الأزمة اللبنانية مفتاح تبدل الدور العالمي للاتحاد الأوروبي..

ثلاثاء, 2020-09-08 04:55

صدام المصالح يهدد بنهاية التحالف العابر للمحيط الأطلسي
تفاعلات ثلاث ازمات شرق أوسطية سلطت خلال الربع الثالث من سنة 2020 الضوء من جديد وبكثافة أكبر من السابق على الخلاف والتنازع المتنامي بين الأطراف القيادية في الاتحاد الأوروبي أي فرنسا وألمانيا من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى، نزاع يكشف عن سعي الاتحاد الأوروبي لبناء سياسة مستقلة عن إملاءات واشنطن وإيجاد مركز مستقل على الساحة الدولية حيث يدور الصراع من أجل إقامة نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب بدل نظام القطب الواحد الذي فرضته الولايات المتحدة منذ بداية العقد الأخير من القرن العشرين مستفيدة من انهيار الاتحاد السوفيتي.
تباين المواقف الأوروبية والأمريكية من الأزمة اللبنانية وترابطها مع حرب بلاد الشام والصراع الدائر في شرق البحر الأبيض المتوسط والحرب شبه الدولية الدائرة على الأرض الليبية، اسرع بكشف الحجم الكبير لتصادم المصالح، واستعداد الطرفين لركوب مخاطر المواجهة، كما فتح الباب على مصراعيه لفرص بناء أوروبا تحالفات دولية واقليمية مرشحة للتصادم مع الحليف القديم على الساحل الغربي للمحيط الأطلسي.
فيما يخص الأزمة اللبنانية عاكست واشنطن جهود فرنسا لمساعدة بيروت اقتصاديا ودفع ساستها إلى التوافق على تشكيل حكومة جديدة تعمل على اصلاح الأوضاع وتبعد خطر الحرب الأهلية، ولم تخف الادارة الأمريكية غضبها من رفض باريس محاولاتها لمنع ممثلي حزب الله المنتخبين من المشاركة في العملية السياسية واقناعها بعض مكونات النسيج السياسي اللبناني بتأجيل النقاش عن دور حزب الله الأمني والعسكري. وقد وصل التشنج الأمريكي من سياسة باريس في لبنان إلى اقدامها على إرسال مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأدنى، ديفيد شينكر إلى بيروت تزامنا مع الزيارة الثانية للرئيس الفرنسي ماكرون وذلك في محاولة لمعاكسة المبادرات الفرنسية.
مقربون من طاقم وزير الخارجية الأمريكي بومبيو ذكروا ان اعلان حزب الله دعمه للمبادرات الفرنسية اعتبر طعنة في ظهر واشنطن.
في خلاف فرنسا ومن ورائها الاتحاد الأوروبي كذلك مع تركيا حول ترسيم المناطق الاقتصادية في شرق البحر الأبيض المتوسط، مالت واشنطن الى تأييد موقف أنقرة، وفي الوقت الذي كثفت فيه البحرية الفرنسية وجودها في شرق المتوسط وقامت بمناورات عسكرية مع اليونان وأطراف اخرى، أرسل الأسطول السادس الأمريكي سفنا للمشاركة في مناورات عسكرية مع تركيا قرب مناطق متنازع عليها.
محللون أشاروا إلى أن قيام البيت الأبيض برفع بعض القيود على تصدير انواع من الأسلحة إلى جمهورية قبرص اليونانية واحتجاج تركيا على ذلك ليس أكثر من عملية علاقات عامة لأن الجانب القبرصي اليوناني لا يملك أصلا قوة عسكرية مؤثرة لها وزنها في المنطقة فهو يعتمد كليا على اليونان.
فيما يخص الأزمة الليبية تقف واشنطن بصراحة إلى جانب حكومة الوفاق التي يترأسها فائز السراج، ولا يخفي السياسيون الجمهوريون في واشنطن امتعاضهم من باريس ويتهمونها بمساندة حكومة عبدالله الثني وجيشها بقيادة اللواء خليفة حفتر ويؤكدون أنه بذلك تتحالف مع معسكر موسكو في الحرب الدائرة في البلد الشمال أفريقي.
ولا ينسى حكام البيت الأبيض عند حديثهم عن تعارض سياسة فرنسا وأوروبا مع مصالح الولايات المتحدة في الاشارة إلى تمسك الأوروبيين بالاتفاق النووي مع إيران الذي انسحبت منه واشنطن، ومعارضتهم داخل مجلس الأمن الدولي وبتنسيق واضح مع موسكو وبكين تمديد حظر بيع السلاح لطهران.
تضارب المصالح بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ليس وليد اليوم بل له أبعاد قديمة.
انقسام التحالف الغربي
يوم الأحد 28 مايو 2017 قالت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، إنه يتوجب على الأوروبيين تولي مصيرهم بأنفسهم لمواجهة الانقسامات التي يشهدها التحالف بين دول الغرب، إثر بريكسيت ووصول دونالد ترمب لرئاسة للولايات المتحدة الأمريكية.
وتابعت “علينا أن نقاتل من أجل مصيرنا” مشيرة إلى أن العلاقات مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يجب أن تكون وطيدة أكثر. وأضافت ميركل أن “الزمن الذي كانت الثقة فيه سائدة وكان بإمكاننا الاعتماد كليا على بعضنا البعض قد ولى. هذا ما اختبرته في الأيام الأخيرة”. وكانت تشير بذلك إلى العلاقة مع الولايات المتحدة التي اهتزت خلال زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى أوروبا.
بداية شهر يونيو 2017 كتب المحلل الصهيوني الداد باك في صحيفة اسرائيل اليوم:
المناوشات الكلامية بين برلين وواشنطن ليست أمرا عابرا، والازمة التي تتطور قد تمنح المانيا فرصة تحقيق حلم قديم وهو الانفصال أخيرا عن الامريكيين والتحول الى قيادة الاتحاد الاوروبي وقوة عظمى في الوسط بين الغرب والشرق، دون اعتمادها على واشنطن أو موسكو، بل لديها خط خاص بها.
الخروج من الطوق الأمريكي
في حوار مع "دويتشه فيله" نهاية شهر مايو 2017 رسم الخبير السياسي والإقتصادي ورئيس تحرير سابق لصحيفة لوموند ديبلوماتيك الفرنسية “النسخة العربية” الدكتور سمير العيطة، سيناريوهات متعددة لمستقبل العلاقات بين أوروبا وأمريكا وتداعياتها في منطقة الشرق الأوسط، في حال ترجمت ألمانيا تصريحات قادتها إلى توجهات جديدة في سياستها الخارجية.
وزير الخارجية زيغمار غابرييل ذكر في تصريحات لصحيفة “راينيشه بوست” الألمانية “من لا يقف في وجه السياسة الأمريكية سيكون مشاركا في المسؤولية… من يسرع وتيرة تحول المناخ عبر تقويض حماية البيئة ويبيع المزيد من الأسلحة في مناطق الأزمات ومن لا يريد حل نزاعات دينية سياسيا فإنه يعرض السلام في أوروبا للخطر”. وأضاف غابرييل أن السياسة قصيرة النظرة للإدارة الأمريكية تتعارض مع مصالح الاتحاد الأوروبي.
فيما يخص الحرب على أرض الشام من الواضح أن ميركل وماكرون يريدان التوصل لتوافق مع روسيا ويغازلان نوعا ما الصين. بما أن الأمريكيين لا يرغبون بمنح الأوروبيين دورا في سوريا، سيبحث الأوروبيون عن دور لهم عبر الروس.
حتما ستأتي دول إقليمية كتركيا وإيران وقطر ومصر لتستفيد من هذا الوضع. طبعا في حال كانت هذه الدول تملك حيزا للحركة. ولكن كل هذه الدول محشورة بين القوة الضاربة للولايات المتحدة وقدرتها على الإخلال بالأنظمة في المنطقة من جهة وبين الدور الضعيف للاتحاد الأوروبي، الذي لا يعرف منذ بداية 2011 أين يذهب.
أطلقت الصين مبادرة “الحزام والطريق”، التي تستهدف دول المنطقة وأوروبا. في خضم التنافس مع الصين، وبعيدا عن الولايات المتحدة ستجد أوروبا مكانا لها لتكون بين الأقطاب الأربعة الكبرى: الصين وروسيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وسيكون هذا في صالح روسيا والصين على حساب الولايات المتحدة.
ما يؤجج الصراعات هي المبادرة الغريبة العجيبة التي تقول بحلف سني إسرائيلي أمريكي، مدى صدق هذا الحلف وقلبه للمعادلات التي نعرفها هي المخاطرة الكبرى. الأوروبيون يريدون خلق موقف مختلف عن هذا الحلف.
نلاحظ فيما يتعلق بالملف السوري، أن الروس يحصرون الموقفين التركي والإيراني بحديهما الأدنى. وأمام الأوروبيين أحد خيارين، إما الانخراط  في التحالف السني الإسرائيلي الأمريكي أو الانخراط في المشروع الروسي، الذي يقول بتحجيم القوتين الصاعدتين، تركيا وإيران، لكي لا تتفجر المنطقة أكثر من حالها اليوم.
تملك أوروبا أوراقا وإمكانيات تخولها خط اتجاه سياسي خارجي خاص بها والتغريد بعيدا عن الولايات المتحدة.
تملك أوروبا، والألمان والفرنسيون خاصة، اقتصادات قوية مصدرة، دون اللجوء للتصنيع الرخيص والبخس. كما يتمتع الأوروبيون بعلاقات مع كل الأقطاب الصاعدة من الهند للصين للبرازيل لأمريكا اللاتينية. إذا تخلصت أوروبا من الفكرة القديمة، والتي تقول أن أوروبا تستطيع التحرك فقط عندما تكون أمريكا بظهرها، عندها ستتمكن من خط سياسة إرادية.
سلاح صندوق النقد الدولي
جاء في تحليل صدر في بيروت يوم 3 سبتمبر 2020 بعد زيارة الرئيس الفرنسي الثانية لبيروت:
المبادرة الفرنسية "سالكة" داخليا. لكن يبقى معيار نجاحها، من وجهة نظر القوى التي سمت مصطفى اديب لترؤس الحكومة، هو في الموقف العملي لواشنطن. الإشارة "الإيجابية" هي إعلان وزير الخارجية الأمريكي عن تشارك الأهداف نفسها مع فرنسا حول لبنان، ولكن تبقى العبرة في التنفيذ: فهل ستسمح واشنطن بوصول الأموال إلى لبنان؟.
أما وقد غادر رئيس فرنسا، ماكرون لبنان، بعد أن وزع البيان الوزاري الفرنسي للحكومة اللبنانية الجديدة، وأعطى إرشاداته للطبقة الحاكمة، بات الشغل الرئيسي ينصب على مراقبة المواقف الأمريكية. فمهما بلغت جدية المبادرة الفرنسية الأوروبية، والغطاء الممنوح لحكومة مصطفى أديب في تنفيذ "الإصلاحات" المطلوبة منها، لا يمكن التغاضي عن أن "زر التفجير" موجود بين يدي الجانب الأمريكي. الأخير قادر على نسف ما قام به ماكرون. الاختبار سيكون بالمواقف العملية.
هل سيعرقل المسؤولون الأمريكيون الخطوات العملية الفرنسية؟ على سبيل المثال لا الحصر، بعد تأليف مجلس الوزراء، سيعود لبنان إلى التفاوض مع صندوق النقد الدولي. المؤسسة التي تضم 189 عضوا فيها، تهيمن عليها واشنطن وحلفاؤها.
ولأن من غير الممكن التصرف وكأن قروض الصندوق منفصلة عن العلاقات والشروط السياسية، يجوز عندها السؤال إن كانت الولايات المتحدة ستسمح بأن يحصل لبنان على قروض من صندوق النقد، ينظر إليها داخل السلطة، كـ"حل" وحيد للأزمة الخانقة، فيما يضع ماكرون الاتفاق مع "الصندوق" على رأس أولويات الحكومة المقبلة.
محللون يختلفون مع هذه النظرة ويشيرون إلى أن الاتحاد الأوروبي يملك القدرة المالية والاقتصادية على تقديم الدعم الضروري للبنان لو عطلت واشنطن صندوق النقد الدولي.
التعليقات الأمريكية الأولية بعد زيارة ماكرون لا تزال تتأرجح بين الشد والإرخاء. ولا يزال الاختلاف في مقاربة المواضيع ظاهرا. ماكرون، مثلا، "اعترف" بتمثيل حزب الله الشعبي وبكونه "مكوّنا لبنانيا" أساسيا، لا يمكنه "واقعيا"، تجاوز الحوار معه. واعتبر أنه في المرحلة الراهنة، يجب تأجيل البحث بملفات خلافية، كالاستراتيجية الدفاعية، في حين أن السياسة الأمريكية لا تزال تدور حول تكثيف الضغوط على حزب الله وحلفائه، وتغيير موازين القوى في البلد لإبعاد كل تهديد عن إسرائيل وتوجيه ضربة لحكومة دمشق عن طريق تصفية أحد اقوى حلفائها.
مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأدنى، ديفيد شينكر وصف يوم 2 سبتمبر لصحيفة "الشرق الأوسط" حزب الله بأنّه "جزء كبير من المشكلة، ليس مهتما بالإصلاح ويفضل الوضع الراهن"، كاشفا عن أن العمل أمريكيا لا يزال مستمرا "وستكون هناك تحقيقات للوصول إلى فرض العقوبات على بعض الشخصيات". حتى إن شينكر قرر "مقاطعة" السياسيين، حاصرا لقاءاته بشخصيات معارضة وجمعيات من "المجتمع المدني" ليستمع إلى ما "يريده الشعب". فأتى الرد على هذه النقطة من النائب السابق وليد جنبلاط، في حديث إلى الـ"ال بي سي"، قائلا: "وما يلتقي… شو بعمل؟ ما رح تخرب الدني إذا ما التقينا".
جنبلاط ظهر مرتديا لباسه "المعتدل"، ومخالفا التوجهات الأمريكية بالقول: "العقوبات على حزب الله لن تضعفه، بل ستضعف الاقتصاد اللبناني، وأنصح دول الخليج بأن تنضم إلى المبادرة الفرنسية"، متوجها إلى وزير الخارجية الأمريكي بومبيو بالسؤال "هل تريد مساعدة الفرنسيين في الشق الاقتصادي؟ الكابيتال كونترول أمر ضروري مع تصور مصرفي جديد".
وضع العصي في الدواليب استمر، مع إعلان الخارجية الأمريكية لقناة "العربية" شرطها أن "لا يكون حزب الله جزءا من الحكومة اللبنانية".
التعويل على المبادرة الفرنسية عبر عنه أيضاً الرئيس ميشال عون. فقال إن "اندفاعة ماكرون تجاه لبنان، يجب أن يقابلها عزم لبناني على مساعدة أنفسنا، وتأليف حكومة قادرة وشفافة في أسرع وقت ممكن للبدء باتخاذ خطوات إصلاحية فورية تسهم في إطلاق عملية إنقاذ لبنان وتقديم الدعم الدولي له".
عمليا، أدت المبادرة الفرنسية أيضا إلى "فك الحصار الاقتصادي الأمريكي على لبنان، وتعليق الضغوط الأمريكية على الأوروبيين لعزل حزب الله داخليا". هذه الضغوط توجت بإعلان ألمانيا حزب الله "منظمة إرهابية"، وفيما تدور أحاديث أمريكية عن اتجاه دول أوروبية لإعلان قرار مماثل، "يقرر رئيس دولة أوروبية أساسية، ودائمة العضوية في مجلس الأمن، المجيء إلى لبنان والاجتماع مع رئيس الكتلة النيابية للحزب، وهو شخص مدرج على لائحة العقوبات الأمريكية". كما أن السفير الفرنسي في بيروت، عقد أكثر من لقاء مع مسؤول العلاقات الدولية في "الحزب"، النائب السابق عمار الموسوي، وكذلك فعل وزير الدولة الفرنسية للشؤون الفرنكوفونية، الذي كان في بيروت بمثابة موفد رئاسي.
الدور التركي
حذرت مصادر رصد في العاصمة الألمانية برلين من أنه وكما الحال بالنسبة للصراع على الساحتين السورية والليبية لجأت واشنطن إلى استخدام تركيا "كمتعاقد من الباطن" لتحقيق عدد من أهدافها في لبنان خاصة ما يتعلق بضرب حزب الله، وهو ما يحظى بدعم إسرائيلي واضح.
وتشير تلك الأوساط إلى نمو الدور التركي الذي يسعى إلى "ملء الفراغ" في لبنان، في ظل حركة نشطة تقوم بها أنقرة، سواء في طرابلس أو بيروت، عبر تعميق علاقاتها مع جماعات إسلامية، وهو ما قد يؤدي إلى نتائج سياسية كارثية.
جاء في تحليل نشر في لندن يوم 4 أغسطس 2020:
بعد 100 عام على تفكك السلطنة العثمانية وإعلان دولة تركيا العلمانية ضمن حدودها الجغرافية المعروفة، تعود أحلام استعادة أمجاد السلطة العثمانية التي حكمت الشرق طيلة أربعة قرون للاستيقاظ من جديد، ويشير التدخل العلني للجيش التركي في أكثر من ميدان عربي من العراق وسوريا وصولا إلى ليبيا، إضافة إلى دعم وتبني تنظيم "الإخوان المسلمين" كأيديولوجيا سياسية دينية، تمهد للتغلغل البطيء داخل العالم العربي والإسلامي.
ومنذ اندلاع الأزمة السورية في العام 2011 بدأ التسلل التركي إلى الميدان السوري واضحا، وفي السياق نفسه تتداول أوساط سياسية معلومات عن سعي تركيا للتدخل في لبنان مثلما فعلت في سوريا والعراق وليبيا واليمن وقطر والصومال، وتستثمر في ذلك المكون السني المتمثل بجماعة "الإخوان المسلمين" والأقلية التركمانية. كما أن الأزمة السياسية والاقتصادية التي يمر بها لبنان حاليا تشكل أرضية خصبة لهذا التمدد ولاسيما انطلاقا من ساحة شمال لبنان عامة ومدينة طرابلس خاصة.
ووفق المعلومات فإن المفارقة الوحيدة بين لبنان والدول الأخرى أنه لا يرتكز على جماعة "الإخوان المسلمين" إنما من ضمن مجموعات منضوية في إطار الانتفاضة الشعبية وبعض الشخصيات السياسية والدينية الفاعلة.
وتشير مصادر دبلوماسية فرنسية إلى أن أحد أبرز أهداف الاندفاعة الفرنسية تجاه لبنان هو تطويق النفوذ التركي المتمادي في الشرق الأوسط خصوصا أنه بات يصطدم بالمصالح الفرنسية في شمال أفريقيا ولا سيما ليبيا وتونس، مؤكدة أن فرنسا تؤيد سياسة حياد لبنان بدلا من تقاسمه بين هيمنة إيرانية وتغلغل تركي مستجد.
وتلفت المصادر إلى أن توسع تركيا خارج حدودها بات يهدد الاستقرار في المنطقة وهو لا ينسحب على المنطقة العربية فحسب إنما تداعيات التوتر بدأت تظهر من إقليم "ناغورني كاراباخ" المتنازع عليه بين أرمينيا وأذربيجان وصولا إلى الحدود اليونانية وجزيرة قبرص، مؤكدة ضرورة التحرك السريع من قبل الاتحاد الأوروبي وأن فرنسا ستعمل على ذلك.
وتتخوف المصادر الفرنسية أن يكون الدخول التركي إلى شمال لبنان بضوء أخضر أمريكي بهدف إحداث توازن إقليمي بين التواجد الروسي على الساحل السوري مقابل حضور تركي نشط على الساحل اللبناني الشمالي، معتبرة أن هكذا توجه قد يعرض وحدة الأراضي اللبنانية للخطر.
وفي هذا السياق، يؤكد القيادي في تيار المستقبل مصطفى علوش، أن السعي التركي لتوسيع دائرة الوجود مع بعض النفوذ ليس بجديد، ويقول "منذ عقدين بدأ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان التواصل مع تجمعات ذات أصول تركمانية في عكار"، ويضيف أن طرابلس بالذات لا تزال تحمل بعض الذكريات العثمانية في تاريخها ولكن ما يحدث اليوم هو أن الفراغ الذي أحدثه غياب العرب الفاعل عن الوجود في الساحة السنية فتح الباب أمام اللاعبين على المستوى المذهبي للإيحاء بأنهم البديل الراعي وهذا ما دفع البعض للاستفادة من الاندفاعة التركية نحو توسيع النفوذ على مستوى البحر المتوسط".
ويعتبر الباحث والمتخصص في الشؤون التركية خورشيد دلي، أن تركيا كدولة اقليمية لها طموحات بالسيطرة والهيمنة وتوسيع النفوذ الاقليمي، "هي تفكر أن يكون لها دور في لبنان لذلك سعت خلال السنوات الماضية إلى توسيع عوامل قوتها"، مشيرا إلى أن "هذا التوسع مبني على مجموعة مسارات منها بناء جمعيات لبنانية تركية تعمل في مجال الثقافة والخدمات ولا سيما تعليم اللغة، وكذلك اهتمت بشكل خاص في المناطق التي تقع شمال لبنان وتحديدا طرابلس وعكار وبلدة الكواشرة وقرى من أصول تركمانية".
ولفت إلى زيادة الأشخاص الذين باتوا يعتبرون أنفسهم أنصارا لتركيا في لبنان والذين أصبحوا يخرجون إلى العلن في الشوارع ويؤيدون السياسة التركية، مؤكدا أن "مثل هذا الدعم يحظى برعاية رسمية من السفارة التركية في لبنان والحكومة التركية".
واعتبر أنه "بسبب توسع النشاط التركي بدأنا نسمع تصريحات وتقارير تتحدث عن الدور التركي، ولعل ما يثير الخوف من هذا الدور هو تدخلات تركيا في سوريا والعراق وليبيا، والخوف من تكرار مثل هذا السيناريو"، مشدداً على أن "هدف تركيا في لبنان هو السعي لأن تتحول إلى دولة تؤثر في السياسة الداخلية أي بمعنى أن تكون لها جماعات سياسية تتبعها وتجعل منها مرجعية، وتركيا في هذا الامر تعتمد على جماعات الإسلام السياسي ولا سيما التيارات الإخوانية، ليكون هدفها إعادة دور التركي بشكله الجديد أي كما يقال العثمانية الجديدة".
وتابع "أما الهدف الثاني فله بعد اقتصادي وهو أن تركيا الآن في صراع على الطاقة والغاز والنفط في المتوسط، هناك محاور اقليمية تتشكل، واعتقد ان أحد اهدافها الاساسية هو الوصول إلى مثل هذه التحالفات مع لبنان كي يدخل معها في الصراعات القائمة على الطاقة في المتوسط".
وعن تداعيات التقدم التركي في لبنان على هذا النحو قال "سيكون على حساب نفوذ بعض الدول العربية، فتركيا معروفة انه لديها نموذج مختلف تحاول فرضه بكل الوسائل التي تسمى الحرب الناعمة"، مشيرا إلى أن "تركيا استفادت من الخلافات داخل المرجعيات الاسلامية السنية في لبنان وتشتت هذه المرجعية وضعفها وبالتالي ربما تركيا وجدت في هذا الأمر جسرا إلى بناء أو تشكيل حالة سياسية جديدة".
الصين وروسيا
في نطاق محاولات الاتحاد الأوروبي التحرر من الهيمنة الأمريكية يرى محللون أن هناك إمكانية واقعية لقيام تعاون ولو مؤقت مع كل من الصين وروسيا فيما يخص مشاكل الشرق الأوسط المتنوعة خاصة أن مواقفهم متقاربة فيما يخص الصراع الليبي وفي شرق المتوسط وقضية الاتفاق النووي مع ايران ونظام التجارة العالمي، مستشهدين بالتفاهمات التي توصلت اليها هذه الأطراف في مجالات أخرى.
 يوم الجمعة 14 يونيو سنة 2019 أعلنت روسيا، الاتفاق مع الاتحاد الأوروبي على تشكيل مجموعة عمل لتقليص حصة الدولار في ميزان المدفوعات بينهما والانتقال إلى الروبل واليورو، ما ينذر بحرب عملات.
وقال أندريه لافروف الناطق الرسمي باسم وزارة المالية الروسية، إن بلاده اتفقت على ذلك مع نائب رئيس المفوضية الأوروبية لشؤون الطاقة ماروش شيفوفيتش.
وأضاف لافروف أن الجانبين "شددا على أهمية استخدام العملات الوطنية في تجارة الطاقة بهدف تقليل المخاطر التي قد يتعرض لها قطاعا الأعمال في روسيا والاتحاد الأوروبي".
وحسب بيانات المركزي الروسي، فإن حصة التعاملات بالروبل في تجارة روسيا مع الاتحاد الأوروبي تبلغ 8.3 بالمائة فقط، فيما تشكل حصة اليورو 34.3 بالمائة أما الحصة الأكبر فتعود للدولار 54 بالمائة. ويرجع ذلك بشكل أساسي كون إمدادات النفط والغاز يتم احتسابها بالدولار.
وفي 7 يونيو 2019، قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن الدولار بات أداة في يد الولايات المتحدة للضغط على دول العالم.
وفي 12 أغسطس 2018 قال وزير المالية الروسى أنطون سيلوانوف، إن الدولار الأمريكي، أصبح أداة غير موثوق بها في تعاملات التجارة الدولية.
وأوضح سيلوانوف حينها أن بلاده تفكر في استخدام العملات الوطنية في معاملاتها الخارجية بدلا من الدولار.
وفي 2018، بلغت صادرات روسيا إلى الاتحاد الأوروبي 204.897 مليارات دولار والواردات 89.27 مليار دولار، وفق بيانات رسمية.
ونمت حصة الاتحاد الأوروبي في إجمالي حجم التجارة الخارجية الروسية على أساس سنوي من 42.1 بالمائة إلى 42.7 بالمائة في 2018.
واللافت أن هذا الاتفاق يأتي في ذروة النزاع التجاري الذي فجره الرئيس الأمريكي مع الشركاء الأوروبيين والصين وكندا والمكسيك.
واستغلت موسكو كذلك الخلافات الأوروبية الأمريكية لانتزاع مكاسب سياسية وتجارية، حيث يشير الاتفاق الأخير إلى أنها تتحرك بثبات لتعزيز الجبهات الدولية في وجه الهيمنة المالية الأمريكية.
والاتفاق الأخير أيضا هو جزء من إستراتيجية روسية أوسع تستهدف كسر هيمنة المؤسسات المالية الأمريكية على العالم.
وكانت روسيا قد أعلنت صراحة في السنوات الأخيرة أن التوجه القائم والمساعي السابقة مع بكين تستهدف تشكيل تكتل اقتصادي وسياسي، موجه لكسر هيمنة النظم الاقتصادية والمالية الأمريكية وإحداث نوع من التوازن في العلاقات الدولية.
وسبق لروسيا والصين أن قادا جهودا مشتركة في السنوات الأخيرة انتهت بتأسيس البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية "أيه.آي.آي. بي" وهو بنك دولي تأسس عام 2014 وقامت بكين بإنشائه برأس مال قدره 50 مليار دولار ويضم أكثر من 35 دولة مساهمة ليس من بينها الولايات المتحدة التي تخشى أن ينافس البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وبنك التنمية الآسيوي.
ولا يستبعد محللون أن تشن روسيا والصين إلى جانب الاتحاد الأوروبي حرب عملات تستهدف تقليص هيمنة الدولار على التعاملات التجارية العالمية وتخفيض قيمته.
دور الوسيط
جاء في تحليل كتبته المحللة كاثرين شكدام بعنوان "فرنسا تتحدى عدوانية أمريكا وترنو إلى أن تصبح وسيطا في منطقة الشرق الأوسط":
بقيت أوهام العظمة التي راودت ديغول لمدة طويلة مجرد أحلام لم تتحقق، إذ قبل ظهور أمريكا كقوة عظمى كانت القارة القديمة -بما فيها فرنسا- تتراجع بنحو كبير، وخضعت للنظام الجديد، فلم تهتم الدولة العظمى الجديدة بالتعاون مع أوروبا بل كانت أكثر اهتماما بإيجاد دول تابعة لها. وبعد عدة عقود نجت فرنسا من محاولات الرئيس الأسبق جاك شيراك العابرة في الوقوف ضد الحشد العسكري الأمريكي عشية غزو العراق عام 2003.
أما الرئيس الفرنسي الحالي إيمانويل ماكرون فقد دخل حيز السلطة بعد مدة من الهدوء السياسي، فبعد توليه للسلطة، أعلنت فرنسا عن مطالبتها بأن تكون الوسيط الجديد في منطقة الشرق الأوسط، إذ تعد بديلا مثيرا للاهتمام للرئيس الأمريكي دونالد ترمب المحب للحروب.
ويلاحظ قراء الإبداع السياسي لماكرون أنها أتت في منعطف مثير للاهتمام، إذا أخذنا في الحسبان مدى تأزم الوضع في المنطقة في ظل تغير التحالفات الجيوسياسية، وتعمق الأزمة في اليمن والعراق، والاتفاق النووي الإيراني.
ومع ظهور أزمة جديدة في المنطقة، بإمكان فرنسا حقا أن تعيد بلورة نفسها من خلال إحياء تلك الروابط المفقودة، وإن كانت رؤية ماكرون السياسية مختلفة تماما عن تلك التي امتلكها الجنرال ديغول، فسيكون من قلة الذكاء عدم رؤية النمط المشترك لكلا الجانبين المتمثل بالتأكيد السياسي من خلال التعاون على أساس القومية السيادية.
لقد دعا الرئيس الفرنسي ماكرون المجتمع الدولي إلى الحفاظ على حوار دائم مع إيران وليس إلى قرع طبول الحرب، مبتعدا بذلك عن الكتلة الأمريكية الإسرائيلية، وقال: “إن المسار الذي يتبعه حلفاؤنا الذين ينددون بالاتفاق النووي الإيراني، هو الطريق الذي يمهد للحرب على إيران”، مشيرا إلى أن فرنسا تعد هذا المسار “استراتيجية متعمدة”، ولكنها ملتزمة بالحفاظ على التوازن في المنطقة.
وأضاف ماكرون: “إذا لم نكن حذرين، سينتهي بنا المطاف إلى إعادة بناء “محور الشر”، مشيراً إلى خطاب الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الذي استخدم هذا المصطلح لوصف الدول التي تتبع الأنظمة الدكتاتورية مثل: إيران، والعراق وكوريا، الشمالية.
وتعزز هذا الدعم للسلام مع إيران من خلال اتباع ماكرون لقدر كبير من ضبط النفس في التصدي لموجة الاحتجاجات التي شهدتها إيران، وهو تناقض واضح لنهج واشنطن العنيف. بيد أن تحدي الرئيس ماكرون لم يسلم من الأوساط الفكرية والسياسية في فرنسا، فقال فرانسوا كليمنسيو -خبير في السياسة الدولية: إن استراتيجية ماكرون في الشرق الأوسط تختلف اختلافاً كلياً عن تلك التي يتبعها البيت الأبيض، مما قد يؤدي إلى حدوث تصادم بين واشنطن وباريس.
ويرى الرئيس الفرنسي ماكرون ما تتعرض له المنطقة من آلام متزايدة ومحاولتها في تطوير المواءمة الجيوسياسية رؤية مخالفة لرؤيةِ الرئيس الأمريكي ترمب الذي يميل إلى سحق تلك المحاولات خوفا من أنها ستجبر التكفل بتحقيقها، إذ تبنى ماكرون موقفا سياسيا شبيها لما يتبعه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إذ إنه يدرك أن الانفراج السياسي، وحل النزاعات يسهل تنفيذهما بناء على خلفية التعاون الاقتصادي الذي يحقق المنفعة المتبادلة.
وعلى نسق تحذيرات الرئيس الفرنسي للولايات المتحدة، فقد انتقدت وزارة الخارجية الروسية نهج واشنطن “المدمر” للاتفاق النووي، إذ اتهم نائب وزير الخارجية سيرغي ريابكوف الولايات المتحدة باستغلال الوضع الحالي في إيران كذريعة لتقويض الاتفاق النووي. وقال ريابكوف لوكالة "تاس" الروسية: “يظهر الوضع الحالي فشل واشنطن في اغتنام الفرصة لإقامة قضايا جديدة خاصة بخطة العمل المشتركة الشاملة، فهي تحاول متعمدة تقويض التزام المجتمع الدولي بخطة العمل المشتركة الشاملة وتدميره.
وعلى الرغم مما ذكر آنفاً بشأن إيران إلا أن الحديث عن أي تقارب حقيقي بين باريس وطهران سابق لأوانه، بيد أن الرئيس الفرنسي ماكرون تمكن من قطع مسافة كبيرة للتقارب من إيران، الذي يعد تحولا دراماتيكيا إذا قلنا إن كلا من فرنسا وإيران كانا عالمين بعيدين عن بعضهما بعضا منذ عام 1979.
ومن المثير للاهتمام أن نرى أن رغبة الرئيس ماكرون بممارسة ضبط النفس الدبلوماسي تجاه إيران كانت أقل وضوحا عند تعامله مع العراق، ففي هذا الملف كانت الانتقادات الصادرة من قصر الأليزيه الحاكم ليبرالية أكثر، لكن خطة الرئيس ماكرون في العراق لمرحلة ما بعد تنظيم داعش تشمل تفكيك قوات الحشد الشعبي الشيعي.
إن رغبة فرنسا الجديدة في أن تكون وسيطا للسلام من الممكن أن تثبت أنها شريان الحياة المفيد في المنطقة التي تعاني من انعدام الاستقرار والسياسة غير المعروفة. وبعد مرور عقود من خطاب الجنرال ديغول عن الحاجة إلى تحدي الإمبراطورية الأمريكية، قد تكون فرنسا قد انبرت لمواجهة هذا التحدي وحددت مسارا لنهضة السياسة الأوروبية.
مضاعفات رهيبة
جاء في تقرير كتبه مايكل يونغ لمركز كارنيغي للشرق الأوسط ونشر يوم 12 يونيو 2020:
يتعين على لبنان أن يتنبه كليا إلى تقرير صدر في 10 يونيو عن لجنة الدراسات الجمهورية في الكونغرس، تضمن توصيات حول مروحة من مسائل السياسة الخارجية. معروف أن هذه اللجنة تضم مجموعة من نواب محافظين أمريكيين، وما تكتبه حول الشرق الأوسط عموما، ولبنان على وجه الخصوص، يجب أن يثير قلقا شديداً في بيروت.
تركزت توصيات اللجنة على احتواء النفوذ الإيراني في المنطقة، من خلال تشديد "حملة أقصى الضغوط" على طهران. لكن ما هو جديد هنا هو ضم لبنان إلى هذه الجهود، إذ يدعو التقرير إلى أمرين يتعلقان به:
فهو يطلب، أولا، إنهاء المساعدة الأمنية للجيش اللبناني. كما يدعو الكونغرس في الفقرة نفسها، وبسبب ما يسميه سيطرة حزب الله على لبنان، إقرار تشريع "يحظر إرسال أي من أموال دافعي الضرائب إلى صندوق النقد الدولي لإنقاذ لبنان"، لأن هذا لن يعني "سوى مكافأة حزب الله، فيما المحتجون في لبنان يطالبون بوضع حد للفساد والوقوف في وجه حكم حزب الله".
التوصية الثانية هي أنه يتعين على الولايات المتحدة معاقبة حلفاء حزب الله في لبنان، وهو يذكر بالاسم شخصيتين يجب استهدافهما: صهر الرئيس ميشال عون جبران باسيل ورئيس مجلس النواب نبيه بري.
مصير هذه التوصيات ليس واضحا. إذ هناك أغلبية ديمقراطية في مجلس النواب وهذه سنة انتخابية، ولذا ثمة عقبات كأداء أمام تحويل هذه الأفكار إلى إجراءات تشريعية فعلية. إضافة إلى ذلك، حتى في داخل الإدارة، يعارض وزير الخارجية مايك بومبيو تعليق المساعدات للبنان. ومع ذلك، ثمة هنا قضية أعمق لا ينبغي تجاهلها أو القفز فوقها: فالتوصيات تتسق بحزم مع إطلالة إسرائيل على الوضع اللبناني، ما قد يساهم في إسباغ الجاذبية الحزبية الثنائية عليها من الجمهوريين والديمقراطيين.
ثم: لطالما أعرب مسؤولون إسرائيليون ورد الاستشهاد بهم في التقرير عن اعتقادهم وربما كان اعتقادهم في محله، أن ترسانة صواريخ حزب الله تفرض تهديدا استراتيجيا على إسرائيل. هؤلاء يتبنون وجهة نظر وزير الدفاع الإسرائيلي السابق أفيغدور ليبرمان بأن "لبنان يساوي حزب الله"، ولذا فهم يرون أن الولايات المتحدة لا تستطيع إضعاف الحزب إلا من خلال شل لبنان.
ومن سخرية الأقدار أن باحثا لبنانيا أمريكيا في مركز أبحاث مرتبط بالحملة جرى الاستشهاد به في القرار، لخص بعناية المنطق السائد في مقال كتبه حين قال: "إن استقرار لبنان، الذي يعني استقرار النظام الإيراني والقاعدة الإيرانية المتقدمة فيه ليس، في الواقع، من مصلحة الولايات المتحدة".
صحيح أن توصيات اللجنة الجمهورية قد تذهب إلى أبعد بكثير من مجرد احتواء حزب الله. لكن، لو كانت معادلة ليبرمان التي ساوى فيها بين لبنان وحزب الله صحيحة، لكانت اللجنة امتنعت عن ذكر العديد من اللبنانيين الذين يعارضون أجندة الحزب. ثم إن الحكم على كل اللبنانيين ومعاقبتهم لأن حزبا واحدا فرض إرادته عليهم بقوة السلاح، هو أمر جدير بأن يعاد النظر به. 
علاوة على ذلك، منع صندوق النقد الدولي من الإنقاذ لن يقود إلى أقل من دمار لبنان الاجتماعي والسياسي، لأنه سرعان ما ستنضب فيه العملة الصعبة لاستيراد الضروريات الحيوية كالمواد الغذائية والطبية والوقود. كما أن الأمور ستزداد سوءاً أكثر بكثير إذا ما طبقت واشنطن قانون قيصر، أي التشريع الذي يعاقب نظام الأسد والمتعاملين معه، الأمر الذي سيغلق صمام الأمان الذي يسمح للبنان بنقل المبادلات التجارية عبر سوريا. وهكذا، سيجد لبنان نفسه وقد أصبح فنزويلا التي تعتاش على المنشطات.
إذا كانت اللجنة الجمهورية مهتمة حقا بأولئك اللبنانيين الذين يطالبون بوضع حد للفساد ووقفوا ضد حكم حزب الله، فإن طريقة مساعدتهم لا تكمن بالتأكيد في إفقارهم، وحرمان أولادهم من مستقبل يتطلعون إليه، ولا في خلق وضع قد يشعل نزاعاً أهليا وربما حتى طائفيا.
هذا بالطبع إذا لم تكن الحسابات في العمق، والتي لم يكشف النقاب عنها، تقوم على أن نشوب حرب أهلية سيكون وسيلة مثلى لتحييد حزب الله، تماما كما فعلت الحرب الأهلية 1975- 1990 حين أنزلت أضرارا فادحة بمنظمة التحرير الفلسطينية. إذا كانت هذه هي الحسبة، فإن على صناع القرار الأمريكيين ومستشاريهم غير الأخلاقيين الاستعداد للتعاطي مع المضاعفات المحتملة التي ستفرزها ولادة دولة فاشلة أخرى في المنطقة، الأمر الذي ستكون له حتما تبعات سلبية على الغرب.
 
عمر نجيب
[email protected]