كوابيس ترامب / عبد الحليم قنديل

ثلاثاء, 2016-11-22 14:23

قبل سبع سنوات وشهور من اليوم، وجهت لي رئاسة المخلوع مبارك دعوة رسمية لحضور حفل خطاب أوباما الشهير في جامعة القاهرة، وكانت تلك هي المرة الوحيدة التي خاطبتني فيها الرئاسة إياها بغير لغة القمع والمطاردة والتجويع.
كنت وقتها المنسق العام المنتخب لحركة «كفاية»، وقد انتظرت إلى أن وصلت الدعوة بالسلامة إلى منزلي، ثم عقدنا مؤتمرا صحافيا، مزقنا فيه دعوة الرئاسة على رؤوس الأشهاد، ورفضنا المشاركة في لقاء الزور، وكان رأينا ولا يزال، أن أمريكا ليست جمعية خيرية، وأن الحدأة لا ترمى الكتاكيت، وأن وجود أمريكا في مصر، وتكثيف حضورها منذ زيارة نيكسون في أواسط السبعينيات، وتطور ما أسمى «العلاقة الخاصة» مع واشنطن، كانت العلامة الأظهر على هوان وانحطاط لحق بالبلد، واحتلال للقرار الاقتصادي بعد السياسي، وإضعاف وإهلاك قوة مصر الذاتية، وعلى طريقة كلام السادات عن التسعة والتسعين بالمئة من أوراق اللعبة التي في يد أمريكا، وقد زادها تابعه المخلوع مبارك إلى المئة بالمئة، وهي اللعبة ـ اللعنة التي أصابت مصر، وتدهورت بمكانتها واقتصادها، رغم سيل المعونات المشروطة، فقد كانت أمريكا «تملي أوامرها بالتليفون» كما قال الرئيس السيسي ذات مرة، وهو ما يصح أن نتذكره دائما، وألا نعود إلى حالة الولع المرضي بالرضا الأمريكي الخادع.
وعلى طريقة حماس دوائر في الإعلام والسياسة المصرية لانتخاب دونالد ترامب رئيسا جديدا لأمريكا، وعلى ظن أنه رجل النعمة لا عنوان اللعنة ذاتها، وأنه قد يحل لنا مشاكلنا كما يتصور صبيان ترامب، أو يخوض عن النظام حربه الداخلية مع جماعة الإخوان المحسوبة على هيلاري كلينتون. وقد فكر المخلوع مبارك في مخالفة أمريكا لمرة واحدة، كان ذلك في أواسط الثمانينيات، وأراد المخلوع أن يفعل شيئا لحسابه، ودون أخذ رأى واشنطن، وعقد اتفاقا خاصا مع الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات لتسوية مضاعفات عملية خطف السفينة «أكيلي لاورو»، واحتجازها في ميناء بورسعيد بعد مقتل مواطن أمريكي يهودي كان من ركابها، واتفق مبارك مع عرفات على إرسال الخاطفين الفلسطينيين إلى مقر قيادة منظمة التحرير وقتها في تونس، وحملتهم طائرة مصرية خاصة، ما كادت تطير حتى واجهتها المقاتلات الأمريكية في سماء البحر الأبيض المتوسط، وأجبرتها على الهبوط في قاعدة أمريكية جنوب إيطاليا، واحتجزت الفلسطينيين الذين كانوا في حماية مصر، وخرج الرئيس الأمريكي وقتها رونالد ريغان في مؤتمر صحافي، وأشهر غضبه العنيف من سلوك مبارك، فقد كانت العملية من أولها تحت عين المخابرات الأمريكية، وكانت تليفونات ومكالمات مبارك تحت التنصت المباشر، ومن وقتها، لم يفكر مبارك أبدا في معارضة أمريكا جهرا ولا سرا، وظل التابع الأمين إلى أن جرى خلعه بثورة الشعب المصري، ورمته واشنطن في سلة المهملات، وعاملته ـ كما قال ترامب ـ معاملة الكلاب الضالة، فأمريكا لها مصالح دائمة لا أصدقاء دائمين، وقد عاملت مبارك كما عاملت شاه إيران الأخير من قبله، رغم أن مبارك قدم إليهم نجله ليخلفه، وذهب جمال مبارك في زيارة سرية للبيت الأبيض أواسط عام 2006، ودخل من باب الخدم ليلتقي الرئيس وقتها جورج بوش الابن، وفكرت أمريكا في الموضوع، وبدا أنها قد تتحمس له، إلى أن عاجلتها ثورة الشعب المصري بالضربة القاضية، وخلعت الأب والابن، ولم يختلف مصير حكم الإخوان الذين راهنوا على أمريكا وعطف أوباما وهيلاري كلينتون، فأمريكا لا تعترف ولا تخضع لغير حقائق القوة الواقعية، وكان ذلك سلوك كل الرؤساء الأمريكيين، من ذهب ومن يأتي، فسيد البيت الأبيض ليس حاكما فرديا مطلقا، وليس بوسعه أن يقرر خارج المؤسسة، وقد يكون قدوم ترامب شرا أو خيرا للأمريكيين، فهذا شأنهم فيمن ينتخبون، لكن ما يفيد الأمريكيين لا ينفعنا بالضرورة، و»المتغطي بأمريكا دائما عريان»، ربما باستثناء «إسرائيل» التي هي «الصديق الإجباري» الدائم لكل من يحكم البيت الأبيض، حتى لو كانت أمريكا تشهر إفلاسها الحضاري والسياسي بانتخاب شخص كترامب.
وقد كان فوز الملياردير دونالد ترامب له وقع المفاجأة، وأثار ما أثار من ردود فعل متصلة في المدن الأمريكية الكبرى، تماما كما كان الفوزالصاخب لباراك أوباما قبل ثمانى سنوات، وكانت الضحية في الحالتين هي هيلاري كلينتون نفسها، فقد هزمها أوباما في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، وسحقها ترامب في الانتخابات العامة، وجاء فوز ترامب تعبيرا عن أزمة أمريكية لا كعلامة عافية، فالرجل يمثل بشخصه حيرة «الكاوبوى» البائس، بغلظته وعجرفته وعدوانيته التي أبادت الهنود الحمر زمن التكوين الأمريكي، والساعية للخلاص الآن من تكاثر اللاتينيين والزنوج والمسلمين الأمريكيين، وبسلاح الكراهية والعنصرية المقيتة ذاتها، وبسبل التهجير والملاحقة والمنع وإقامة الأسوار، وفي سياق أزمة أقعدت الرأسمالية الأمريكية، ونزعت عنها صناعاتها الإنتاجية الكبرى، ونقلتها إلى خارج حدودها عبر الشركات العملاقة متعددة الجنسيات، وأثقلتها بديون وصلت إلى 29 تريليون دولار، جعلت أمريكا أكبر مدين في مطلق مراحل التاريخ الإنساني، وجعلتها تستقوي بالبلطجة والعضلات المسلحة لتعويض تراجع وتدهور اقتصادها، وهو ما يفسر جانبا من ظاهرة ترامب المأزومة، فهي تعبير عن احتجاج عام على المؤسسة الأمريكية الفاسدة بامتياز، والعاجزة عن تقديم أي حلول حقيقية إنسانية وعادلة، وبما لا يستبقي سوى ظواهر عنصرية متعصبة على طريقة صعود ترامب، وهو جزء من سلوك يميني متطرف، تصعد جماعاته شعبيا في الغرب الأوروبي، وعبر «الأطلنطي» إلى أمريكا، وعلى خلفية بؤس شامل تتسع معه رقعة الفقراء والمهمشين، وعلى نحو يذكر بصعود النازية والفاشية زمن أزمة الكساد الرأسمالي العظيم في ثلاثينيات القرن العشرين، وإن كان يأخذ هذه المرة صورا مختلفة، تعكس في حالة ترامب ميلا إلى الانعزال بأمريكا، وتأجير عضلاتها وسلاحها مقابل الدفع الفوري، وعلى ظن أن فرض الإتاوات قد يصلح ما فسد من ملح الرأسمالية الأمريكية.
وعلى النقيض مما توحي به عجرفة ترامب الشخصية، وجهالته العظيمة السياسية، فإن ظاهرة الرجل تعكس ضعف أمريكا لا قوتها المفترضة، فلم تعد أمريكا هي «القوة العظمى» بألف ولام التعريف والحصر، ولم تعد هي القطب الوحيد القادر على تصريف أمور الكون وضبط توازناته، فقد صعدت قوى عظمى عديدة في مجالات الاقتصاد والسلاح، وصار الاقتصاد الصيني هو القوة العالمية البازغة المسيطرة باطراد، وعادت روسيا بقوة سلاحها للعب دور دولي متزايد، ولم يبق لدى أمريكا سوى أن تتواضع دوليا، وأن تعترف بحقائق وتوزيعات القوى الدولية الجديدة، وأن تسعى للتفاهم معها لا الوصاية عليها، فقد نزلت أمريكا عن عرش «القوة العظمى» المفترضة، وصارت مجرد «قوة عظمى» بين متعددين، وكان انتخاب أوباما ـ الأسود ـ تعبيرا عن شعور أمريكا بالرغبة في التواضع، والتسليم بالعجز عن شن حروب برية تضمن النصر فيها، وكانت حرب واشنطن في العراق هي «العشاء الأخير»، وهو ما يفسر ميل أوباما لتقليل الانخراط الأمريكي في نزاعات العالم الحربية، وبالذات في منطقتنا التي تشكل قلب الدنيا جغرافيا، ومن هذه الزاوية بالذات، تبدو ظاهرة ترامب استطرادا وامتدادا مراوغا لظاهرة أوباما، واعترافا غريزيا بتراجع الدور الأمريكي، وهو ما يفسر ميل ترامب إلى التفاهم مع روسيا بوتين، وترك مناطق نفوذ بكاملها لحساب موسكو، وعلى طريقة ما يجري وسيجري في المشرق العربي ودول جواره في تركيا وإيران، ومع تجريب الطلقة الأخيرة في جراب ابتزاز وسلب ما تبقى من ثروات أقطار الخليج العربي، وفرض إتاوات حماية، يسد بها رمق الخزانة الأمريكية الخاوية الجائعة، والعاجزة في الوقت نفسه عن نهوض ذاتي، تجاري به عواصف صعود الاقتصاد الصيني، أو كفاءة اقتصاد ألمانيا التي لا تخفي ضيقها واشمئزازها من ابتزاز ترامب.
والمعنى بوضوح، أن حقائق القوة هي التي تفرض اعتباراتها، وأن أحدا في مصر لا يصح أن ينتظر عطف ترامب، ولا بركة أمريكا التي ينتظرونها مع رئاسته للبيت الأبيض، وخذوا العظة والعبرة من تاريخنا القريب عبر أربعين سنة مضت، فلم تنفعنا المعونات، بل أذلت رقابنا، وجعلت اقتصادنا في قاع القاع، وحجبت عن مصر دورها الطبيعي الطليعي المستحق في أمتها العربية، فقد زاد ضعف مصر، رغم تدفق المعونات، بينما صعد دور إيران رغم اتصال العقوبات، وكلمة السر في الاستقلال الوطني، وفي طبيعة الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وقد استفادت مصر من عقوبات أمريكا لا من معوناتها خلال السنوات الأخيرة، ونجحت في تنويع مصادر السلاح بعد خفض أوباما لمعوناته العسكرية، وضاعفت قوة الجيش، وفتحت الملفات المسكوت عنها، وقررت استئناف مشروعها النووي السلمي واستعادت جوانب معتبرة من استقلال قرارها الوطني، وجرى ذلك بفضل التحلل النسبي من روابط التبعية الموروثة للأمريكيين، واتخاذ مواقف مختلفة في السياسة العربية والدولية، والشروع في نهوض لن يقوم بغير أولويات التصنيع الشامل والديمقراطية السياسية والعدالة الاجتماعية، وهذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجه مصر الآن، وليس الانشغال والتخويف من أشباح الإخوان، ولا انتظار معونة ترامب.