ملامح حرب أبدية جديدة ترسم في الشرق الأوسط.... هل يكون السلاح النووي خيار واشنطن وتل أبيب في المواجهة مع إيران؟

أربعاء, 2026-03-11 06:14

مع اندلاع جولة جديدة من الحرب الإسرائيلية الأمريكية ضد إيران يوم 28 فبراير 2026، غرق الرأي العام في طوفان من الأخبار والمعلومات والتفسيرات والتحاليل التي من الصعب التحقق من صحتها خاصة لوجود تناقض هائل بين محتوياتها، غير أن تجارب سابقة خاصة منذ الحرب العالمية الثانية سنة 1939 مرورا بالحرب الكورية 1950 حتى 1953 والحرب الهندوصينية الفرنسية ما بين 1946 و1954 بين قوات الاحتلال الفرنسية والمجموعات العسكرية الموالية لها من جهة في مواجهة تنظيمات فيت مين برئاسة هو تشي منه، وحرب الفيتنام الثانية التي خاضتها الولايات المتحدة الأمريكية من 1961 حتى 1975 وما سبقها حرب السويس 1956 وحرب 6 يونيو 1967 وحرب أكتوبر 1973 وحرب أفغانستان وحروب لبنان وغزة وغيرها حتى يومنا هذا، أتاحت توفير أدوات للتحليل تمكن من التحقق بدرجة عالية من الأخبار الصحيحة والكاذبة. 

في فترات الحروب والتوترات، لا تقتصر المعركة على الميدان العسكري، بل تمتد إلى ميدان الإعلام، حيث تتحول المعلومة إلى أداة ضغط، والخبر غير الدقيق إلى وسيلة تطويع سياسي.

نعوم تشومِسكِي الأستاذ الجامعي والفيلسوف الأمريكي الذي عمل أستاذا فخريا في اللسانيات في قسم اللسانيات والفلسفة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا كتب: "إنه من السهل جدا أن تجعل الناس يصدقون كذبة إذا كررتها كثيرا ومن مصادر تبدو موثوقة. المشكلة ليست في غباء الناس، بل في غياب النقد واستسلامهم للسلطة الإعلامية الأقوى".

التضليل الإعلامي في الحروب هو أحد أدوات السيطرة على الرأي العام، عبر التلاعب بالحقائق، تضخيم الوقائع، وتوجيه الأنظار إلى تهديدات مفترضة، غالبا دون دليل قاطع. وهو يهدف إلى تطويع الجمهور، وإغراقه بالأخبار المليئة بالشائعات والأكاذيب، وتشويش إدراكه لما يجري.

لا يقتصر خطر التضليل الإعلامي على ما يقال في العلن، بل يكمن فيما يراد تمريره من خلاله دون أن يقال مباشرة. ففي كثير من الحالات، يكون الهدف من التضليل هو بناء سردية تمنح العدو مبررا جاهزا لتنفيذ خطوات عسكرية أو سياسية مخطط ومعد لها مسبقاً

في المواجهة الحالية بين إيران وكل من واشنطن وتل أبيب، توجد معطيات لا يمكن إنكارها وعلى أساسها يمكن وضع تحليل واقعي. 

1- خطط لأن يكون الهجوم على إيران سريعا وحاسما خاصةعبر تصفية القيادة مع تجنب أخطاء حرب الاثنى عشر يوما في يونيو 2025 التي أتاحت لإيران بعد ارتباك دام ساعات طويلة الرد بشن قصف مدمر على إسرائيل. هذا لم يتحقق حيث أنه مباشرة بعد مقتل المرشد الأعلى خامنئي ومعه بعض القيادات العسكرية انطلق الرد الإيراني بقصف إسرائيل وكل المنشآت العسكرية في منطقة الخليج والشرق الأوسط كما تم إغلاق مضيق هرمز.

2- راهنت واشنطن على عدم تدخل موسكو وبكين لدعم طهران سوى دبلوماسيا، ولكنها وجدت أن القوات الروسية وفي مرحلة أولى توفر للقوات الإيرانية كل المعلومات عن التحركات والمواقع الأمريكية والإسرائيلية التي يمكن استهدافها.مصادر رصد أوروبية ذكرت أن خبراء عسكريين ومدنيين صينيين ومن كوريا الشمالية موجودون في إيران لدعم مجهودها الحربي.

3- قدرت واشنطن وتل أبيب خطأ أن طهران لن تتمكن من وقف الملاحة البحرية في الخليج العربي وبالتالي سيتواصل تدفق النفط بمعدل 20 مليون برميل يوميا وهو ما يمثل 21 في المئة من الإنتاج العالمي ولن تحدث أزمة طاقة موسعة أو نكسة اقتصادية عالمية.

4- حتى قبل بدء الحرب كشفت مصادر عسكرية أمريكية أن مخزونها من الأسلحة وخاصة الصواريخ الاعتراضية محدود ويمكن أن يغطي الحاجة لحوالي أسبوعين أو ثلاثة على أعلى تقدير، وبعد مرور 5 أيام على المواجهة ارتفعت التحذيرات وخاصة في إسرائيل.

5- بعد إعداد استمر سبعة أشهر من يونيو 2025 إلى نهاية فبراير 2026 لتعزيز قدرة التصدي الإسرائيلية للصواريخ الإيرانية، وجدت تل أبيب أن سماءها شبه مفتوحة للهجمات الصاروخية وحتى المسيرات وزاد الأمر خطورة فتح حزب الله هجومه على الجبهة الشمالية الإسرائيلية بقدرات عسكرية كان التصور أنه تمت تصفيتها، وخلال أقل من 24 ساعة من اندلاع الحرب كان جنود النخبة في حزب الله في كل المواقع جنوب نهر الليطاني والصواريخ تضرب كل الثلث الشمالي من إسرائيل.

6- لم تتوقع واشنطن أن تتردد أغلب دول مجلس التعاون الخليجي في دخول الحرب معها ضد إيران بعد القصف الإيراني عليها، وأن تتجاوب هذه الدول مع دعوات ملحة من الصين وروسيا وأطراف أخرى بعدم الانجرار إلى الحرب.

7- فاجأت مدريد واشنطن برفض السماح للقوات الأمريكية باستخدام قواعدها في العملية العسكرية ضد إيران، ووجدت مدريد دعما أوروبيا يتسع مع استمرار الحرب وتزايد اخطارها.

8- تكشف موسكو وبكين علنيا وبواسطة أذرعها الرسمية أن الحرب الغربية ضد إيران هي جزء من مخطط أوسع لإضعافهما وحصارهما وتفتيتهما، ومنطقيا هذه هي بوابة الحرب الأوسع أو الحرب العالمية الثالثة.

 

الحرب الطويلة

 

يوم 7 مارس 2026 صرح ستانيسلاف كرابيفنيك، وهو ضابط متقاعد في الجيش الأمريكي، على قناة البروفيسور جلين ديزن على يوتيوب، إن الولايات المتحدة تكبدت أضرارا جسيمة بعد عدوانها على إيران بضغط من إسرائيل.

وأضاف الخبير: "أعتقد أن دول الشرق الأوسط ستتعرض لاحقا للكثير. لقد تكبدت إسرائيل خسائر فادحة. الأمور تسير بشكل سيئ للغاية بالنسبة للولايات المتحدة. لم تكن واشنطن تخطط لهذا. لم تتخذ بلادنا هذا القرار، بل إسرائيل هي من اتخذته".

في موسكو ذكر الخبير والصحفي الروسي المخضرم أناتولي واسرمان، إن الشرق الأوسط على ما يبدو يتجه نحو صراع طويل الأمد، وقد يمتد لاحقا ليشمل دولا أخرى.

وفي حديثه مع موقع MK تطرق واسرمان، إلى ما ينتظر روسيا في حال اندلاع حرب طويلة الأمد في المنطقة. وأضاف: "أولا، هذا يعني ارتفاعا طويل الأمد في أسعار النفط والغاز، وهي فائدة لنا عموما. ثانيا، يعني ذلك طلبا كبيرا على مختلف منظومات الأسلحة الروسية. وثالثا، وهذا أيضا مهم، ستتم بالتأكيد مناقشات جادة حول ما إذا كان بإمكان مجموعة بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون أن تصبحا، من بين أمور أخرى، أنظمة جادة للمساعدة العسكرية المتبادلة. حاليا، تتطور هذه المنظمات كمؤسسات اقتصادية بحتة".

ويشار إلى أن واسرمان كان قد صرح لموقع MK في وقت سابق، بأن الولايات المتحدة وإسرائيل تفتقران إلى الخبرة الحديثة في الحروب الطويلة. ولذلك، بحسب الباحث، ستسعيان إلى الانسحاب من هذا الصراع حالما تدركان استحالة تحقيق نصر سريع. أما إيران، بحسب واسرمان، فهي في وضع أفضل.

وقال الخبير: "إيران لديها خبرة واسعة في التعامل مع مختلف الصعوبات الاقتصادية. لقد عاشت تحت وطأة قيود اقتصادية متنوعة لما يقارب نصف قرن. لذا لم أستغرب قدرة إيران على الرد بقوة. ما أثار استغرابي هو لماذا لا تزال إسرائيل والولايات المتحدة، رغم معرفتهما بكل هذا، تأملان في ابتلاع إيران بين عشية وضحاها".

 

تقرير سري 

 

يوم 7 مارس 2026 كشفت صحيفة "واشنطن بوست" عن تقرير استخباراتي سري أعدته المخابرات الأمريكية قبل شن الحرب ضد إيران بمدة قصيرة استبعد إسقاط النظام الإيراني عبر القصف الجوي، مما دفع ضباطا كبارا في البنتاغون إلى نصح البيت الأبيض بعدم شن الحرب.

ووجد التقرير أن شن هجوم واسع النطاق ضد إيران حتى لو كان بقيادة الولايات المتحدة لن يكون كافيا على الأرجح لإطاحة المؤسسة العسكرية والدينية الراسخة في الجمهورية الإسلامية، وهو تقييم واقعي، 

وتثير النتائج شكوكا حول خطة ترامب المعلنة "لتطهير" هيكل القيادة الإيراني، وتنصيب حاكم من اختياره.

وقالت مصادر مطلعة على التقرير، الذي اكتمل قبل حوالي أسبوع من بدء الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب في 28 فبراير، إنه أوضح سيناريوهات الخلافة الناتجة إما عن حملة محددة ضد القادة الإيرانيين أو هجوم أوسع ضد قيادتها ومؤسساتها الحكومية.

وفي كلا السيناريوهين، خلصت الاستخبارات إلى أن المؤسسة الدينية والعسكرية الإيرانية ستستجيب لمقتل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي باتباع بروتوكولات مصممة للحفاظ على استمرارية السلطة، وفقا لهؤلاء الأشخاص. ووصفت المصادر احتمال سيطرة المعارضة الإيرانية المجزأة على البلاد بأنه "غير محتمل".

ويتألف مجلس الاستخبارات الوطنية (NIC) من محللين مخضرمين يعدون تقييمات مصنفة تهدف إلى تمثيل الرأي الجماعي لوكالات الاستخبارات الثماني عشرة في واشنطن.

وأحالت وكالة المخابرات المركزية (CIA) الأسئلة التي طرحتها الصحيفة إلى مكتب مدير الاستخبارات الوطنية، الذي رفض التعليق. ولم يذكر البيت الأبيض ما إذا كان ترامب قد أُبلغ بهذا التقييم قبل الموافقة على العملية العسكرية، التي توسعت بسرعة شرقا لتشمل حرب غواصات في المحيط الهندي وغربا لتشمل مواجهات صاروخية مضادة قرب تركيا العضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو).

 

الفخ

 

في تقرير نشر في موسكو يوم السبت 7 مارس 2026 أشارت المستشرقة الروسية ماريا كيتشا إلى أنه بعد هجوم إيراني مكثف على إسرائيل في اليوم الأول للحرب، قلصت إيران عدد صواريخها الموجهة إلى أهداف داخل إسرائيل في الأيام التالية. 

ونوهت كيتشا، وهي مستشرقة معروفة ومؤلفة كتب عن تاريخ وسياسة الشرق الأوسط، بأنها تعتقد بوجود منطق عسكري مدروس بشكل جيد يبرر هذه الاستراتيجية.

وقالت الخبيرة: "لا يتعلق الأمر بالنتائج الفورية في ساحة المعركة، بل يتعلق برفع التكاليف الاستراتيجية إلى مستوى يجعل الضغط الداخلي والمؤسسي في الولايات المتحدة يسهل الانسحاب التدريجي للقوات. يشير حجم وسرعة إطلاق الصواريخ ضد إسرائيل، إلى جانب حلفاء إيران الإقليميين مثل حزب الله، إلى اعتماد استراتيجية استنزاف مطولة بدلا من التصعيد السريع.واللافت أن حلفاء إيران (مثل أنصار الله في اليمن) لم ينخرطوا بشكل كامل في الصراع حتى الآن، على الرغم من إمكانية تصعيده بشكل كبير. فهذا الانخراط التدريجي وإشراك الحلفاء إلى تصعيد مدروس، يسمح لطهران بالحفاظ على احتياطياتها الاستراتيجية".

وترى الخبيرة أن الحرب المطولة تفيد عادة الطرف المستعد نفسيا واقتصاديا ولوجستيا لخوض صراع طويل الأمد. ووفقا لها، لطالما راهنت العقيدة العسكرية الإيرانية على الرد غير المتناظر والصبر بدلا من السعي لتحقيق نصر سريع وحاسم.

وأضافت المستشرقة: "من خلال تمديد الإطار الزمني، ربما تعول طهران على حقيقة أن الإرهاق السياسي في واشنطن سيظهر قبل الإرهاق الهيكلي لمحور المقاومة. وبالإضافة إلى ذلك، يتجاوز التأثير الاقتصادي للحرب منطقة الشرق الأوسط، حيث يؤثر على أسواق الطاقة والخدمات اللوجستية البحرية والتأمين وسلاسل التوريد العالمية".

وبحسب الخبيرة، يؤدي الصراع المطول إلى زيادة تقلبات أسعار النفط وتدهور الأمن البحري، مما يضغط ليس فقط على الأسواق العالمية، بل على الاقتصاد الأمريكي أيضا. وتدرك طهران ذلك.فكلما طال أمد الحرب، ازداد سعي الأطراف الخارجية - من دول إلى مستوردي الطاقة - إلى خفض التصعيد. ويصبح الضغط الاقتصادي أداة جيوسياسية.

 

صواريخ انشطارية

 

سجل مراقبون في لندن أنه رغم امتلاك إيران واحدة من أكبر الترسانات الصاروخية في الشرق الأوسط، فإن وتيرة استخدامها للطائرات المسيرة ضد إسرائيل شهد ارتفاعا واضحا مع ظهور سلاح جديد وهي الصواريخ المزودة بالعبوات الانشطارية ويعود ذلك إلى تقلص قدرات قبة الدفاع الإسرائيلية واستنزاف صواريخها المضادة.

وفي تصريحات خاصة لـ"عربي21"، قدم رئيس تحرير قسم الأخبار الخارجية في وكالة آنا الإخبارية التابعة لجامعة آزاد الإسلامية مهدي عزيزي تفسيرا لهذه التطورات، مؤكدا أن ما يجري هو تحول مدروس في إدارة المعركة، يقوم على المزج بين الصواريخ والطائرات المسيرة بهدف إطالة أمد المواجهة واستنزاف القدرات العسكرية والاقتصادية للخصوم.

وقال عزيزي إن البرنامج الصاروخي الإيراني يعد أحد أعمدة العقيدة الدفاعية لطهران منذ سنوات طويلة، حيث استثمرت إيران بكثافة في تطوير منظومات صاروخية متنوعة لتعويض التفوق الجوي والتكنولوجي الذي تمتلكه الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث تشير تقديرات عسكرية غربية إلى أن إيران تمتلك ترسانة تضم آلاف الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى القادرة على الوصول إلى أهداف تبعد مئات أو حتى آلاف الكيلومترات.

وأوضح أن الطائرات المسيرة باتت تلعب دورا متزايدا في الهجمات الإيرانية، حيث ارتفع عددها بشكل ملحوظ خلال الأيام التي تبعت بدء الحرب، وبحسب الأرقام التي أوردها، أطلقت إيران في اليوم الأول نحو 294 طائرة مسيرة، قبل أن يقفز العدد إلى 541 في اليوم الثاني، فيما استمرت الهجمات باستخدام هذا النوع من السلاح بوتيرة مرتفعة في الأيام اللاحقة.

وفي سياق متصل، تحدث عزيز عن ظهور مؤشرات على استخدام أنواع أخرى من الأسلحة خلال الحرب الجارية، من بينها الصواريخ المزودة بذخائر عنقودية، وهي رؤوس حربية تنفجر في الجو وتطلق عددا كبيرا من القنابل التي تنتشر في الجو على مساحة واسعة قبل أن تسقط على الأرض.

ويؤدي استخدام هذا النوع من الذخائر إلى تعقيد مهمة أنظمة الدفاع الجوي، لأن الهدف لا يكون صاروخا واحدا يمكن اعتراضه، بل عشرات المقذوفات الصغيرة التي تنتشر في الهواء بعد انفجار الرأس الحربي. كما أن بعض هذه القنابل قد لا ينفجر فور سقوطه، ما يشكل خطرا طويل الأمد على المناطق التي تسقط فيها.

المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي نداف شوشاني صرح إن إيران استخدمت الذخائر العنقودية في عدة هجمات متزامنة، مؤكدا أن السلطات العسكرية تتابع التطورات المرتبطة بهذا السلاح عن كثب. 

مساء يوم الخميس 5 مارس 2026 قالت هيئة البث الإسرائيلية، إن الولايات المتحدة وإسرائيل ستخففان من الغارات على إيران لعدم مقدرتهما على الاستمرار بنفس الوتيرة. 

وذكرت الهيئة أن إسرائيل والولايات المتحدة أعربت عن ارتياحهما للنتائج المحققة حتى الآن في الضربات على إيران، لكنهما تدركان أنه من غير الممكن مواصلة الهجوم بكثافة عالية وغير مسبوقة لفترة طويلة.

وأشارت إلى أن واشنطن وتل أبيب تستعدان لخفض وتيرة الهجوم مؤقتا بهدف مواصلة الهجوم لفترة طويلة وحسب الضرورة.

 

استنفار الشركات

 

في نطاق جهود واشنطن للتغلب على استنزاف مخزون القوات الأمريكية والإسرائيلية من المعدات والذخائر أفادت وكالة أنباء رويترز أن الرئيس الأمريكي ترامب صرح في منشور إنه التقى مع مسؤولين تنفيذيين من سبع شركات دفاع يوم الجمعة 6 مارس 2026، في الوقت الذي تعمل فيه وزارة الدفاع (البنتاغون) على تجديد الإمدادات التي استنفدتها الضربات الأمريكية على إيران والعمليات العسكرية الأخرى الأخيرة.

وقال ترامب "اختتمنا للتو اجتماعا جيدا للغاية مع أكبر الشركات الأمريكية في مجال تصنيع الدفاع، حيث ناقشنا الإنتاج وجداول الإنتاج".

وأضاف أن الشركات التي حضرت الاجتماع شملت لوكهيد مارتن وآر.تي.إكس الشركة الأم لشركة رايثون وبي إيه إي سيستمز وبوينغ وهانيويل أيروسبيس ونورثروب غرومان

وكان مسؤول أمريكي قد صرح لرويترز في وقت سابق إن مفاوضي البنتاغون لم يتمكنوا من التوصل إلى اتفاق مع كبار متعاقدي الدفاع بالسرعة التي كانوا يرغبون فيها.

ولم ترد شركة لوكهيد والبيت الأبيض بعد على طلب للتعليق.وأحجمت شركة آر.تي.إكس عن التعليق على الاجتماع.

وتواصل الإدارة الأمريكية الضغط على شركات السلاح لإعطاء الأولوية للإنتاج على حساب توزيع الأرباح على المساهمين. ووقع ترامب في يناير أمرا تنفيذيا لتحديد الشركات التي تعتبر أداءها ضعيفا في تنفيذ العقود بينما توزع الأرباح على المساهمين.

ومنذ حرب روسيا مع أوكرانيا في عام 2022 وعمليات إسرائيل العسكرية في غزة، سحبت الولايات المتحدة مخزونات أسلحة بقيمة مئات مليارات الدولارات، منها أنظمة مدفعية وذخيرة وصواريخ مضادة للدبابات والطائرات.

وقال مصدران حكوميان ومسؤول تنفيذي في القطاع إن محور المحادثات هو الصفقات مع كبار شركات الصناعات العسكرية مثل لوكهيد مارتن. وفي يناير، أبرمت الشركة عقدا مدته سبع سنوات مع البنتاغون لزيادة الطاقة الإنتاجية السنوية لصاروخها الاعتراضي باك-3 إلى ألفي وحدة سنويا من حوالي 600 وحدة سابقا. وأعلنت الشركة أنها تتوقع زيادة إنتاجها من منظومة الدفاع الصاروخي للارتفاعات العالية (ثاد) إلى 400 وحدة سنويا من 96 وحدة.

وذكر ترامب في منشور على مواقع التواصل الاجتماعي عقب اجتماع يوم الجمعة، إن الشركات وافقت على زيادة إنتاج الذخائر الموجهة بدقة أربع مرات، لكنه أوضح أن الجهود الرامية لزيادة الإنتاج بدأت قبل ثلاثة أشهر.

وتزامن اجتماع البيت الأبيض مع إصدار طلب ميزانية تكميلية بنحو 50 مليار دولار، وهو ما ذكرته رويترز لأول مرة يوم الثلاثاء 3 مارس 2026. وستستخدم الأموال الجديدة في استبدال الأسلحة المستخدمة في الصراعات الأحدث، بما في ذلك تلك الدائرة مع إيران في الشرق الأوسط. وهذا الرقم أولي وقد يتغير تصاعديااعتمادا على مدة العملية.

ويأتي الطلب التكميلي بالإضافة إلى 150 مليار دولار إضافية في الإنفاق الدفاعي المدرجة في "مشروع قانون واحد كبير" الشامل الذي قدمه الجمهوريون.

 

سيف الاستثمارات

 

كشفت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية أنّ ثلاثة من أكبر اقتصادات "الشرق الأوسط" تدرس خياراتها في ظل استمرار الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، والرد الإيراني. 

وأكدت الصحيفة أن الضغوط على ميزانيات دول الخليج قد تدفعها إلى مراجعة استثماراتها الخارجية والتزاماتها المستقبلية، في ظل سعيها لإيجاد حلول لتخفيف الأعباء المالية الناجمة عن هذه الحرب.

ونقلت عن مسؤول خليجي قوله إن ذلك قد يؤثر في كل شيء، بدءامن تعهدات الاستثمار للدول أو الشركات الأجنبية، مرورا برعاية الأحداث الرياضية، والعقود المبرمة مع الشركات والمستثمرين، وصولا إلى بيع الحصص.

وأوضح المسؤول أن ثلاثة من أكبر أربع اقتصادات خليجية - السعودية والإمارات والكويت وقطر - ناقشت بشكل مشترك الضغوط التي تثقل كاهل ميزانياتها واقتصاداتها، إلا أنه امتنع عن ذكر أسماء هذه الدول.

وأضاف: "بدأت عدة دول خليجية مراجعة داخلية لتحديد إمكانية تفعيل بنود القوة القاهرة في العقود الحالية، إلى جانب مراجعة التزامات الاستثمار الحالية والمستقبلية بهدف تخفيف بعض الضغوط الاقتصادية المتوقعة من جراء الحرب الحالية، ولا سيما إذا استمرت الحرب والنفقات المرتبطة بها بالوتيرة نفسها".

وأشار إلى أن هذه الخطوة هي إجراء احترازي ناتج من "الضغوط التي تواجهها هذه الدول في ميزانياتها بسبب انخفاض الإيرادات من قطاع الطاقة، نتيجة تباطؤ الإنتاج أو عدم القدرة على الشحن، وكذلك من قطاعي السياحة والطيران، إضافة إلى زيادة الإنفاق الدفاعي".

وصرح مستشار لحكومة خليجية إن احتمال مراجعة الاستثمارات من قبل الدول الغنية قد لفت انتباه البيت الأبيض. فهذه الدول تدير بعضا من أكبر وأنشط صناديق الثروة السيادية في العالم. وقد تعهدت السعودية والإمارات وقطر عام 2026 باستثمار مئات المليارات من الدولارات في الولايات المتحدة بعد زيارة الرئيس دونالد ترامب للمنطقة.

كما أنها من كبار الداعمين للأحداث الرياضية في العالم، وتستثمر جميعها بكثافة محليا لتنمية بلدانها وتنويع اقتصاداتها، بحسب الصحيفة، وأي خطوة تؤثر في الاستثمارات في الولايات المتحدة أو غيرها من الدول الغربية قد تزيد الضغط على ترامب للبحث عن استراتيجية دبلوماسية لإنهاء الحرب.

وأشارت إلى أن دول الخليج الغنية بالنفط زجت في الصراع الذي شنته الولايات المتحدة و"إسرائيل" ضد إيران، إذ ردت طهران بقوة على المصالح الأمريكية لدى حلفاء واشنطن الإقليميين.

وأشارت الصحيفة إلى أن دول الخليج ضغطت على ترامب للتراجع عن الهجوم والسعي إلى حل دبلوماسي مع إيران، لكنها تحملت منذ ذلك الحين وطأة الشروع الأمريكي الإسرائيلي في الحرب.

 

الورقة الكردية

 

مشكلة أخرى تواجه المخططات الأمريكية الإسرائيلية وتتعلق بمشروع إستخدام قوى محلية لضرب طهران والأمر يتعلق هنا بالحركات الانفصالية للأكراد. فيوم الأحد 8 مارس أفادت وكالة رويترز من القامشلي في سوريا أن أكرادا في شمال شرق سوريا حذروا أكرادا إيرانيين من مغبة التحالف مع الولايات المتحدة لمحاربة الحكومة الإيرانية، مستشهدين بتجربتهم الخاصة في سوريا في الأشهر القليلة الماضية وقالوا إنها دليل على أن واشنطن "ستتخلى" عن نظرائهم الإيرانيين. 

وذكرت رويترز أن جماعات مسلحة كردية إيرانية متمركزة في شمال العراق تشاورت مع الولايات المتحدة في الأيام القليلة الماضية حول ما إذا كان ينبغي مهاجمة قوات الأمن في غرب إيران وكيفية تنفيذ ذلك.

وصرح سعد علي (45 عاما) وهو من سكان القامشلي ذات الأغلبية الكردية في شمال شرق سوريا "آمل ألا يتحالف أكراد إيران مع أمريكا، لأنهم سيتخلون عنهم". وأضاف لرويترز "غدا، إذا تم التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة والإيرانيين، فسوف يقضون عليكم. لا تكرروا أخطاءنا".

وتحالف مقاتلون أكراد سوريون مع الولايات المتحدة قبل أكثر من عقد لدعم مخططات واشنطن في سوريا وللإطاحة بنظام البعث، وأسسوا منطقة تمتعت بحكم شبه ذاتي في الأراضي التي انتزعوا السيطرة عليها.

لكن في يناير 2026، بسط الجيش السوري الجديد في ظل حكم الرئيس أحمد الشرع سيطرته على معظم المناطق التي كانت تحت سيطرة الأكراد بعد هجوم واسع النطاق بمساندة تركيا. وناشد أكراد سوريا الولايات المتحدة التدخل لصالحهم، وشعروا بالخيانة عندما حثتهم واشنطن بدلا من ذلك على الاندماج مع قوات الحكومة السورية، وذلك بعد تهديد أنقرة بتدخل جيشها لدعم قوات دمشق.

يصف أكراد سوريا هذه التجربة بأنها مريرة ودرس على أكراد إيران أخذ العبرة منها.

وكان الرئيس الأمريكي ترامب قد صرح لرويترز يوم الخميس 5 مارس إنه سيكون “من الرائع” عبور القوات الكردية الحدود من شمال العراق إلى إيران. وجاءت تلك التصريحات متزامنة مع أخبار واردة من طهران عن قيام القوات الإيرانية بسحق قوات انفصالية كردية مدعومة من قبل المخابرات المركزية الأمريكية والموساد الإسرائيلي حاولت التسلل عبر الحدود.

وكانت رويترز قد كشفت قبل سبعة أيام بأن إسرائيل تجري محادثات مع جماعات كردية إيرانية متمركزة في إقليم كردستان العراق شبه المستقل منذ نحو عام.

والأكراد جماعة عرقية ومعظمهم من المسلمين السنة، ويتحدثون لهجة خاصة بهم هي خليط من العربية والفارسية ويتركزون في مناطق جبلية تمتد على حدود أرمينيا والعراق وإيران وسوريا وتركيا.

وفي العراق، يسكنون ثلاث محافظات في الشمال بقيادة حكومة إقليمية نصبت بدعم من واشنطن بعد غزوها العراق سنة 2003.

 

1100 مليون دولار

 

يوم السبت 7 مارس 2026 كشفت مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية أن استبدال الرادارات الأمريكية التي دمرتها الضربات الإيرانية في قطر والبحرين سيكلف أكثر من مليار دولار وقد يستغرق تأهيلها ما بين 5 إلى 8 سنوات.

 

وجاء في تحليل المجلة: "تدمير رادرين أمريكيين حديثين، AN/FPS-132 في قطر وAN/TPS-59 في البحرين، يسلط الضوء على مشكلة هشاشة سلاسل التوريد وفترات الاستبدال الطويلة".

ووفقا للتقديرات، فإن شركة "رايثيون" ستحتاج من خمس إلى ثماني سنوات لبناء رادار AN/FPS-132 جديد بتكلفة 1.1 مليار دولار. أما رادار AN/TPS-59 الذي تصنعه "لوكهيد مارتن"، فسيحتاج إلى 12 إلى 24 شهرا بتكلفة تتراوح بين 50 و75 مليون دولار.

وأشارت المجلة إلى أن إنتاج مكونات هذه الرادارات يعتمد على عنصر الغاليوم، الذي يأتي 98 في المئة منه إلى السوق العالمية من الصين، مما يضيف بعدا استراتيجيا جديدا لأزمة الإحلال.

كما لفتت "فورين بوليسي" إلى أن سرعة استهلاك الذخائر خلال أول 36 ساعة من الحملة الأمريكية الإسرائيلية كشفت عن مشكلة خطيرة في مخزوناتها، حيث تم استهلاك أكثر من 3000 ذخيرة موجهة بدقة وصواريخ اعتراضية.

صحيفة يديعوت أحرنوت العبرية ذكرت من جانبها يوم 6 مارس 2026 أن مسيرة إيرانية عطلت رادارا أمريكيا استراتيجيا بـ1.1 مليار دولار وحرمت إسرائيل من الإنذار المبكر. وكشفت صور أقمار صناعية نشرتها شركة Planet Labs عن أضرار لحقت بموقع رادار استراتيجي قرب قاعدة العديد الجوية في قطر، بعد هجوم نسب إلى الحرس الثوري الإيراني.

وبحسب صحيفة يديعوت أحرنوت العبرية، تشير التقديرات إلى أن الهجوم نفذ بطائرة مسيرة انتحارية منخفضة التكلفة، ربما لا تتجاوز تكلفة إنتاجها بضعة آلاف من الدولارات، ما أدى إلى تعطيل جزئي لمنظومة إنذار مبكر أمريكية تقدر قيمتها بنحو 1.1 مليار دولار.

الرادار المستهدف هو منظومة AN/FPS-132 early warning radar التابعة إلى قوة الفضاء الأمريكية، ويعد أكبر رادار إنذار مبكر تديره الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، إذ يصل مدى كشفه إلى نحو 5000 كيلومتر، ما يجعله عنصرا أساسيا في شبكة الإنذار المبكر ضد الصواريخ الباليستية في المنطقة، بما يشمل تنبيه إسرائيل ودول الخليج لأي إطلاق صاروخي بعيد المدى.

ووفق معطيات عسكرية، لا تمتلك الولايات المتحدة سوى عدد محدود من هذه المنظومات على مستوى العالم، إذ تنتشر في 3 مواقع داخل الولايات المتحدة، إضافة إلى موقع في المملكة المتحدة وآخر في غرينلاند، ما يعكس الأهمية الاستراتيجية للموقع المستهدف في قطر.

وتظهر صور أقمار صناعية أخرى أن الضربات الإيرانية الأخيرة طالت عدة مواقع حيوية في الخليج، من بينها منشأة رأس تنورة النفطية في السعودية، وقاعدة علي السالم الجوية في الكويت، إضافة إلى ميناء جبل علي في دبي، وبرج برج بركر في سيف، فضلا عن موقع الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين.

 

خيار صعب

 

جاء في تحليل نشر على شبكة الانترنت في موقع الجزيرة يوم 8 مارس 2026:

صرح كبير الباحثين في معهد "كيتو" للدفاع دوغلاس بونداو أنه من الصعب جدا معرفة ما يريده ترامب في الوقت الراهن من الحرب على إيران، مضيفا "هو نفسه لا يعرف ما يريد، كونه معتدا جدا بنفسه ويعتقد أنه قادر على إدارة أي بلد في العالم".

صحيح أن ترامب يتماهى مع إسرائيل بشكل كبير، لكنه في الوقت نفسه يقود بلدا إمبرياليا، ويريد فرض ما يريده على بقية الدول وأن يختار من يحكمها، حسب ما قاله بونداو في مقابلة مع الجزيرة.

ويبدو أن الرئيس الأمريكي يحاول تكرار نموذج فنزويلا في إيران بحيث يضع شخصا من داخل النظام على رأس الدولة يكون منصاعا له، لكنه لا يفهم مدى صعوبة تحقيق هذا الأمر في إيران، برأي بونداو.

والواضح لبونداو حتى الآن أن ترمب لا يدرك ما الذي يمكن أن تصل إليه الأمور مستقبلا، لأن الولايات المتحدة وإسرائيل وحيدتان في العالم ولا أحد يريد الوقوف معهما في هذه الحرب.

كما أن الكثير من الدول، بما فيها دول الخليج المنزعجة من سلوك إيران، لا تريد لهذه الحرب أن تستمر لأن تداعياتها ستكون قاسية على الجميع، كما يقول الخبير الأمريكي، الذي يعتقد أن ترامب لا يزال يدفع إيران باتجاه الاستسلام، بغض النظر عن تضارب تصريحاته.

ومع دخول الحرب حالة من عدم الوضوح الميداني، فإن إيران تبدو قادرة على إيلام دول المنطقة، لكنها ليست قادرة على تغيير المعادلات، كما يقول المحلل السياسي والباحث في معهد الشرق الأوسط الدكتور حسن منيمنة.

فلا أحد يعرف ما الذي أدت إليه الضربات الأمريكية الإسرائيلية بسبب التعتيم الإعلامي المفروض على مجريات الحرب، لكن إسقاط النظام الإيراني لا يبدو واقعيا، برأي منيمنة، الذي لا يستبعد حدوث هذا مستقبلا في حال استمرت الحرب، رغم تأكيد المخابرات الأمريكية صعوبة تحقيق هذا الهدف بالضربات الجوية فقط.

ووفق التقديرات الأمريكية الحالية، فإن احتمالات سقوط النظام الإيراني أقل من احتمال بقائه ولو بطريقة مغايرة لما كان عليه قبل الحرب، حسب منيمنة، الذي يرى أن هذه الحرب مرفوضة من أكثر من نصف الأمريكيين، لكن ليس على النحو الذي يدفع ترامب لوقفها.

ولا يستبعد منيمنة أن يلجأ ترامب لاستخدام ضربات نووية تكتيكية لإسقاط النظام إن أوشك على الخسارة، وعندها لا أحد يعرف ما الذي ستفعله الصين وروسيا، اللتان تراقبان، لأنهما تريان أن أمريكا تؤذي نفسها بنفسها.

أما إسرائيل، فليست معنية بما ستدفعه الولايات المتحدة ثمنا لهذه الحرب، ولا بحدوث فوضى في المنطقة لأنها تريد هذه الفوضى، كما يقول المتحدث.

بيد أن إسرائيل تواجه خطرا لم يكن في حسبانها بعدما دخل حزب الله الحرب بشكل يقول الخبير في الشؤون الإسرائيلية عادل شديد إنه كان أكبر مما تصورت.

كما أن الضربات الإيرانية جاءت أكبر من المتوقع على ما يبدو، لأنها المرة الأولى التي تفرض فيها إسرائيل هذا التعتيم الكبير على ما تحدثه هذه الضربات، وفقا لشديد.

غير أن المعضلة الأكبر التي تواجهها إسرائيل حاليا أنها لم تعد قادرة على الوفاء بتعهدها تجاه مستوطنات الشمال، إذ قال شديد إنها أبلغتهم بأنهم لن يغادروا بيوتهم إن اندلعت مواجهة جديدة، ثم وجدت نفسها مجبرة على نقلهم بسبب ضربات الحزب، الذي وجدته واقفا على الحدود بعد ساعات من عودته للقتال.

والآن، يبدو الأمر أكبر من مجرد إسناد من حزب الله لإيران، وإنما هو فرض لمعادلة "أمن مستوطنات الشمال مقابل أمن طهران"، وتشكيل غرفة عمليات مقابلة لغرفة العمليات الأمريكية الإسرائيلية، برأي شديد الذي توقع أن تتسع الحرب مستقبلا حتى لو لم تصبح حربا شاملة.

ومع استهداف إسرائيل لخزانات وقود في العاصمة طهران، ورد الحرس الثوري بقصف مصفاة حيفا، يتوقع رئيس تحرير صحيفة الوفاق الإيرانية مختار حداد أن تتخذ الأمور منحى أكثر تصعيدا.

فقد وضع الحرس الثوري هذه السيناريوهات في حسبانه على ما يبدو وجهز ردوده عليها، بحيث تصبح تداعيات الحرب عالمية وليست إقليمية فقط، كما يقول حداد.

فالإيرانيون لن يستسلموا ولن يواجهوا نظامهم السياسي بقرار من إسرائيل، حسب حداد، الذي توقع مزيدا من الاستهدافات لمنشآت الطاقة والخدمات الإسرائيلية في حال رفعت تل أبيب وتيرة استهدافها سبل معيشة الإيرانيين.

 

هل تخسر أمريكا؟

 

كتب محمد حسب الرسول الباحث في الشؤون الإقليمية

في خضم التحولات المتسارعة في المنطقة، يبرز اسم البروفسورالصيني جيانغ شيوكين كأحد الأصوات التي تتبنّى قراءةاستشرافية جريئة لمسار الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. 

جيانغ، الأكاديمي الصيني وخريج جامعة ييل، اشتهر عبر منصته"Predictive History" بمقاربته التي تقارن بين سلوكالإمبراطوريات في لحظات الصعود والاختبار.

في عام 2024، طرح ثلاثة تنبؤات: عودة دونالد ترامب للرئاسة،اندلاع حرب مع إيران، ثم احتمال خسارة أمريكا لهذه الحرب. ومع تحقّق التوقّعين الأولين، اكتسب الثالث أهمية خاصة، لأنه قدممشهداً لنتيجة الحرب يقوم على معادلة قدرة طرفيها على الصمودوليس حجم القوة.

أطروحة جيانغ: الاستنزاف كاستراتيجية

ينطلق جيانغ من فرضية أن ما يجري ليس مواجهة تقليدية يمكنحسمها سريعاً، إنما تآكل تدريجي تبني إيران استراتيجتها علىأساسه. ففي حرب فيتنام، لم تخسر أمريكا بسبب نقص فيالقوة النارية، بل لأن الحرب تحولت إلى صراع طويل نجحت فيهالإرادة الفيتنامية في استنزاف الإرادة السياسية والاقتصاديةالأمريكية، الأمر الذي أفقد القوة العسكرية تفوقها الوظيفي.

لكنّ المقارنة مع فيتنام تحتاج إلى ضبط، فإيران اليوم تمتلكقدرات لم يتوفر معشارها لفيتنام: ترسانة صاروخية باليستيةدقيقة، وبرنامج مسيرات فعال، وقدرات حرب إلكترونية، يضافإليها شركاء إقليميون فاعلون،  فضلاً عن السيطرة على مضيقهرمز الذي يمر عبره ربع نفط العالم. هذه القدرات مجتمعة تعززإمكانية إيران في الصمود والمدافعة، وتمكّنها من تحقيق استنزافأعمق وأوسع لخصومها مما حققته حرب العصابات في فيتنام.

إن القوة العظمى لا تستنزف في معركة واحدة، بل عبر تراكمالكلفة والوقت والضغط الداخلي، وإذا كان التفوق العسكري يمنحقدرة على ردع، فإن طول أمد الحرب يختبر حدود هذا التفوق.

 

الخليج كساحة استنزاف متبادلة

 

يبرز الخليج كحلقة استراتيجية مركزية، إذ لا يقتصر دوره علىتأمين الملاحة والطاقة، بل يشكل العمود الفقري للاقتصادالأمريكي واستثماراته في مجالات التكنولوجيا والذكاءالاصطناعي.

لكن استمرار الحرب يضع ضغوطاً مضاعفة، فواشنطن ستفقدانسيابية هذه الموارد الحيوية، و"إسرائيل" وأمريكا تواجهاناستنزافاً لقدراتهما العسكرية والاقتصادية، أما الخليج فقد يواجهتحديات اقتصادية واجتماعية وأمنية، تتزامن مع تصاعد خطابسياسي يرى أن هذه الحرب ليست حرب الخليج بل حرب"إسرائيل" وأمريكا، وهو ما عبرت عنه شخصيات مهمة مثل حمدبن جاسم وتركي الفيصل، والحبتور رجل الأعمال الإماراتي،الأمر الذي يعكس حضوراً لافتاً لهذا التوجه في الوعي السياسيالخليجي.

وبينما تتجه الأنظار للميدان العسكري، يبرز الأمن الغذائيكأخطر أوراق الضغط، فدول الخليج تستورد نحو 90 في المئة مناحتياجاتها الغذائية عبر مضيق هرمز. ورغم تطمينات العواصمالخليجية بشأن كفاية المخزون الاستراتيجي لفترة تتراوح بين 4-6 أشهر، إلّا أن أي اضطراب طويل الأمد في سلاسل الإمدادسيصنع أزمة معيشية حقيقية. 

لهذا، فإن استطالة أمد الحرب سيحول المنطقة من ساحة نفوذإلى ورقة استنزاف إضافية في الصراع.

 

الجبهة الداخلية الأمريكية

 

في هذه الحرب، لا ينحصر الاستنزاف في البعدين العسكريوالاقتصادي، فالداخل الأمريكي عنصر ذو تأثير مهم في مسارالحرب. تتصاعد منذ سنوات المعارضة الداخلية للحروب الخارجيةفي أمريكا، سواء بدافع الإرهاق أو الأولويات المحلية، وساهمتحركة "ماغا" التي أعادت ترامب إلى البيت الأبيض في تعبئةشعبية حول شعار "أمريكا أولاً"، وهي دعوة صريحة لتقليصالانخراط الخارجي والتركيز على الداخل.

قد تصطدم حرب استنزاف طويلة بهذا الأساس السياسي الذيأعاد ترامب للرئاسة. ومع غياب نصر سريع وحاسم، قد يتسعنطاق المعارضة الداخلية، ويصبح الضغط السياسي عاملا مؤثّرافي صناعة القرار. مؤشرات هذا الرفض بدأت تظهر مبكراً علىالمستويين الشعبي والرسمي، فاستطلاعات الرأي تعكس تردداًأمريكياً متزايداً في الانخراط بحروب خارجية جديدة، في وقتكشف التصويت الأخير في الكونغرس عن انقسام حاد إزاء منحالرئيس صلاحيات حرب غير مقيدة، وقتذاك، لم يتمكن من تمريرالقرار إلا بفارق ضئيل (53 صوتاً مقابل 47).

من المعروف أنّ الأزمات الخارجية الكبرى غالباً ما تؤدي إلى"التفاف حول العلم" في مراحلها الأولى لكن حروب الاستنزافالطويلة التي لا تخدم أهدافاً تتصل بالسيادة والاستقلال وحمايةالوجود، تمتلك قدرة خاصة في تحويل الالتفاف إلى احتقانوغضب، خاصة مع تصاعد أعداد القتلى والتكاليف الماليةالباهظة، وهذا الذي سيتطور في أمريكا مع تطاول أمد الحرب.

 

"إسرائيل" ومخاوف الاستنزاف

 

"إسرائيل"، الشريك الأساسي لأمريكا في هذه الحرب، بل هيمن ورطت الأخيرة فيها. وهي تعتمد في عقيدتها العسكرية علىالحروب الخاطفة والحسم السريع، وليس على مواجهات مطولةتستنزف الموارد وتهدد قدرات ومقومات وجود الكيان، وقد أظهر"المجتمع الإسرائيلي" دوماً حساسية متزايدة تجاه الخسائرالبشرية والضغوط النفسية والاقتصادية. وتثبت ردود الفعل فيهذه الحرب وهي في أسبوعها الأول، أن "المجتمع" غير راغب فيالحرب ويخافها، وأن قدرته على تحمّل صراع طويل محدودة جداًإن لم تكن معدومة.

قدرت هيئة البثّ الإسرائيلية الخسائر التي لحقت بالمرافقالاقتصادية الحيوية من جراء الحرب بمليارات الشواكل، في حيننقلت "رويترز" عن مصادر مطلعة أن الأسبوع الأول وحده كبدالاقتصاد الإسرائيلي خسائر مباشرة تجاوزت ملياري دولار،نتيجة تعطّل المصانع والنزوح من مناطق الشمال وتراجع حركةالطيران.

ومع ذلك، ينظر اليمين الإسرائيلي لهذه الحرب باعتبارها فرصةاستراتيجية لتحييد التهديد الوجودي الذي تمثّله إيران، ويعدهاسانحة لرسم خرائط جيوسياسية جديدة في المنطقة وبناء مشروع"إسرائيل الكبرى"، وهنا تبرز بوضوح جدلية الرغبة في تحقيقالهدفين الاستراتيجيين، وقدرة "إسرائيل" سلطة و"مجتمعاً" علىتحمل استحقاقات الحرب وتكاليفها.

الصين وروسيا: المستفيد الأكبر من الاستنزاف

لا يمكن قراءة هذا المشهد بمعزل عن موقف روسيا والصين، اللتينتراقبان بدقة تطورات الصراع كفرصة لتقويض النفوذ الأمريكي.

فموسكو، المنخرطة في حرب استنزاف في أوكرانيا، تدرك قيمةانشغال واشنطن في "مستنقع" استنزاف شرق أوسطي جديد،وهي مرشحة لتوفير دعم سياسي وتقني وأمني لإيران، خاصةفي مجالات الدفاع الجوي التي صقلت في الميدان الأوكراني رداًلجميل ودين مستحق لطهران، وفي سياق اتفاق الشراكةالاستراتيجية القائم بين البلدين، حرصاً من موسكو في تحقيقأعلى درجات الإنهاك الأمريكي في هذا الوقت.

أما الصين، فتنظر إلى الصراع من زاوية جيواستراتيجية عميقة،مدعومة باتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة التي تربطهابطهران، وتوحد الطرفين في تحالف صلب ضد اليمنة الأحادية،بما يؤكّد دور إيران المحوري كقطب إقليمي لا غنى عنه. ورغمإدراك بكين لتأثير الحرب على سلاسل الإمداد، إلا أنها تعي أنالخاسر الأكبر هو أمريكا وحلفاؤها؛ لذا قد تنظر لهذه الحربكفرصة لإضعاف واشنطن عبر تعزيز صمود طهران، مع موازنةدقيقة بين مكاسب الاستنزاف وتأثيراته الاقتصادية، الأمر الذيقد يحمل بكين وموسكو على ابتدار مشروع تسوية لوقف الحرب،بما يخدم فكرة بناء نظام دولي جديد يقوم على التعدد، ويقربموازين القوى الناشئة.

 

سؤال القدرة لا سؤال القوة

 

من تداخل هذه الجبهات الأربع، يتشكل المشهد الحقيقي لهذهالحرب. ففي واشنطن المثقلة بالديون، يتصاعد الانقسامالسياسي حول صلاحيات الحرب، وفي "إسرائيل" تتراكمالتكاليف الاقتصادية الباهظة، وتتضاعف الآثار النفسية للحرب،وفي الخليج تبرز معضلة الأمن الغذائي كورقة ضغط صامتة،ويتعالى صوت رافض لحرب واشنطن و"تل أبيب" في فضائهوخصماً من أمنه وموارده، وفي إيران تتبدّى قدرة مؤسساتيةومجتمعية على امتصاص الصدمة والبقاء في الحلقة الأطول برغموجود تحديات داخلية (معيشية وسياسية وأمنية ترتبط بجماعاتيمكن توظيفها ضدّ الدولة).

هنا تبرز المعادلة الجوهرية: القضية ليست في موازين القوةالمعروفة، بل في القدرة على استخدامها بشكل مستمر من دونأن تتحول كلفتها إلى عامل إضعاف داخلي، وفي حسن توظيفقدرات المجتمع الروحية والوطنية في معادلات القوة، بالقدر الذييعظّم مفاعيل الاستدامة ويحافظ عليها على المدى الطويل. 

إن التحدي الأكبر اليوم، يكمن في تجنب مسار التآكل البطيء،فحين تتقاطع الاستنزافات العسكرية والاقتصادية والسياسية،يصبح السؤال عن النصر العسكري أقل أهمية من السؤال عنالثمن.

وهنا تكمن قيمة تحليل جيانغ شيوكين الذي يحول النقاش إلى"معادلة استدامة الصراع"، ففي حروب الاستنزاف لا انتصاربالضربة القاضية، بل بالقدرة على النفس الطويل. وإذا ما تحققتنبوءته بخسارة أمريكا، فإن الخسارة لن تتخذ شكل السقوطالعسكري الذي حدث في فيتنام، بل ستظهر في تآكل الهيبةوالإخفاق في فرض الإرادة وتحقيق الحسم. هذا العجز سيقودإلى أحد مسارين، إما خروج مضطرب يعيد للأذهان مشاهدأفغانستان، أو الذهاب نحو تسوية اضطرارية يفرضهاالاستنزاف، وتدفعها الرغبة الأمريكية الإسرائيلية لتأمين بقاء"إسرائيل" في بيئة غدت شديدة الانفجار.

عمر نجيب

[email protected]