
الإقالة التي تكشف المستور
أُقيل الجنرال راندي جورج، رئيس أركان الجيش الأمريكي، من منصبه بقرار من وزير الحرب “بيت هيغسيث”، وصدرت له الأوامر بالتقاعد الفوري الأسبوع الماضي. في الظاهر، بدت الإقالة وكأنها مجرد بند آخر في قائمة طويلة من عمليات التطهير داخل البنتاغون، لكن الحقيقة كانت خلاف ذلك.
جورج، ضابط المشاة ذو الأربع نجوم، خدم أكثر من أربعة عقود بزيّه العسكري، مع مشاركات قتالية في حرب الخليج، وحرب العراق، وأفغانستان. لقد كان بالضبط نوع الجنرالات الذين تحتاجهم لتقديم المشورة لرئيس يدرس قراره العسكري الأكثر خطورة: هل يغزو إيران أم لا.
لم يكن من قبيل المصادفة أن تأتي إقالته بعد يوم واحد فقط من خطاب الرئيس بشأن إيران. فمن خلال التلويح بتكثيف الضربات وتحديد نافذة زمنية مدتها ثلاثة أسابيع للحل، حوّلت الإدارة تغييراً في الأفراد إلى إشارة استراتيجية.
النمط السائد: تطهير المهنيين
لم تكن إقالة جورج حدثاً معزولاً، بل كانت الأحدث في عملية تفكيك منهجي للقيادة العسكرية العليا. أصبح الجنرال جورج الأحدث من بين أكثر من عشرة ضباط رفيعي المستوى أُقيلوا خلال الولاية الثانية للرئيس ترامب. وشملت جولة الإقالات السابقة الأدميرال ليزا فرانشيتي، أرفع ضابطة في البحرية؛ والجنرال جيم سلايف، الرجل الثاني في القوات الجوية؛ والجنرال تشارلز “سي كيو” براون جونيور، الذي أُزيح من منصب رئيس هيئة الأركان المشتركة.
كما أُقيل إلى جانب جورج كبير حاخامات الجيش، اللواء ويليام غرين جونيور، وقائد قيادة التدريب والتحول بالجيش، الجنرال ديفيد هودني.
ما هو المبرر الرسمي للإدارة لإقالة جورج؟ لم يقدم المتحدث باسم البنتاغون “شون بارنيل” سوى عبارات الامتنان لـ “عقود من الخدمة”، دون إعطاء سبب لهذا الرحيل المفاجئ في وقت الحرب. ومع ذلك، نقلت شبكة “سي بي إس نيوز” عن مصدر قوله إن هيغسيث اتخذ هذه الخطوة لأنه يريد شخصاً ينفذ رؤيته ورؤية الرئيس ترامب للجيش. ولم يلطف مسؤول مجهول الكلمات حين قال: “لماذا تقيل الرجل المسؤول عن حماية قواتنا في منتصف منطقة حرب”؟.
السؤال المسكوت عنه: الغزو البري
لفهم أهمية هذه الإقالات حقاً، يجب النظر إلى السياق الأوسع. فمع دخول الصراع شهره الثاني، تتصاعد التوقعات بغزو بري أمريكي لإيران وسط تقارير تفيد بأن البنتاغون يستعد بالفعل لعمليات برية محدودة.
مع تجاوز حرب إيران شهرها الأول، ينفد الوقت أمام الرئيس ترامب لإنهاء حربه التي خطط لها لتستمر من أربعة إلى ستة أسابيع في موعدها المحدد، ويحذر الخبراء من أن أي حملة برية ستكون “مكلفة للغاية” في الأرواح والأموال والعتاد.
إن الحسابات العسكرية ضد الحرب البرية ليست حزبية، بل هي حسابات مهنية. فأي توغل بري في إيران ينطوي على خطر تكبد خسائر بسبب ترسانة إيران من الطائرات المسيرة والصواريخ، والنيران البرية المباشرة وغير المباشرة، والعبوات الناسفة على جوانب الطرق، والعمليات الانتحارية. تمتلك ايران ترسانةً هائلة من الطائرات المسيرة الانتحارية وهي نفس الأسلحة منخفضة التكلفة التي الحقت خسائر فادحة بالجيش الروسي في أوكرانيا. ويحذر الخبراء من أن اقحام القوات البرية يهدد بحدوث ” توسع المهام” رداً على المقاومة الإيرانية مما قد يتطور الى حملة أوسع للاستيلاء على البلدات والمدن.
انتحار عملياتي: فصل الحقائق عن الرواية المتداولة
أثار توقيت الإقالات، على خلفية التكهنات بشأن غزو بري أمريكي، أسئلة حادة حول كيفية تعامل هيغسيث مع النصائح العسكرية التي تتعارض مع رغباته في جبهة الحرب.
أشار أحد المراقبين السياسيين إلى أنه: “من المرجح أن الجنرالات ذوي الخبرة يخبرون هيغسيث أن خططه للحرب في إيران غير قابلة للتنفيذ، وكارثية، ومميتة”. ويتماشى هذا التقييم مع ما قاله المحللون العسكريون علناً لأسابيع.
الواقع الاستراتيجي الذي تراهن عليه إيران
من جانبها، لا تبذل إيران أي جهد للتقليل من شأن ما قد تبدو عليه الحرب البرية. فقد صرح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لشبكة “إن بي سي نيوز” بأن إيران لا تخشى الغزو البري وأنه سيكون “كارثة كبيرة” للقوات الأمريكية.
أصدرت طهران رداً متحدياً على تفاؤل واشنطن. وقال مسؤول أمني إيراني كبير لشبكة “سي إن إن” إن إيران وحدها هي التي ستحدد نهاية الحرب، مما يشير إلى الاستعداد لحرب استنزاف طويلة الأمد تتعارض مع المزاعم الأمريكية بأن الصراع يقترب من نهايته. كما نشرت وسائل إعلام مرتبطة بالقوات المسلحة الإيرانية حملة لتسجيل المتطوعين تسمح للمشاركين الذين لا تتجاوز أعمارهم 12 عاماً بالتسجيل في أدوار أمنية وجهود دعم الحرب.
البعد الاقتصادي يبعث على القلق بالقدر نفسه؛ فالحرب تكلف حالياً حوالي 11.3 مليار دولار أسبوعياً، وقد طلب وزير الدفاع هيغسيث تمويلاً إضافياً بقيمة 200 مليار دولار. إن أي حملة برية ستضاعف هذه الأرقام عدة مرات.
الجنرالات ومبادئ الحرب
هذا التوتر يجسد صورة أمريكية كلاسيكية: ضابط رفيع المستوى يدفع حدود المعارضة، وقائد أعلى للقوات المسلحة لا يملك سوى القليل من الصبر تجاه التشكيك في قراراته.
إن خطورة اللحظة الحالية غير مسبوقة: الولايات المتحدة عالقة في صراع أشار فيه القائد الأعلى إلى استعداده لتجاوز قوانين الحرب، حتى في الوقت الذي يتم فيه تطهير المسؤولين المخضرمين القادرين على كبح مثل هذه النزوات بشكل منهجي.
حذر خمسة وزراء دفاع أمريكيين سابقين في رسالة مفتوحة من أن نمط الإقالات يثير “أسئلة مقلقة حول رغبة الإدارة في تسييس الجيش وإزالة القيود القانونية على سلطة الرئيس”.
إقالة راندي جورج لم تلغِ حججه. تضاريس إيران لم تتغير حين وُقعت أوراق تقاعده، والألغام المحيطة بجزيرة خارق لم تختفِ، والطائرات المسيرة لم تتبخر. لا يتذكر التاريخ الرؤساء الذين استمعوا لجنرالاتهم على أنهم ضعفاء، بل يتذكر الذين لم يفعلوا ذلك على أنهم متهورون.
جاسم العزاوي كاتب واعلامي عراقي









