
لم يعد أحد تقريبا من الطبقة السياسية عالميا ينكر أن إيران كسبت المواجهة مع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وفرضت نفسها كقوة إقليمية مما سيمكنها من فرض معادلات توازن جديدة سياسية وعسكرية وإقتصادية في هذه المنطقة المركز من العالم. لكن البعض خاصة في صفوف ما يوصف باليمين السياسي في الغرب يبقى على آمال إمكانية تعديل هذا الوضع خلال فترة زمنية قد تطول أو تقصر.
واشنطن تناور للحفاظ على ماء الوجه وصورتها كقوة ردع حتى لا تتجرأ قوى متوسطة القدرة على تحديها في مناطق أخرى من العالم ويظهر حاليا مع قرب انتصاف الشهر الثامن من السنة أن الشغل الأساسي للبيت الأبيض هو منع وقوع ركود اقتصادي عالمي والحفاظ على نوع من الإستقرار للإقتصاد الأمريكي الذي يزداد ثقل كاهله بدين يقترب من 40 ترليون دولار وواجبات أداء على سندات الخزينة الأمريكية تناهز ترليون دولار.
كذلك يظهر أن البيت الأبيض ومعه حكومة تل أبيب أصبحا يدركان أن طهران أصبحت تملك أسلحة نووية وأن الوقت قد فات لردها إلا إذا استخدما الأسلحة النووية في المواجهة.
إسرائيل تتخبط وتحاول اخفاء نقاط ضعفها بالتوسع في الضفة وغزة وجنوب لبنان يطاردها كابوس مواجهة حروب استنزاف وخسائر متصاعدة على يد حزب الله في لبنان الذي يعمل على إجبارها على الانسحاب في صمت تحت جنح الظلام كما حدث لها عدة مرات من الجنوب اللبناني. الأزمة التي يعتبره البعض أخطر على إسرائيل هي تصاعد الهجرة المضادة خاصة في صفوف الأطر العليا.
في جنوب البحر الأحمر يزداد الموقف تعقيدا مع ظهور مؤشرات على عزم حكومة الحوثيين في صنعاء توسيع سيطرتها على كل اليمن والقضاء على الحكومة التي تساندها الرياض وأطراف أخرى.
القوة العظمى
جاء في مقال كتبه روبرت بيب أستاذ العلوم السياسية بجامعة شيكاغو ونشرته صحيفة نيويورك تايمز بعنوان "هذه الحرب تجعل من إيران قوة عظمى عالمياً.
يقول الباحث إن الدول في العادة تصبح قوى عظمى استناداً إلى حجم اقتصادها وقدراتها العسكرية، وعليه كان العالم يتجه إلى ثلاثة مراكز للقوى هي الولايات المتحدة، والصين وروسيا.
لكن هذه الفرضية، لم تعد قادرة على الصمود الآن، ذلك أن مركزارابعا للقوة العالمية أخذ يتشكل بوتيرة متسارعة – هو إيران، دون أن يستند إلى حجم الاقتصاد أو القدرة العسكرية التي تستند إليها الدول الثلاث السابق ذِكرها.
إنما تستند إيران، بحسب الكاتب، إلى سيطرتها على أهم مَمر اقتصادي عالمي – وهو مضيق هرمز، والذي لم يعد كسابق عهده "ممراً ملاحياً دولياً تعبر منه السفن القادمة من كل البلاد".
وأوضح بيب أن الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران دفعت الأخيرة إلى فرض "حصار عسكري انتقائي" على المضيق الذي يمر منه نحو خمس إمدادات العالم من النفط والغاز الطبيعي المسال، ولا بديل عنه في المدى المنظور على الأقل.
ورأى الباحث أنه إذا واصلتْ إيران السيطرة على مضيق هرمز لأشهر أو لسنوات، فإن ذلك كفيل بإعادة تشكيل النظام العالمي بما يضر مصالح الولايات المتحدة.
ولفت بيب إلى أن عملية تأمين مضيق هرمز تتطلب من الولايات المتحدة وجوداً عسكرياً دائماً، فيما لا تحتاج إيران سوى إلى ضرب حاملة نفط واحدة مرة كل فترة لتضرب بذلك ثقة شركات التأمين العالمية.
واعتبر الكاتب أن تصريحات الرئيس الفرنسي مؤخرا استندت إلى فهم لهذا الواقع، إذ رأى ماكرون أن فتح مضيق هرمز بالقوة "أمر غير واقعي"، مؤكداً أن ذلك "لن يتأتى إلا بالتنسيق مع إيران".
ورأى بيب أن هذا التصريح من جانب الرئيس ماكرون هو بمثابة "اعتراف بأنه لا ضمان لمرور النفط من مضيق هرمز بدون اتفاق مع إيران".
ونوه الكاتب إلى أن عبور مضيق هرمز ظل على مدى عقود يستند إلى "ترتيب بسيط" مفاده أن الدول النفطية تصدر، والأسواق تسعر، والولايات المتحدة تؤمن المسار – لكن هذا الترتيب قد تقوض الآن.
ولفت بيب إلى اعتماد دول الخليج العربي بشدة على صادراتها النفطية، ما يجعل آثار إغلاق مضيق هرمز "فورية" على تلك الدول التي قد ترضخ – إذا طال هذا الوضع القائم – لإملاءات إيران على صعيد أي اتفاق تراه الأخيرة مناسباً لعبور النفط من المضيق.
ونبه الكاتب إلى اعتماد الصين على نفط الخليج للحفاظ على مستويات نموها الاقتصادي، كما تستفيد روسيا من ارتفاع أسعار النفط واضطراب سوقه، أما إيران فتكتسب مزيداً من النفوذ عبر سيطرتها على مضيق هرمز ودعمها لقوى المقاومة التيتحارب إسرائيل، وهكذا، فإن "هذه الدول الثلاث تستفيد من أوضاع تضر بمصلحة الولايات المتحدة وحلفائها".
خسائر عالمية
يوم 4 أغسطس 2026 صرح أمين الناصر الرئيس التنفيذي لشركة أرامكو السعودية إن العالم فقد أكثر من 2.6 مليار برميل من النفط منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير، وحذر من أن المخزونات العالمية آخذة في النفاد على الرغم من التدابير لتحويل مسار التدفقات.
وتعادل الإمدادات المفقودة ما يقارب إنتاج شهر كامل من النفط الخام العالمي في الظروف العادية، مما يسلط الضوء على حجم الاضطرابات التي أدت إلى إغلاق مضيق هرمز، مما أفضى بدوره إلى اضطراب أسواق الطاقة دون مؤشر يذكر على التراجع.
وقال الناصر "إذا تم فتح المضيق اليوم، فسيستغرق الأمر ما يصل إلى 18 شهرا بمعدل متوسط يبلغ 21 مليون برميل يوميا لتجديد المخزونات المستنفدة".
ويمكن أن يتسع نطاق اضطراب الإمدادات العالمية بعد أن أعلن الحوثيون المتحالفون مع إيران شهر يوليو 2026 فرض حصار على قطاع النفط السعودي، مما زاد الضغوط على الملاحة في البحر الأحمر ووسع تداعيات الصراع الذي عطل بالفعل التدفقات عبر مضيق هرمز.
ويهدد الحصار كلا من خط أنابيب النفط شرق-غرب وموانئ التصدير السعودية على البحر الأحمر.
وقال الناصر إن الهجمات الحديثة على المنشآت تسببت في بعض انقطاعات الإنتاج، لكنه عبر عن ثقته في قدرة أرامكو على استعادة العمليات بسرعة.
وذكر الناصر أن هذه الاضطرابات كشفت نقاط ضعف في منظومة التكرير العالمية، إذ تشير هوامش الربح القوية في قطاع التكرير إلى استمرار نقص المنتجات في الأسواق رغم تشغيل المصافي في أنحاء العالم قرب طاقتها القصوى.
وحذر من أن القطاع لا يملك سوى القليل لاستيعاب اضطرابات أخرى، وأن أي توقف كبير غير مخطط له أو طويل في المصافي يمكن أن يزيد الضغوط على إمدادات الطاقة العالمية.
خيارات أحلاها مر
جاء في تقريرنشرته وكالة رويترز يوم الخميس 6 أغسطس 2026:
مع دخول حرب الرئيس الأمريكي ترامب على إيران شهرها السادس، أبرزت موجة التهديدات والمبادرات الدبلوماسية هذا الأسبوع الورطة التي يضيق خناقها حوله، وهو يحاول إخراج الولايات المتحدة من صراع لا يحظى بشعبية، كان قد ادعى في البداية أنه لن يستمر سوى بضعة أسابيع.
أصبح ترامب محاصرا بين اتفاق مؤقت يجري التفاوض عليه بين إيران وعمان، ومن شأنه أن يمنح طهران سيطرة على مضيق هرمز لم تكن تمتلكها قط قبل الحرب، وبين المضي قدما في تحذيراته بتصعيد حاد، مما ينطوي على خطر إطالة أمد الأزمة.
ويقول محللون إن الخيار الأول سيمنح إيران أكبر تنازل تحصل عليه منذ أن هاجمتها الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير، وسيكرس، ولو موقتا، لسيطرة الجمهورية الإسلامية على ممر شحن النفط الحيوي، وهو ما تعهدت إدارة ترامب بمنعه.
أما المسار الثاني، الذي من المرجح أن يكون موجة جديدة من الضربات الجوية، فقد يكون محفوفا بمخاطر سياسية لترامب قبل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية الحاسمة في نوفمبر، في حين يبدو أنه لا يقدم فرصة أفضل للنجاح مقارنة بالقصف السابق الذي فشل في إخضاع طهران.
وقد يختار ترامب بدلا من ذلك الحفاظ على الوضع الراهن غير المستقر. وهذا يعني استمرار الحصار على موانئ إيران والرد بشكل دوري على أي هجمات تستهدف السفن. لكن هذا النهج أيضا لن يوفر لترامب مخرجا يحفظ ماء وجهه من صراع كان قد توقع أن ينتهي بحلول منتصف أبريل.
وقال آرون ديفيد ميلر المفاوض السابق لشؤون الشرق الأوسط في إدارات ديمقراطية وجمهورية "إنها قائمة من الخيارات السيئة، لكن ترامب ربما أدرك أنه لا يمكنه السماح لهذه الحرب بالاستمرار إلى ما لا نهاية". وأضاف "لا بد من التنازل عن شيء ما، وقد يتمثل ذلك في الاعتراف بواقع إيراني جديد في المضيق".
وردا على أسئلة رويترز، قال مسؤول أمريكي اشترط عدم الكشف عن هويته إن أي مسارات شحن "مؤقتة" ستكون "خالية من أي عوائق"، ولن يكون هناك طرف يشرف على العبور.
يشدد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو على أن المضيق، الذي تفرض ايران فيه سيطرة شبه كاملة، يجب أن يظل ممرا مائيا دوليا مفتوحا لا تخضع سيطرته لإيران وخاليا من الرسوم.
لكن ترامب سبق وأن ناقض بعض تصريحات روبيو بشأن الحرب، ويقول المحللون إنه قد يفعل ذلك مرة أخرى.
ويضيفون أن هامش المناورة المتاح للرئيس يزداد ضيقا في ظل ارتفاع أسعار البنزين في الولايات المتحدة، وانخفاض معدلات تأييده، وعدم شعبية الحرب على نطاق واسع لدى الرأي العام الامريكي.
ومع استمرار الصراع، لم تحقق تهديدات ترامب سوى القليل، إن كانت قد حققت شيئا من الأساس، لإجبار إيران على التنازل. ويقول المحللون إن احتمال أن يكون الرئيس هو من يقدم أكبر التنازلات هو الاحتمال الأقرب.
وينظر إلى إعادة فتح المضيق على أنه شرط أساسي للعودة إلى المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، والتي تريد إدارة ترامب أن تركز على البرنامج النووي الإيراني، الهدف المعلن الرئيسي للحملة العسكرية التي يشنها الرئيس.
ويبقى السؤال مطروحا بشأن ما إذا كانت الولايات المتحدة مستعدة لقبول أي ترتيب يتم التوصل إليه بين إيران وعمان، اللتين تقعان على جانبي المضيق.
وقال مصدر إيراني رفيع المستوى ومسؤولان بالمنطقة لرويترز إن الشروط المقترحة ستمنح طهران بعض السيطرة على السفن التي تدخل الخليج عبر المضيق. وقال ترامب إن اتفاقا لإعادة فتح الممر المائي بات وشيكا، لكن المسؤولين الإيرانيين قالوا إن التفاصيل لا تزال بحاجة إلى تسوية.
وحتى في حالة إبرام اتفاق بين إيران وعمان واستئناف المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران، فإن الخبراء متشككون بشأن فرص التوصل إلى اتفاق سلام نهائي يستند إلى مذكرة التفاهم التي وقعتها الولايات المتحدة وإيران في يونيو 2026، والتي سرعان ما انهارت. وكان ذلك الاتفاق المبدئي قد منح إيران أيضا بعض التخفيف من العقوبات منذ البداية، الأمر الذي أثار انتقادات من بعض زملاء ترامب من الحزب الجمهوري.
وصرح مسؤول في البيت الأبيض، اشترط عدم الكشف عن هويته، إن مسؤولي إدارة ترامب يتزايد قبولهم لفكرة أن يظل الصراع مستمرا على الأرجح بشكل ما بحلول موعد انتخابات التجديد النصفي. وفي بعض الولايات، يبدأ التصويت المبكر في أوائل سبتمبر.
شروط أكثر
يوم السبت 8 أغسطس 2026 أعلنت إيران إن التوصل إلى اتفاق مع سلطنة عمان بشأن السيطرة على مضيق هرمز أصبح قريبا، لكنه لن يكون كافيا لفتح الممر المائي، في حين ذكرت الإمارات أن طهران هاجمت سفينة أخرى في المنطقة.
وذكر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن إعادة فتح المضيق تتوقف على شروط أخرى، بما في ذلك تعويضات الولايات المتحدة لإيران.
وذكر الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محمد باقر ذو القدر إن هناك مطالب أخرى، من بينها إنهاء التهديدات الأمريكية التي تستهدف إيران ووقف الاعتداءات على الجمهورية الإسلامية وعلى حلفائها في لبنان والأراضي الفلسطينية واليمن والعراق، ورفع الحصار والعقوبات المفروضة على طهران والإفراج عن الأصول الإيرانية.
وقال عراقجي إن نظام فصل حركة الملاحة السابق عبر المضيق لم يعد مقبولا بالنسبة لطهران، مضيفا أن إيران تناقش مسارا مؤقتا مع عمان ريثما يتم حل القضايا الفنية والقانونية المتعلقة بالمسار الدائم.
وذكر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، وهو من التيار المعتدل نسبيا، إنه يعتقد أن الوقت الحالي هو الأنسب للتوصل إلى اتفاق.
ونقلت عنه وكالات أنباء إيرانية قوله "هناك تماسك وقوة ووحدة في البلاد، وبحسب علمي، تعتبر إيران منتصرة وقوية في هذه الحرب".
وصرح الحرس الثوري الإيراني يوم السبت 8 أغسطس إن إعادة فتح مضيق هرمز تعتمد على قبول واشنطن لشروط طهران ولا علاقة لها بالمفاوضات بين الجمهورية الإسلامية وسلطنة عمان.
ونقلت وكالة تسنيم الإيرانية للأنباء عن المتحدث باسم الحرس الثوري حسين محبي القول "متى قبلت الولايات المتحدة شروط إيران، فسيعاد فتح مضيق هرمز بالتأكيد".
تنازلات ترامب
يوم الأحد 9 أغسطس 2026 أفادت صحيفة "وول ستريت جورنال" نقلا عن مسؤولين أمريكيين بأن الرئيس ترامب يمهد الطريق لإعلان النصر في الحرب ضد إيران حال أعادت طهران فتح مضيق هرمز بشكل كامل.
ووفقا لتقرير نشرته الصحيفة، فإن ترامب ذكر في محادثات مغلقة مع كبار مساعديه أنه مستعد للانسحاب من العملية ضد إيران حتى بدون التوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني.
ونقلت الصحيفة عن مصدر في البيت الأبيض أن الولايات المتحدة أتمت جميع أهدافها العسكرية في إيران، وتركيز ترامب الآن ينصب على ضمان تدفق الطاقة في العالم عبر مضيق هرمز، فيما ستبقي الخيارات العسكرية مطروحة إذا واصلت إيران مهاجمة السفن، حسب المسؤول.
وذكرت المصادر أن ترامب "صبور" فى ظل الجمود الذي تشهده المحادثات، لا سيما طالما بقيت أسعار الوقود عند مستوياتها الحالية.
وحسب الصحيفة، فإن حتى هذا الهدف المتواضع (فتح مضيق هرمز) أصبح أكثر صعوبة عندما أصرت إيران يوم السبت على أعلى ثمن لها حتى الآن مقابل السماح بحرية حركة المرور في هذا المعبر المائي، مطالبة من بين أمور أخرى بمليارات الدولارات من المدفوعات الأمريكية وإخراج القوات الأمريكية من المنطقة وإنهاء الحصار البحري الأمريكي.
وفيما يتعلق بمخاوف البرنامج النووي الإيراني، قال ترامب لمستشاريه البارزين في محادثات مغلقة خلال الأسابيع الأخيرة إن طهران "ربما غير قادرة على استئناف أنشطتها النووية خلال فترة رئاسته"، وذلك بعدما دمرت الولايات المتحدة ثلاثة مواقع نووية رئيسية العام الماضي خلال حرب الـ12 يوما.
الجنرالات يبحثون عن حل
كشفت 3 مصادر لشبكة "CNN" يوم الجمعة 7 أغسطس 2026، أن كبار قادة الجيش الأمريكي يبحثون عن مخرج من حرب إيران، يحفظ ماء الوجه بعد ستة أشهر من الحرب.
وأفادت "CNN": "خلال الأسابيع القليلة الماضية، أوضح رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية دان كين، في أحاديث خاصة لكبار مستشاري الرئيس ترامب الآخرين أن الولايات المتحدة بحاجة إلى إيجاد مخرج من الحرب على إيران".
وأضافت: "ذلك لأن الخيارات العسكرية المطروحة لتصعيد الصراع قد تؤدي إلى نتائج عكسية، كما أنه من غير المرجح أن تحقق القوة الجوية وحدها الأهداف التي أعلنها ترامب ".
وأفاد أحد المصادر للشبكة: "كين يبحث عن مخرج، ولا ينفرد بالرأي القائل بأن الحرب وصلت إلى مفترق طرق، حيث ناقش مخاوفه بشأن الخيارات العسكرية لتصعيد الصراع وطرح فكرة إيجاد مخرج من الحرب مع مسؤولين بارزين آخرين في الإدارة، بمن فيهم مدير وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) جون راتكليف، ووزير الخارجية ماركو روبيو، ونائب الرئيس جي دي فانس، حسبما أفاد اثنان من المصادر".
وأجرى الجنرال الأمريكي مؤخرا محادثات جانبية مع بعض هؤلاء المستشارين الرئيسيين لترامب ممن يشاركونه الرأي نفسه في مسعى لتسهيل التنسيق بين الوكالات وضمان توافق الرؤى قبل الاجتماعات مع الرئيس الأمريكي، ويهدف هذا التحرك إلى توضيح القيود والمخاطر المرتبطة بالخيارات العسكرية المتاحة، بما فيها تلك التي تتجنب نشر قوات برية أمريكية، وفقا للشبكة.
وطالما أبدى ترامب معارضة لفكرة نشر قوات برية في إيران، مشيرا بدلا من ذلك إلى اعتقاده بأن القصف الجوي يمكن أن يجبرهم على الموافقة على اتفاق بشروطه الخاصة.
وفي المقابل، يرى كين وغيره من أعضاء إدارة ترامب أن هذا السيناريو مستبعد، وسعوا بدلا من ذلك إلى تطوير خيارات أخرى تتماشى مع المعايير التي وضعها ترامب.
وبعد مرور نحو 6 أشهر على صراع بدأ بمزاعم استمرت أسابيع حول تدمير القدرات العسكرية الإيرانية، ولا يزال محكوما بتعهد ترامب بمنع طهران من حيازة سلاح نووي، تبرز أهمية بالغة في حقيقة أن أرفع جنرال لدى ترامب يرى أنه لا يوجد حل عسكري سهل لإنهاء حرب اختار الرئيس خوضها.
وقال جوزيف هولستيد المتحدث باسم الجنرال كين للشبكة: "نحن لا نناقش المحادثات السرية التي يجريها رئيس هيئة الأركان مع الرئيس أو الوزير أو غيرهما من كبار القادة، كما أننا لا نعلق على التوصيفات المجهولة التي تحركها أجندات معينة لتلك المحادثات، والصادرة عن مصادر لم تكن مطلعة عليها".
متلازمة جيمي كارتر
أفادت صحيفة "الغارديان" البريطانية يوم السبت 8 أغسطس 2026 أن القيادة الإيرانية تدرس استراتيجية سرية تهدف لتأجيل أي اتفاق مع إدارة ترامب إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر المقبل.
وتستند الخطة الإيرانية، حسب "الغارديان"، إلى قناعة راسخة في أروقة صنع القرار بطهران بأن إطالة أمد الأزمة سيخدم مصالحها المزدوجة: نووياً وسياسياً. وتشبه الأوساط الإيرانية الوضع الحالي بأزمة الرهائن الأمريكيين بين عامي 1979 و1981، والتي دمرت شعبية الرئيس الأسبق جيمي كارتر.
وتراهن طهران على أن استمرار التوتر، وما يرافقه من ارتفاع في أسعار النفط وتكاليف الحرب، سيؤدي إلى تفاقم استياء الرأي العام الأمريكي، مما يوجه ضربة قاصمة للحزب الجمهوري ويقلص هامش المناورة السياسي لترامب.
لا يخلو العداء الإيراني لترامب من الأبعاد الشخصية العميقة، فلا تزال ذاكرة النظام الإيراني تحتفظ بقرار انسحابه من الاتفاق النووي عام 2018، والعقوبات الخانقة، واغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني. وقد تجلى هذا الغضب مؤخراً في هتافات الانتقام من الولايات المتحدة خلال مراسم تشييع المرشد الأعلى علي خامنئي.
وفي هذا السياق، وصفت وكالة "مهر" التابعة للحرس الثوري الإيراني الوضع بأنه "فخ سياسي لا مفر منه" لترامب:
إذا واصل المواجهة: سيخاطر بتعميق الضغط الاقتصادي والسياسي على الداخل الأمريكي.
إذا انسحب أو خفض التصعيد: سيفسر ذلك بين قاعدته الشعبية على أنه تراجع وضعف.
وتتزامن هذه القراءة مع تصريحات رسمية إيرانية تعكس نية المماطلة. فقد صرح نائب وزير الخارجية الإيراني، كاظم غريب آبادي، لوكالة "إرنا"، بأن الانتقال إلى المرحلة الثانية من المفاوضات النووية قد يستغرق ما بين شهرين وأربعة أشهر، مشروطاً بالتوصل أولاً إلى إطار لتنظيم الملاحة في مضيق هرمز.
من جانبه، قدر جيسون برودسكي، من منظمة "متحدون ضد إيران النووية"، أن هذا الجدول الزمني يعني حرمان ترامب من أي فترة هدوء قبل الانتخابات، مرجحاً استمرار جولات التصعيد في مضيق هرمز.
نضوب الذخائر
جاء في تقرير نشرته وكالة رويترز يوم 4 أغسطس:
ذكرت ثلاثة مصادر مطلعة في العاصمة الأمريكية إن الجيش الأمريكي استخدم معظم مخزونه من الصواريخ بعيدة المدى عالية الدقة خلال حربه التي اندلعت قبل ستة أشهر مع إيران، مما أثار مخاوف إزاء جاهزيته للصراعات المستقبلية.
وهذه الصواريخ بالأساس عبارة عن أسلحة سطح-سطح، والمعروفة باسم أنظمة صواريخ الجيش التكتيكية (أتاكمز) وصواريخ الضربات الدقيقة (بريزم). وذكر مصدران أن الولايات المتحدة استخدمت "تقريبا جميع" هذه الأسلحة.
ولم تشر أي تقارير من قبل إلى مدى نفاد مخزون الجيش من صواريخ أتاكمز وبريزم.
وهذه الصواريخ بعيدة المدى، التي تتجاوز كلفة الواحد منها مليون دولار، جزء مهم من ترسانة الجيش، إذ تتيح شن ضربات دقيقة من مسافة آمنة. ولعبت صواريخ أتاكمز الأمريكية دورا محوريا في حرب أوكرانيا، لأنها مكنت قواتها من مهاجمة أهداف داخل روسيا. أما صواريخ بريزم فهي جيل أحدث وأكثر تطورا سيحل محل صواريخ أتاكمز الأقصر مدى منها.
ويعني التراجع الحاد في مخزون الصواريخ الدقيقة بعيدة المدى أن الرئيس الأمريكي ترامب قد يضطر إلى الاعتماد بدرجة أكبر على عمليات قصف أكثر خطورة ينفذها أفراد، إذا عاود شن هجمات واسعة النطاق على إيران.
وامتنعت المصادر عن الإفصاح عن عدد الذخائر المتبقية لدى الولايات المتحدة من كل نوع.
وقال مصدر رابع مطلع إن القيادة المركزية، التي تشرف على القوات الأمريكية في الشرق الأوسط، استخدمت تقريبا كل الصواريخ التي تطلق من البر والتي كانت لديها قبل بدء الحرب، لكنها تمكنت من إعادة التزود بذخيرة من الإمدادات العسكرية الأمريكية في أماكن أخرى من العالم.
وتحدثت المصادر التي أجريت معها مقابلات من أجل إعداد هذا التقرير رافضة الكشف عن هوياتها.
وردا على طلب التعليق على بيانات المخزون، أصدر البيت الأبيض بيانا من ترامب، قال فيه إن الولايات المتحدة لديها "ذخائر أكثر بكثير من أي أحد آخر في العالم" و"أكثر بكثير مما نحتاج إليه".
وأضاف ترامب "شركاتنا الدفاعية، في هذه اللحظة، تصنع ذخائر أكثر مما كانت تصنعه في أي وقت مضى، بالإضافة إلى توسيع مصانعها ومعداتها بمستويات قياسية".
ويتفق المحللون على أن بعض الذخائر، بما يشمل قذائف المدفعية وعدة أنواع من الصواريخ، تُنتج بمستويات قياسية، لكنهم يحذرون من أن الإمدادات قد تكون أقل بكثير مما هو مطلوب لحرب طويلة الأمد.
ولم ترد شركة لوكهيد مارتن، المصنعة لصواريخ أتاكمز وبريزم، بالإضافة إلى منظومة ثاد المضادة للصواريخ الباليستية، حتى الآن على استفسارات بخصوص تصريحات ترامب أو مستويات الإمداد. ولم ترد أيضا حتى الآن شركة ريثيون، المصنعة لصواريخ توماهوك وصواريخ باتريوت الاعتراضية، وهما سلاحان أمريكيان مهمان.
وقال شون بارنيل كبير المتحدثين باسم وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) ردا على طلب للتعليق "الجيش الأمريكي هو الأقوى في العالم، ولديه كل ما يلزم لتنفيذ (العمليات) في الزمان والمكان اللذين يختارهما الرئيس. لقد نفذنا العديد من العمليات الناجحة عبر القيادات القتالية، مع ضمان امتلاك الجيش الأمريكي ترسانة واسعة من القدرات لحماية شعبنا ومصالحنا".
وانتشرت أرقام الإمدادات في أروقة الحكومة الاتحادية خلال محادثات متوترة داخل إدارة ترامب عن المدة التي يمكن للولايات المتحدة خلالها مواصلة قصف إيران دون استنزاف المخزون ووصولها إلى مستويات من شأنها أن تحد من قدرة الجيش على التعامل مع أزمات في أماكن أخرى.
وقال أحد المصادر إن السحب من مخزونات أتاكمز وبريزم يعكس قرار إدارة ترامب تجنب أكثر السبل خطورة لمهاجمة الأهداف الإيرانية، مثل استخدام الطائرات المأهولة لإسقاط القنابل.
ونظرا لأن هذه الأسلحة تمكن الجيش من مهاجمة الأهداف عن بعد، يقول محللون إنها تكون قيمة في حرب على خصم يملك دفاعات جوية قوية، مثل الصين. وأشار تقرير صدر في مارس عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن هذه الأسلحة استخدمت لقصف أهداف داخل إيران.
وأفاد التقرير بأن مخزونات صواريخ بريزم كانت منخفضة في بادئ الأمر، لأنها ذخيرة جديدة نسبيا، لكن الجيش الأمريكي طلب عددا كبيرا منها لعام 2027. وذكر الجيش أنه يجري التخلص تدريجيا من صواريخ أتاكمز وأن الإنتاج يتحول إلى صواريخ بريزم الأحدث.
حروب الظل
يوم 5 أغسطس 2026 نشر موقع Naked capitalism تقريرا للكاتب: إيف سميث يشرح فيه موقع كل من الصين وروسيا في الحرب على إيران، بالتوازي مع تدخل دول أخرى في هذه الحرب:
كما هو الحال في الحروب جميعها، وخصوصاً في منطقة "الشرق الأوسط" التي تعتبر المصدر الرئيسي للنفط والغاز في العالم، لطالما هدد الصراع الأمريكي الإسرائيلي الإيراني بالتوسع ليشمل أطرافاً أخرى لديها مصالح إلى جانب الأطراف المتحاربة الرئيسية.
وقد اقتصرت مشاركة حلفاء واشنطن و"تل أبيب" حتى الآن على تبادل المعلومات الاستخباراتية والدعم الجوي الدفاعي البحت، دون المشاركة في عمليات قصف هجومية.
ومن جهة طهران وحلفائها، فقد تركز الدعم الرئيسي منذ فترة طويلة من الصين وروسيا بشكل كبير من خلال التغطية الدبلوماسية والدعم الاقتصادي، إلى جانب بعض المعدات العسكرية التي لا يمكن إنكارها، والتي تزود بها موسكو وبكين طهران، من ضمنها الإلكترونيات الدقيقة والمواد اللازمة لتصنيع الصواريخ والطائرات المسيرة.
ولا شك في أن هذا الصراع الدائر ساهم في إبقاء أسواق النفط العالمية تحت وطأة حالة الذعر التام التي كان من المتوقع حدوثها. ومع ذلك، تشير تطورات جديدة خطيرة إلى أن هذه الحرب السرية التي تشارك فيها روسيا والصين بسرية حتى الآن، قد تخرج من الظل إلى العلن.
في حالة روسيا، تشير تقارير الاستخبارات الأمريكية إلى أن موسكو تزود إيران بنشاط ببيانات الأقمار الصناعية في الوقت الفعلي، بالإضافة إلى معلومات استخباراتية عن الأهداف وتحركات السفن الحربية والطائرات الأمريكية، ما أتاح لإيران شن ضربات صاروخية انتقامية أكثر دقة.
كما قامت موسكو، وفقاً للمصادر نفسها، بدمج نظام الملاحة عبر الأقمار الصناعية "غلوناس" في الطائرات المسيرة الإيرانية، ما يسمح لقذائف طهران بعيدة المدى بتجاوز التشويش الإلكتروني للحلفاء بشكل أكثر فعالية.
ولغاية التوسع في هذا المجال، تستفيد أحدث الطائرات المسيرة والصواريخ الإيرانية من قدرتها على تتبع أنظمة "بيدو 3" الصينية بالتزامن مع نظام "غلوناس" الروسي. وبفضل دمج التحديثات الروسية التي تعود إلى الحقبة السوفياتية مع التكنولوجيا الصينية، لا تستطيع أنظمة التشويش الغربية التقليدية حجب النظامين معاً، نظراً إلى أن كل نظام يعمل على ترددات لاسلكية مختلفة تماماً، وهذا يمنح الطائرات المسيرة الجديدة التي تستخدمها إيران ضد الولايات المتحدة دقة غير مسبوقة في استهداف قواعدها وقواعد حلفائها.
أما بالنسبة إلى الصين، فقد وردت أنباء في بداية شهر أغسطسمن مصادر استخباراتية متعددة عن أن إيران بصدد اقتناء نحو 400 نظام دفاع جوي صيني محمول على الكتف، الذي يتميز بدقة عالية ضد المروحيات والطائرات المسيرة والطائرات النفاثة التي تحلق على ارتفاعات منخفضة، باستخدامها أنظمة تتبع حساسة تعمل بالأشعة تحت الحمراء وفوق البنفسجية، وتتيح للصاروخ التوجه مباشرة نحو البصمة الحرارية لمحرك الطائرة، مستفيداً من حصانته ضد أي إجراءات مضادة.
كما أن هذا النظام سهل النشر، ويتراوح وزن الوحدة العام بين 15 و20 كيلوغراماً فقط، ويمكن إتمام التدريب التشغيلي الأساسي على منصة إطلاقه في أقل من أسبوع واحد، بينما من المستحيل أيضاً تحديد موقعه، لأنه لا يصدر أي بصمة إلكترونية في أثناء التتبع. بإيجاز، يهدف هذا النظام إلى حرمان الولايات المتحدة من التفوق الجوي على ارتفاعات منخفضة.
وعلى الرغم من الفاعلية الكبيرة التي تتمتع بها هذه الأدوات، فإنها تصبح أشد تأثيراً في السياق الجيوسياسي الأوسع الذي تسعى فيه الصين وروسيا إلى إيقاف ما كان الأمر عليه حتى وقوع الحرب على إيران، ومواجهة اندفاعة الرئيس ترامب لإعادة ترسيخ النفوذ الأمريكي في مختلف أنحاء "الشرق الأوسط" التي كان أساسها أن تتقدم المزيد من "اتفاقات أبراهام" بين "إسرائيل" ودول أخرى في المنطقة برعاية واشنطن.
ولقد كانت الإمارات الدولة الأولى التي وقعت على "اتفاقيات أبراهام" في عام 2020، وكان ترامب واثقاً حينها بأنه استطاع تغيير المشهد في أنحاء المنطقة بدرجة كافية لتمهيد الطريق لعدة اتفاقات جديدة. وقد استند تفاؤله إلى نجاح الإطاحة الأمريكية البريطانية المشتركة بنظام بشار الأسد في سوريا في نهاية العام 2024، حيث تم تحييد بين عشية وضحاها مركز الثقل الرئيسي للنفوذ الروسي في "الشرق الأوسط"، تواكبت مع انطلاق موجة ضخمة من الاستثمارات الأمريكية في العراق من خلال منح العديد من مشروعات النفط والغاز الجديدة لشركات أمريكية بدلاً من الشركات الصينية، كما كان الاتجاه السائد من قبل.
كما ضمن ترامب استثمارات كبيرة جديدة للسعودية أيضا في الولايات المتحدة، بينما كان في الوقت عينه يضيق حلقة العقوبات حول خصمها الإقليمي الرئيسي إيران. ولو استمر ترامب على هذا النهج، لربما ذللت العقبة الأخيرة أمام رؤيته لعودة "الشرق الأوسط" إلى دائرة النفوذ الأمريكي، بعيداً عن نفوذ الصين وروسيا، إلا أنه بشنه هجمات مباشرة على إيران، فتح صندوق باندورا، وكانت أولى المشكلات الناجمة عنه إغلاق إيران المتوقع لمضيق هرمز، الذي يمر عبره ما يصل إلى 20 في المئة من نفط العالم ونحو 30 في المئة من غازه الطبيعي المسال.
والأسوأ من ذلك، فإن أنصار الله قد يوسعون حصارهم الحالي للموانئ السعودية والسفن العابرة لمضيق باب المندب متى شاؤوا. وكل ذلك من شأنه أن يحرم العالم من 12 في المئة إضافية من تدفقات النفط الخام و8 في ألمئة من الغاز الطبيعي المسال. يضاف إلى هذه الكارثة الاقتصادية التي تواجه موردي الطاقة في "الشرق الأوسط"، هناك التهديد اليومي من الطائرات والصواريخ الإيرانية التي تستهدف منشآت الطاقة الرئيسية والبنية التحتية الحيوية المرتبطة بقطاع السياحة، وهو ركيزة اقتصادهم الأخرى.
ولا شك في أن التداعيات الجيوسياسية لكل هذا بالنسبة إلى الولايات المتحدة لا تقل كارثية، حيث إن العديد من هذه الدول تتساءل الآن عن مبرراتها لشراء معدات دفاعية أمريكية بمئات المليارات من الدولارات والاعتماد على واشنطن كحامية لها ضد إيران. وليس من قبيل المصادفة إطلاقاً أن تتمكن الصين من حل المشكلتين بسرعة كبيرة، بموجب بنود "اتفاقية التعاون الشامل بين إيران والصين لمدة 25 عاما"، حيث تستورد الصين كمية كبيرة من موارد النفط والغاز الإيرانية.
التداعيات الجيوسياسية
وتتيح الاتفاقية المذكورة شراكة كبيرة بين طهران وبكين بالنفوذ الجيوسياسي على ممرات عبور النفط والغاز الطبيعي المسال الحيوية في مضيق هرمز، وفي ممر باب المندب المائي الذي يمتد بعرض 16 ميلاً بين الساحل الغربي لليمن من جهة، والساحلين الشرقيين في جيبوتي وإريتريا من جهة أخرى، ثم يتصل بالبحر الأحمر، حيث تتمتع الصين أيضاً بنفوذ كبير في جيبوتي وإريتريا من خلال قروض استثمارية لتمويل مشاريع البنية التحتية في إطار مبادرة "الحزام والطريق".
وعندما يتعلق الأمر بمواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة، تدرك الصين تفوق الولايات المتحدة عليها. وعلى أي حال نادراً ما يكون هذا هو النهج الصيني. وكما ورد في كتاب "فن الحرب" للقائد العسكري الصيني العظيم سون تزو، في القرن الخامس الميلادي، فإن "أسمى فنون الحرب هو إخضاع العدو دون قتال". ويبدو أن هذا هو النهج الذي تتبعه الصين تحديداً في سياق الأحداث الجارية في "الشرق الأوسط"، حيث تستفيد بكين من استنزاف الولايات المتحدة لمواردها من الصواريخ وغيرها من المعدات الحربية الحيوية في حرب ساخنة خاسرة، بينما تكسب هي بهدوء سلامتها الاستراتيجية.
كذلك تضع هذه الاستراتيجية الصين في موقع مثالي للتوسط في سلام بين واشنطن وطهران عندما يصبح الوضع لا يطاق بالنسبة إلى ترامب، ربما بهدف جعل الولايات المتحدة تتخذ موقفاً أكثر مرونة تجاه تحركات الصين المستقبلية وبشأن السيادة على تايوان.
السراب الإسرائيلي
لا تزال إسرائيل تقوم بضرب اخماس في أسداس بشأن فرص تمكن طهران من السلاح الذي يهدد الوجود الصهيوني في الشرق الأوسط بينما يحجب الضبابالأخبار حول قدرات إيران النووية، ويدفن السياسيون في الغرب رؤوسهم في الرمال ويتجاهلون أن طهران صنعت قبل أكثر من سنة ونصف ما يقارب نصف طن من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة وأنه في امكانها صنع الأكثر منذ ذلك التاريخ وبالتالي غدت عمليا قوة نووية تبحث كما فعلت كوريا الشمالية تحديث قدراتها النووية.
نفس الآمال التي تعلقت بها واشنطن وهي تتعامل مع تطوير كوريا الشمالية لقدراتها النووية العسكرية تسود في تل أبيب.
صحيف "يديعوت أحرونوت" (https://www.ynet.co.il/news/article/sys11pmq8mg%20/l%20autoplay) عكست المخاوف والآمالالإسرائيلية ففي عددها ليوم الجمعة 7 أغسطس 2026 كتبت:
رغم الهجمات العنيفة على المواقع النووية في إيران يقدر الخبراء أن جزءا كبيرا من قدرات طهران النووية ما زال سليما.
وأضافت الصحيفة أن الخبراء حذروا من أن القدرة النووية الإيرانية لا تزال قائمة ويمكنهم انتاج قنبلة في أقل من عام.
وذكرت "يديعوت أحرونوت" أن مصير مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئى لا يزال مجهولا، لكن الاستخبارات الأمريكية تشير إلى إمكانية الوصول إلى المستودع الضخم في أصفهان.
وتفيد الصحيفة بأن أحد الأهداف الرئيسية التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عند إعلانه الحرب على إيران هو منع الجمهورية الإسلامية من الحصول على أسلحة نووية.
ولكن بعد مرور أكثر من خمسة أشهر على بدء الحملة، يقدر المسؤولون والخبراء أن الهجمات قد عطلت بشكل ملحوظ البرنامج النووي الإيراني، لكنها لم تدمره.
ووفق المصدر ذاته، تكمن المشكلة الرئيسية في أن لا أحد خارج إيران يعلم على وجه اليقين ما حدث لمخزونها من اليورانيوم المخصب، حيث تمنع طهران مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية من الوصول إلى مواقعها النووية الأكثر حساسية.
ووفقا لتقديرات المفتشين، فإنه على الرغم من الهجمات التي استهدفت المواقع الرئيسية الثلاثة في عامي 2025 و2026، لا تزال إيران تمتلك كمية من اليورانيوم المخصب إلى مستوى قريب من المستوى المطلوب لصنع الأسلحة، وهو ما قد يكفي بعد مزيد من المعالجة، لإنتاج نحو 10 قنابل نووية.
وقال إيلي غرانمييه الخبير في الشأن الإيراني ومؤلف كتاب "مرصد إيران النووي" وهو مشروع تابع للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية لمراقبة النشاط النووي الإيراني، لصحيفة "نيويورك تايمز": "لا تزال القدرة موجودة إلى حد كبير".
وفي تحليل حديث، جادل داريل كيمبال المدير التنفيذي لجمعية الحد من التسلح، بأن الحرب أثبتت أن سياسة "الضغط الأقصى" التي انتهجها ترامب والإجراءات العسكرية التي نفذها، لم تتمكن ولن تتمكن من القضاء تماما على القدرات النووية الإيرانية.
أصفهان.. مئات الكيلوغرامات من اليورانيوم المخصب
يعتقد أن معظم مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب مُخزّن في منطقة أصفهان، ففي فبراير 2026، قدرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية وجود حوالي 440 كيلوغراما من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة هناك، وهي كمية كافية مع مزيد من التخصيب والمعالجة، لإنتاج تسع أو عشر قنابل نووية في غضون أسابيع.
وتعرض مجمع أصفهان النووي لأضرار جراء غارات أمريكية وإسرائيلية في يونيو 2025، ولا يزال يعتقد أن منشأتين تستخدمان لتحويل اليورانيوم أو تخصيبه قد تعرضتا لأضرار جسيمة.
ومع ذلك، لا يُعتقد أن مخزون اليورانيوم نفسه قد دمر، ومن المرجح أنه لا يزال موجودا في المجمع.
وبحسب تقدير أكثر تفصيلا من خبراء معهد العلوم والأمن الدولي، يحتمل أن يكون ما بين 265 و287 كيلوغراما من المخزون النووي مدفونا في أصفهان، مع احتمال العثور على 80 كيلوغراما إضافية في فوردو، على الرغم من عدم تأكيد هذا الرقم رسميا، بينما يُرجّح وجود الكمية المتبقية في منطقة نطنز.
ويخزن اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة في الغالب على شكل غاز سادس فلوريد اليورانيوم (مركب كيميائي يتحول إلى حالة غازية عند تسخينه فوق 56 درجة مئوية) في خزانات صغيرة نسبيا بحجم خزانات الغوص.
ولذا، لا تتطلب مئات الكيلوغرامات من المواد النووية "مستودعا ضخما"، ويمكن نظريا نقلها إذا توفرت إمكانية الوصول إلى الأنفاق.
وتشير تقديرات وكالات الاستخبارات الأمريكية إلى أن الإيرانيين ما زالوا قادرين على الوصول إلى مخزون الأسلحة النووية في أصفهان عبر منفذ ضيق للغاية.
وتخضع المنطقة لمراقبة أمريكية مستمرة إلا أن مجرد إمكانية وصول طهران إلى هذه المواد يعدّ أحد الأسباب الرئيسية للقلق من أن الضربات لم تُحسم القضية النووية.
نطنز.. المنشأة السرية والجبل الجديد
قد يكون جزء آخر من مخزون اليورانيوم المخصب موجودا في نطنز، أكبر موقع لتخصيب اليورانيوم في إيران.
لم يُبلغ مفتشو الأمم المتحدة في البداية عن هذا الموقع الذي يقع جزء كبير منه تحت الأرض، وكشف عنه عام 2002 على يد معارضين للنظام الإيراني.
تضررت المنشآت الظاهرة فوق سطح الأرض في نطنز بشدة جراء هجمات يونيو 2025، وفي مارس من هذا العام تضررت أيضا مداخل محطة التخصيب تحت الأرض في خطوة ربما كانت تهدف إلى دفن المنشآت والمخزونات تحت الأرض وإخراجها عن الخدمة.
ومع ذلك، يقع موقع آخر على بعد كيلومتر ونصف تقريبا من نطنز وهو موقع "جبل الفأس"، الذي يُثير القلق.
ففي عام 2020، أعلن مسؤولون إيرانيون عن نيتهم بناء منشأة جديدة لإنتاج أجهزة الطرد المركزي هناك في أعماق الأرض، لتكون قادرة على تحمّل القنابل القوية المُدمّرة للتحصينات.
ووفقا للخبراء، فإن الموقع لم يبدأ تشغيله بعد، لكن صور الأقمار الصناعية أظهرت استمرار أعمال البناء فيه حتى بعد هجمات يونيو 2025.
وقد هدد ترامب مرارا وتكرارا بمهاجمة هذا الموقع أيضا، لكنه لم يفعل حتى الآن.
فوردو.. هل تم تعطيله؟
لسنوات طويلة، اعتُبرت فوردو جوهرة تاج برنامج التخصيب الإيراني، وهي منشأة تحت الأرض تقع في أعماق سحيقة، وتعتبرها إيران موقعها الأكثر تحصينًا وتطورا.
خلال هجمات يونيو 2025، ألقيت 12 قنبلة ثقيلة على الموقع، ووفقا لتقديرات الاستخبارات الأمريكية فقد لحقت به أضرار جسيمة، وربما تم تعطيله تماما.
وظلت مداخل المنشأة الأربعة مدفونة تحت الأنقاض حتى منتصف مايو من هذا العام على الأقل.
وأشارت تحليلات صور الأقمار الصناعية التي نُشرت في يونيو إلى أن إيران وضعت عوائق جديدة على الطرق المؤدية إلى مداخل الأنفاق المدفونة، على الأرجح لتصعيب شن هجوم آخر.
ومع ذلك، يُعتقد أن الهجمات في منطقة فوردو خلال الحرب الحالية ركزت بشكل أساسي على أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية ومركز أبحاث مجاور، وليس على منشأة التخصيب نفسها.
كم من الوقت سيستغرق الأمر حتى تستأنف إيران البرنامج؟
إلى جانب المخاوف بشأن مخزون اليورانيوم المتبقي، ووفقا لتحليل حديث لصور الأقمار الصناعية، لا يوجد حاليا أي دليل على أن إيران قد استأنفت تخصيب اليورانيوم، أو أنها حاولت الوصول إلى مخزونها من اليورانيوم المخصب.
كما أن منشآت إنتاج أجهزة الطرد المركزي فوق سطح الأرض لا تزال مدمرة، دون أي مؤشرات واضحة على إعادة تأهيلها.
وهذا يعني أن التهديد الرئيسي في الوقت الراهن لا يكمن في نشاط التخصيب الفعلي الجاري، بل في قدرة طهران على استئنافه بسرعة.
ولا تزال إيران تُصر على أن برنامجها النووي سلمي بحت، إلا أن تخصيبها لليورانيوم بنسبة 60% وهي نسبة أقرب بكثير إلى مستوى التخصيب المطلوب لصنع الأسلحة وقيودها على عمليات التفتيش الدولية، تثير مخاوف متزايدة بشأن نواياها، وفق الصحيفة العبرية.
وفي أبريل الماضي، أصر ترامب على أن إدارته "دمرت تماما" البرنامج النووي الإيراني، وأكد المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، أن الضربات "أدت إلى تراجع البرنامج بشكل كبير"، لكنه شدد على أنه حتى بعد انتهاء العملية العسكرية، ستظل هناك مشاكل رئيسية عالقة.
ويقدر جيمس أكتون الفيزيائي والخبير في الشأن الإيراني لدى مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، أن ما يكفي من البنية التحتية النووية الإيرانية لا يزال قائما، ما يسمح لطهران بالعودة سريعا إلى مسار إنتاج قنبلة نووية.
وقال: "أُقدر أنهم قادرون في هذه المرحلة على إنتاج قنبلة في أقل من عام"، مضيفا أن الأمر قد يستغرق "أقل بكثير من عام".
ووفقا لتحليل أجرته جمعية "الحد من التسلح"، إذا تمكنت إيران من الوصول إلى مخزونها من اليورانيوم ونحو 100 جهاز طرد مركزي طورته، فبإمكانها تخصيب كمية كافية من اليورانيوم لصنع قنبلة واحدة في غضون أسابيع.
وهذا لا يعني إمكانية تجميع سلاح نووي كامل في أسابيع، بل يعني فقط قدرتها على إنتاج المواد الانشطارية اللازمة.
عمر نجيب









