الهندسة الصينية للنظام الدولي عبر الأزمة الأمريكية – الإيرانية

أربعاء, 2026-05-06 00:15

في مطلع هذا المقال، لا يسعني إلا أن أعرب عن بالغ الحزن والأسى لوفاة أستاذي وصديقي العزيز الدكتور امحمد الداسر، القامة الأكاديمية والقانونية التي بصمت تاريخ المغرب كقاضي سابق بالمجلس الدستوري وعميد سابق لكلية الحقوق بالمحمدية؛ وإذ نستحضر اليوم بتقدير كبير عطاءه الاستثنائي في تكوين أجيال من رجال الدولة والأساتذة والسياسيين، فإننا نودع فيه نموذجاً للعالم المتواضع والمربي المخلص، سائلين الله العلي القدير أن يتغمده بواسع رحمته ويسكنه فسيح جناته ويلهم أهله وذويه وطلبته جميل الصبر والسلوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
الطلقة الأولى
وإن رحيل قامة فكرية وقانونية كانت تؤمن بسلطة المؤسسات ومنطق القانون، لَيأتي في وقت يفتقر فيه العالم إلى صوت الحكمة؛ ففي هذه اللحظة التاريخية الفارقة التي نعيشها اليوم، وتحديداً عقب الانهيار الدراماتيكي لمسار الدبلوماسية الدولية بإلغاء لقاء القمة الذي كان مقرراً بين واشنطن وبكين في أبريل 2026، لم يعد الصراع مجرد تباين في وجهات النظر، بل استحال إلى “صدام إرادات” شامل…إن إلغاء هذه القمة كان بمثابة “الطلقة الأولى” في حرب باردة جديدة، لكنها حرب تدار بأسلحة الاقتصاد وأمن الطاقة قبل الصواريخ العابرة للقارات. وفي هذا المناخ المتفجر، يبرز التساؤل الجوهري حول كيفية إدارة الصين لأزمات الشرق الأوسط، وتحديداً الحرب الأمريكية-الإيرانية، ليس كعبء أمني، بل كـ “فرصة تاريخية” لإعادة هندسة النظام الدولي.

 اقتناص الفرص إن القوة الصينية لا تتحرك بمنطق “رد الفعل” العاطفي أو الاندفاع العسكري الذي ميز السياسة الأمريكية لعقود، بل تتبنى استراتيجية “الفعل المتراكم” و”الاقتناص البراغماتي”. فبينما كانت واشنطن غارقة في استنزاف مواردها المالية والعسكرية لتركيع طهران، كانت بكين ترقب المشهد بعين “التاجر الاستراتيجي”. لقد مكنت الحرب الصين من تحويل إيران إلى “مخزن طاقة خلفي” لا يخضع لإملاءات البترودولار. ومن خلال قراءة الأرقام، نجد أن الصين لم تكتفي بتأمين احتياجاتها، بل مارست عملية “تسييل للسيادة الإيرانية”، حيث حصلت على صفقات نفطية بخصومات وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، مما وفر للصناعة الصينية “دعم طاقي” غير مباشر، ممول من فاتورة الحرب التي تدفعها أطراف الصراع الأخرى.
هذا “الاقتناص” ليس مجرد تجارة عابرة، بل هو جزء من رؤية صينية أعمق ترى في “سلاسل القيمة” البديل الحقيقي للقواعد العسكرية. فالصين تدرك أن السيطرة على تدفقات الطاقة في زمن الأزمات تمنحها قدرة على “الابتزاز الجيوسياسي” الناعم ضد خصومها الغربيين. وبينما كانت الطائرات الأمريكية تقصف المنشآت، كانت الشركات الصينية توقع عقوداً طويلة الأمد لترميم البنية التحتية بأسعار بخسة، مما يعني أن الصين تستعد لوراثة النفوذ في المنطقة عبر “بوابة الإعمار” لا عبر “فوهة المدافع”.
توطين النفوذ إن التحليل المعمق لاتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة (25 عاماً) بين بكين وطهران يكشف عن عملية “هندسة عكسية” للنفوذ الغربي في الشرق الأوسط. الصين هنا لا تبيع “أوهام الديمقراطية” أو “مظلات الحماية” المهترئة، بل تقدم “التنمية المقيدة”. نحن أمام نموذج فريد من الاستعمار الاقتصادي الحديث، حيث يتم ربط المستقبل الهيكلي للدولة الإيرانية –ومعها دول المنطقة– بالآلة الإنتاجية الصينية. في آذار 2026، ومع تصاعد حدة المواجهات، تحولت الموانئ الصينية إلى الرئة الوحيدة للاقتصاد الإيراني، مما منح بكين سلطة مطلقة في رسم ملامح السياسة الخارجية لطهران بما يخدم مصالح “طريق الحرير الجديد”.
هذا التوطين للنفوذ يتجاوز الجانب المادي إلى الجانب التكنولوجي والرقمي؛ فالصين تستغل الانشغال العسكري الأمريكي لتثبيت معاييرها التقنية في شبكات الاتصال والذكاء الاصطناعي بالمنطقة. إنها تبني “شرقاً أوسطياً صينياً” يقوم على التبعية التقنية والمالية، مستبدلةً هيمنة “سويفت” والبنك الدولي بنظام مالي موازٍ يتمحور حول “اليوان الرقمي”. هذا الانتقال يمثل ضربة قاضية لفعالية العقوبات الأمريكية مستقبلاً، ويجعل من القوة الخشنة لواشنطن أداة معطلة في مواجهة الاختراق الصيني الناعم والعميق.
التبعية الهيكلية هنا نصل إلى لب الأزمة، وهي “العجز البنيوي العربي” أمام هذه التحولات الكبرى. فبينما كانت الصين توظف الصراع لتعزيز استقلالها الاستراتيجي، ظل العقل العربي مرتهناً لعقيدة “الانتظار السلبي” والتبعية للخارج. إن المأساة تكمن في أن الفوائض المالية العربية الهائلة لم تُحول إلى “أدوات ضغط” سيادي، بل ظلت ودائع في المصارف الغربية أو استثمارات في سندات الخزانة الأمريكية التي تمول –للمفارقة– الحروب التي تهدد استقرار المنطقة.
العرب اليوم يجدون أنفسهم في حالة “استلاب استراتيجي”؛ فهم يملكون أهم الممرات المائية (هرمز، باب المندب، السويس) لكنهم لا يملكون قرارها. الصين، بذكائها المعهود، لم تدخل في صراع على هذه الممرات، بل جعلت نفسها “الشريك الذي لا يمكن الاستغناء عنه” لكل الأطراف، بينما فشل العرب في خلق “قطب إقليمي” يستفيد من التنافس الصيني-الأمريكي. إن التبعية الهيكلية العربية ليست قدراً، بل هي نتاج غياب الإرادة السياسية لتوطين التكنولوجيا وبناء قاعدة صناعية دفاعية مستقلة، مما جعل العواصم العربية مجرد “ساحات لتصفية الحسابات” بدلاً من أن تكون “لاعباً دولياً” وازناً.
استلاب المستقبل إن الخطر الحقيقي الذي يلوح في الأفق يتجاوز نتائج المعارك العسكرية الحالية إلى ما يمكن تسميته “استلاب المستقبل”. الصين تستثمر في “الاقتصاد الأخضر” و”الطاقة المتجددة” بوتيرة مرعبة، مستغلةً الانشغال العالمي بأسعار النفط والغاز خلال الحرب الأمريكية-الإيرانية لتفرض سيطرتها على سلاسل توريد طاقة المستقبل. في عام 2026، أصبحت بكين تسيطر على أكثر من 80% من تكنولوجيا البطاريات والألواح الشمسية، مما يعني أن العالم –بما فيه المنطقة العربية– سينتقل من “التبعية للنفط” إلى “التبعية للتكنولوجيا الصينية”.
هذا الفشل العربي في مواكبة “الثورة الصناعية الرابعة” هو فشل معرفي قبل أن يكون تقنياً. لقد تم هدر عقود من “الريع النفطي” في الاستهلاك المظهري بدلاً من بناء الإنسان والعلم. الصين استفادت من الخراب في الشرق الأوسط لتسريع انتقالها الطاقي، محولةً المنطقة إلى “سوق استهلاكية” لمنتجاتها الجديدة، ومختبرٍ لتجاربها الجيوسياسية. إننا أمام مشهد تاريخي مقلوب: أمريكا تدفع تكاليف الحرب، وإيران تدفع فاتورة السيادة، والعرب يدفعون ثمن التبعية، بينما الصين وحدها هي من “يقبض الأرباح”.
الاستحقاق السيادي إن التأمل العميق في مسار المواجهة الإيرانية-الأمريكية يفرض علينا طرح تساؤلات حارقة حول كلفة الاستقلال في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء؛ فإيران، برغم كل التحفظات على مشروعها الإقليمي، تقدم اليوم درساً قاسياً في “سيميولوجيا السيادة”، حيث اختارت أن تضع نفسها في نادي الكبار عبر دفع “ضريبة الدم” والصمود الممنهج، رافضةً أن تكون مجرد حديقة خلفية للقوى الاستعمارية. إن الدرس الحقيقي الذي يجب أن يستوعبه العقل العربي هو أن الاستقلال السياسي ليس وثيقة تُوقع أو هبة تُمنح، بل هو انتزاع هيكلي يمر حتماً عبر بوابة “الاستقلال العلمي والتقني”. فإيران لم تصمد بفضل الشعارات، بل بفضل بناء قاعدة صناعية وعسكرية وتكنولوجية ذاتية جعلت من كلفة ضربها عبئاً استراتيجياً لا تتحمله حتى القوى العظمى. إن هذا “النموذج الصمودي” يضع العرب أمام المرآة: هل يمكن تحقيق السيادة ونحن لا ننتج حتى أبسط أدواتنا التكنولوجية؟ إن الاستفادة من الدرس الإيراني تقتضي الانتقال من “سيادة الاستهلاك” إلى “سيادة الإنتاج”، ومن التبعية العلمية للخارج إلى توطين المعرفة بجهود ذاتية، فبدون امتلاك مفاتيح التكنولوجيا والعلوم المتقدمة، سيظل العرب وقوداً لحروب الآخرين، وعاجزين عن حماية أمنهم القومي في عالم يعيد رسم خرائطه بالدماء والاختراعات العلمية على حد سواء.
حتمية التغيير إن ما يشهده عام 2026 ليس مجرد صراع عابر، بل هو “مخاض عسير” لولادة نظام دولي جديد تكون فيه “القوة الاقتصادية والمعرفية” هي المعيار الوحيد للبقاء. الصين أثبتت أن “الصبر الاستراتيجي” والاقتناص الذكي للفرص يمكن أن يهدما إمبراطوريات دون إطلاق رصاصة واحدة ضدها مباشرة. أما بالنسبة للواقع العربي، فإن الاستمرار في نهج “التبعية البنيوية” والارتهان لسراب الحماية الخارجية هو انتحار جماعي.
إن المخرج الوحيد يكمن في فك الارتباط بالمنظومات المهيمنة، والتحول نحو “تكامل اقتصادي عربي” حقيقي يبدأ من توطين العلم والتكنولوجيا، واستثمار الفوائض في بناء “قوة ذاتية” تجعل من العرب فاعلاً لا موضوعاً. إن التاريخ لا يرحم الضعفاء ولا ينتظر المترددين، وإذا لم يستوعب العقل العربي دروس “الخراب الخلاق” الراهن، فإننا سنصحو قريباً على عالمٍ رسمت الصين حدوده، ودفعت أمريكا تكاليفه، وظل العرب فيه مجرد “هوامش” منسية على صفحات “طريق الحرير” الجديد..
اقتصاد في سياسة ولمن أراد التعمق في هذه الرؤية ومتابعة تفاصيلها، يمكن الرجوع إلى حلقات البرنامج عبر الرابط التالي: youtube.com/@TarikLissaoui. وقريباً – بإذن الله – ستُستأنف الحلقات مجدداً لمواصلة تفكيك هذه التحولات ومتابعة تداعياتها؛ لأن ما نعيشه اليوم ليس حدثاً عابراً، بل فصل من مسار تاريخي طويل تتكشف ملامحه تدريجياً.. واللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ..

د. طارق ليساوي أكاديمي وكاتب مغربي