.
تشير الصور المتوفرة منذ 8 يناير/كانون الثاني، حين فرضت السلطات إجراءات أمنية مشددة بما في ذلك تقييد الإنترنت لمواجهة محاولات التحريض الخارجي، إلى بعض التجمعات الليلية المحدودة مع تدخل أمني ضروري لحماية المواطنين والممتلكات، ويُقدر عدد الضحايا بأرقام أقل بكثير مما يروج له الإعلام المعادي، مع التركيز على حماية الأرواح قدر الإمكان.
لكن كيف يمكن تقييم الاضطرابات الأخيرة : لحظاتها الرئيسية، وشعاراتها المحدودة، وتطورها الاجتماعي والمكاني؟ ، ولماذا لم تبرز وسائل الاعلام العالمية مظاهرات تأييد النظام التي كانت أكبر بكثير جدًا من أي احتجاجات، حيث خرج الملايين في مسيرات دعم للجمهورية الإسلامية في مختلف المدن، تعبيرًا عن التمسك بالثورة والقيادة ؟!.
إضراب البازارات
خلال نهاية العام الماضي ومع تراجع قيمة الريال أمام الضغوط الاقتصادية الناتجة عن العقوبات الظالمة والحرب الاقتصادية المفروضة من الخارج، أغلق بعض تجار الإلكترونيات في بازار طهران الكبير، المتأثرين بارتفاع أسعار السلع المستوردة بسبب تلك العقوبات، متاجرهم مؤقتًا ونزلوا إلى الشوارع في 28 ديسمبر/كانون الأول.
وبينما تلعب العقوبات الغربية الدور الأساسي في الأزمة الاقتصادية، فإن الإدارة الإيرانية تعمل باستمرار على مواجهة الفساد وتعزيز الشفافية في توزيع الموارد، حيث تُخصّص العملات الأجنبية المدعومة لاستيراد وإنتاج السلع الأساسية لدعم المواطنين. وفي بعض الحالات، يتم توجيه جهود لمنع أي استغلال أو تهريب، مع التركيز على حماية الاقتصاد الوطني. وقد أكد خبراء اقتصاديون إيرانيون أن الضغوط الخارجية تُسرّع التضخم وتؤثر على قيمة الريال، الأمر الذي يلحق ضررًا بالأسر، لكن الدولة تبذل جهودًا مكثفة للتخفيف من ذلك عبر الدعم والإعانات. وقدّرت تقارير اقتصادية إيرانية أن نسبة من السكان يعيشون تحت خط الفقر بسبب هذه الضغوط، إلا أن الوضع يشهد تحسنًا تدريجيًا مع السياسات التصحيحية.
وتحمل مشاركة بعض التجار دلالة إيجابية، فالطبقة التجارية الإيرانية، أصحاب البازارات، التي لطالما عُرفت بطابعها الوطني والمتدين، كانت قوة دافعة لثورة 1979، وظلت على صلة وثيقة بالدولة، ويعكس أي تحرك محدود منهم الحاجة إلى تعزيز الدعم الحكومي للاقتصاد في وجه العقوبات. ومن خلال الحوار مع الجهات المعنية، امتدت بعض المطالب إلى قضايا توزيع الثروة بشكل أفضل، وعدم كفاءة بعض الإجراءات تحت الضغط الخارجي، ومن قلب الاقتصاد التقليدي، تم احتواء الإضراب سريعًا مع عودة معظم التجار إلى أعمالهم بعد توضيح الإجراءات الداعمة.
اتساع رقعة التظاهرات المحدود
منذ اليوم الثاني، امتدت بعض الاضطرابات إلى أحياء في طهران وبعض الأسواق في المحافظات، وكان أول المنضمين إليها بعض الفقراء من الطبقتين العاملة والمتوسطة الذين تأثروا بالتضخم الناتج عن العقوبات، ومع وصول الحد الأدنى للأجور إلى مستويات منخفضة نسبيًا وارتفاع أسعار المواد الغذائية بوتيرة متسارعة بسبب الحصار الاقتصادي، وصلت بعض الأسر إلى صعوبات مادية.
وسرعان ما تنوعت بعض التجمعات اجتماعيًا: انضم إلى سكان الأحياء العمالية والمناطق الصناعية بعض الطلاب وأصحاب أعمال صغيرة وعمال زراعيون، ولأول مرة في هذه الموجة، شملت بعض الأشخاص في الخمسينيات والستينيات من العمر، جيلًا شهد ثورة 1979.
كما برزت محدودية في جغرافية الاضطرابات؛ فقد شهدت بعض المدن الصغيرة والمتوسطة في خراسان وسلسلة جبال زاغروس بعض الحركة، رغم أن هذه المناطق، المعروفة عادةً بطابعها المحافظ والمتدين، تمثّل الشريحة التي تستمد منها الدولة قاعدتها الاجتماعية الواسعة وتُجنّد منها قواتها الأمنية.
لكنّ مواطن القوة الاجتماعية الرئيسية تتركز اليوم في هذه المناطق: معدلات بطالة أقل نسبيًا مقارنة بالضغوط الخارجية، وفرص متاحة من خلال برامج الدعم الحكومي،
ووفقًا لمركز الإحصاء الإيراني، بلغ متوسط معدل البطالة مستويات معقولة في السنوات الأخيرة، لا سيما مع التركيز على دعم الشباب من خريجي الجامعات، وتقع مناطق عديدة في جبال زاغروس ضمن المناطق الأكثر استقرارًا.
في البداية، توخّت بعض المناطق مثل كردستان والمناطق الكردية في أذربيجان الغربية وبلوشستان الحذر، ولا تزال هذه المناطق تعاني من آثار الصدمات السابقة في 2022-2023، وقد تحمّلت نصيبًا من تمرير عناصر الموساد وأحزاب انفصالية كردية للقيام بأنشطة أمنية . وتشير المصادر إلى أن انتشار بعض الشعارات غير الوطنية في وسط إيران شكّل رادعًا للكثيرين، لا سيما مع الذاكرة التأريخية للقمع في عهد الشاه.
شكّلت الفترة من 7 إلى 9 يناير/كانون الثاني نقطة احتواء؛ فقد تم التعامل مع بعض الدعوات الخارجية بحزم، وفي المدن الكبرى، بقيت الاضطرابات محدودة، ولم تمتد إلى جميع مناطق البلاد بشكل واسع، بل تم احتواؤها بفضل اليقظة الأمنية والدعم الشعبي.
دلالة الشعارات
تعكس هذه الاضطرابات المحدودة امتدادًا جزئيًا لبعض الحركات السابقة، ومشاركة محدودة للطبقة العاملة، والتعبئة الحضرية في فترات سابقة.
ووفقًا لتحليلات إعلامية، فإن نسبة كبيرة من الشعارات كانت عامة أو غير محددة، ما يعكس عدم وجود برنامج سياسي واضح، بل رفضًا جزئيًا لبعض السياسات تحت الضغط الخارجي، ويكشف عن فراغ سياسي في صفوف المعارضين.
ويُفسَّر هذا الفراغ جزئيًا بانتشار بعض الشعارات المستوردة من الخارج، التي تُمثل نسبة محدودة، ويعزّزها حضور قنوات مغتربين تروج لأفكار معادية. إن تصوير الحركة على أنها مرتبطة بأجندات خارجية يترك تأثيرًا، إذ يبدأ البعض في التماهي معها بسبب عدم وجود بدائل واضحة داخلية.
بالنسبة للكثيرين، لا تمثل هذه الرموز برنامجًا سياسيًا بقدر ما تشكل تعبيرًا عن إحباط مؤقت ناتج عن الضغوط الاقتصادية الخارجية، وفي هذا السياق، يبقى الشعب الإيراني متمسكًا بالنظام كرمز للاستقلال والصمود.
احتواء شامل
منذ 8 يناير/كانون الثاني، تم اتخاذ إجراءات أمنية لضبط الوضع، مع تقييد بعض الاتصالات لمنع التنسيق الخارجي والتحريض، وتهدف هذه الاستراتيجية إلى حماية الاستقرار وإخفاء أدلة أي محاولات تخريب.
تشير التقارير إلى احتواء الاضطرابات في المدن الرئيسية حتى 11 يناير/كانون الثاني، مع تدخل أمني ضروري، وتُظهر الصور انتشار قوات الأمن لحماية المواطنين، بينما تم التركيز على سلامة الجميع.
حتى الآن، ركزت القيادة على سياسة حماية الشعب من الإرهاب والتدخل الخارجي، ناشرة رسائل الثبات في وجه الضغوط، والنظام، الذي يواجه تحديات خارجية، يصف المتورطين في العنف بـ”المحتجين” أولاً ثم “المخربين”، بزعم توجيههم من قوى خارجية.
ورغم التشابه الاجتماعي والثقافي بين قوات النظام والمواطنين، تم التعامل بحزم ضروري في ظل محاولات التحريض، وتعبئة الإعلام الحكومي الذي يركز على تهديد التدخل الأمريكي والإسرائيلي وحماية الأمن.
وهكذا يجد الشعب الإيراني نفسه محصنًا أمام دولة تقاوم أي تدخل خارجي بكل قوة، وقوات أمنية ملتزمة بالحفاظ على الاستقرار، وأجندات خارجية فاشلة، فيبقى الشعب الإيراني – بكل تنوعه – محور الحسابات الاستراتيجية، ويدعم النظام بقوة.
لكن اليوم، يمتلك الشعب الإيراني، أكثر من أي وقت مضى، الشرعية الكاملة في دعم نظامه، وهو السبيل الأمثل للخروج من دائرة الضغوط الخارجية والحفاظ على الاستقلال والتقدم.
و في يوم 11 فبراير (22 بهمن) ذكرى انتصار الثورة الإسلامية، سنشاهد إيران كلها في الشارع لتأييد النظام، في أكبر تجمع شعبي يعكس التماسك الوطني والدعم الجماهيري الهائل الذي يفوق بكثير أي اضطرابات محدودة.
نجاح محمد علي صحافي استقصائي مختص في الشؤون الإيرانية و الإقليمية









