
بسم الله الرحمن الرحيم
أعزّي نفسي قبل أي مصاب مصابًا جللًا بوفاة المرحوم إدومو ولد أحمد سيدي، كما أعزّي جميع أفراد الوطن، وعلى رأس المعزّين فيه فهي أسرة المرحوم، ريّا بنت محمد الحسن ، ولد أحمد سيدي، وابنه صلاح الدين ولد إدومو أحمد سيدي، وبقية أفراد الأسرة الكريمة.
فلقد اقتضت حكمة الله ، عز وجل — وأنا الذي كنت أتمنى أن أموت قبل إدومو ليلا أسمع نبأ وفاته —وأن أبقى إلى أن أكتب هذه التعزية، وذلك لكوني الشخص شبه الوحيد الذي يعرف كل شيء عن المغفور له أكثر من غيره وذلك على الأقل حسب علمي .
وإليكم بعض ما أعُرف عنه: إني قد التقيت المرحوم إدومو ولأول مرة ، في سنة خمسة وستين وتسعمائة وألف، ونحن في بداية المراهقة كان ضمّن گيطانة من أخواله قادمة من ضواحي واد الرظيظيع) ، واستمرت لقاءاتنا تلك طيلة شهر يوليو وبداية الخريف في موسم (العارظ)، وقد توطدت علاقتنا تلك ،ورغم قصر المدة .
لتجمعنا الظروف بعد ذلك في سنة 1967، وكنا نرتاد حانوت ابن عمه ، الفاضل محمد ولد أحمد مولود ، نتعلم في دكانه اللهجة الولفية السائدة في تلك البلاد.
ثم تواجدنا بعد ذلك بسنتين في مدينة نواذيبو، حيث جمعنا معهد صانتر ممدو توري ، بحيث أصبحنا أكثر من صديقين وأقرب من أخوين، وقد بدأ حينها يتسرب إلى مسامعنا شبه دبيب الوعي العربي ، بواسطة بعض المعلمين والطلاب ، مثل المرحوم محمد ولد العتيق وغيره كذلك ، ثم إذاعة مصر في عهد عبد الناصر قبل أن تصبح اليوم (مصر العربية)، واستمر ذلك الاتصال بالمعلمين ، وكذا الطلبة مثل سييدي محمد عبدالله ، إلى أن تكون لدينا بعض الرؤى عن الفكر القومي،حيث قد صرنا نميز بين التوجه البعثي بقيادة ميشيل عفلق ، وصلاح البيطار، والفكر الناصري ، من خلال مراجع مثل فلسفة الثورة ، والميثاق وخطب عبّد الناصر ، وكتابات عصمت سيف الدولة.
وقد أنشأنا يومئذ أول خلية ناصرية أواخر 1972يكون أفرادها من طرف الأخ مدحيد والمرحوم شكرود ولد التلمودي وسيدحمد لبات والمرحوم فاضل ولد سيد الهادي وإسلمو ولد مانا والمرحوم محمدو ولد محم بوبه والمرحوم الحسين ولد البشير ، وليلتحق بنا بعد ذلك الطالب جدو ولد ممين قادما من معهد بتلميت
وكان في برنامجنا أن كل واحد منا سيكون خلية خاصة به، على أن أفراد تلك الخلية هي الأخرى ينشؤون خلايا بعد تكوينهم.
ومن أهم تلك الخلايا خلية تلاميذ السنة السادسة التي قدكنتُ أتولى تكوينها أنا وسيد احمدلبات حيث تغيبوا عنا يوم الأحد ، الذي كنا نستقبلهم فيه، وبعد مراجعة الأمر مع بعض أفرادهم ، فقالوا لنا بأن معلمهم حسنا ولد مايمتس فقد قال لهم بأننا لسنا قدوة ، لتكوينهم لكوننا غير متعلمين، ولما قد راجعنا ذلك مع الخلية العامة فقال إدومو: صدق حسنا ، وعلينا أن نغادر إلى ليبيا لنتعلم ولكي نعود إلى وطننا مؤهلين بما بمكننا من المساهمة في إنقاذ بلادنا من التبعية للإمبريالية الغربية !
وقلنا للمغفور له بإننا لا نملك أوراقًا ثبوتية تمكننا من السفر ولا نقودًا تساعدنا في رحلتنا، فما كان منه إلا أن قال : دعوا الأمر كله لي فإني سوف أدبره، وما عليكم إلا التواجد عند القطار يوم غدٍ، وفي الصباح تواجدنا أنا وإدومو والطالب جدو ولد ممين ، والمرحوم محمدو ولد محمد بوبه والمرحوم بياي ولد المانه ، ومحمد لمين ولد احمد ولد اعلي ولنأخذ معنا من الزويرات ، المرحوم خطري ولد أمين ولسوف سينضم إلينا أيضا المرحوم يسلك ولد بوبات في داكار ، وقد انطلقنا عبر تلك الرحلة من مدينة إلى أخرى ، ومن دولة إلى دولة ودون أن نسأل أو نستجدي، ولكن كانت أهمية أهدافنا وصدق نياتنا في تحقيقهما ، لكافيتين في حد ذاتيهما وذلك لجر عطف تجار تجكانت الكرماء الذين قد مررنا بتلك المدن التي كانوا يتواجدون فيها ولكي ييسروا لنا ما قد نستطيع التنقل به ، وإلى أن وصلنا إلى عاصمة النيجر ، لليذهب محمد لمين ولد أحمد لعلي، أمد الله في عمره إلى الكنگو ، من اجل الحصول لنا على تمويل بقية تلك الرحلة وحيث كون بعضنا انتقل إلى ليبيا عبر الصحارى القاحلة ، ولقد كان الظل الوحيد الذي يقينا حر الشمس ، فهو تحت السيارة، لتتقاطر فوق رؤوسنا قطرات من ماء القِرَب أومن زيت المحرك ! والبعض منا أخذ الطائرة ولنتواجد أخيرًا في ليبيا .
ولكوننا لا نمتلك أوراقًا نعمل بها فتوجهنا إلى السفارة، واحتجزنا داخلها السفير ، وبعض الموظفين، وتدخلت الشرطة، وبعد عرض مشاكلنا عليها فقد أقنع كل ذلك السفير بحقنا في الحصول على تلك الوثائق وقد وعدنا بها بعد عشرين يومًا، بحيث قد انطلقنا ولم يكن يعمل منا إلا إدومو لكونه الوحيد الذي لديه جواز سفر، وقد وفر لنا المبيت والشاي في محطته لنفترش الكراتين الفارغة، ويزودنا في الصباح بما قد نقتات به ، وإلى أن نعود إليه في الليلة المقبلة وهكذا دواليك !
وحيث سافر هو منفردًا إلى المغرب، ولقد حصل على ثلاث منح من وزارة الأوقاف، فواحدة له هو واثنتان لي أنا والطالب جدو، وفي السنة الموالية فعاد إدومو إلى الوطن وتوظف مفوضًا في الشرطةوأكملت أنا دراستي في المغرب، وقد كنت لما أعود في العطلة فتتلقاني الشرطة معتبرينني كأحد رؤسائهم، ويتولون الإجراءات ويذهبون بي إلى منزل إدومو الذي يوفر للمقيمين فيه أومرتاديه الراحة والمعاش الذيذ والسكينة .
ولما مارس عمله كمفوض ومدير أمن نواكشوط فكان نعم المفوض، الذي ملأ بالعدل والإنصاف ، وكذا القوة والرحمة وقته في آنٍ واحد، وقد بقى عكس من وظفوا والذين يتخلون عن مبادئهم وينكرونها محاباة للنظام، بل هو عكسهم، ظل متمسكًا بمبادئه، يقدم الخدمات لمن يعتنقونها، وفي نفس الوقت قائما وملتزمًا بمهام وظيفته، ولا يقبل أي مساس بأي مصلحة للدولة ، ولا لأمنها، وقد استطاع رحمه الله أن يحقق ذلك التوازن.
وقد كان رحمه الله بارًا بوالده، رحيمًا بأخواته وإخوته، وكنت أحسبه ، أنا قوميًّا عربيًّا مسلمًا إلى حد النخاع، وقبليًا في حدود الشرع، وقدم لها الخدمات بما فيها توظيف الأفراد والحصول لهم على الشهادات ، بعد أن فشلوا في تحقيقها ، في بعض البلدان، وقد ساهم في تكوين ما سيشبه قبيلة من جميع القوميات والقبائل والفئات الاجتماعية ، تُدعى الناصريون ، لتكون جسرًا بين تلك القوميات والقبائل والفئات، يعالجون ما قد سلف من خلافات وثأرٍ بالمودّة والحسنى ، والاهتمام بالوطن وتحريره من التبعية الغربية ومحاولة النهوض به مهما تطلب ذلك إلى مصاف تلك الدول المتقدمة.
ومن أبسط تضحياته وأهمها في نفس الوقت احتضانه لشاب أفريقي من دولة بوركينا فاسو وكان أبكم وأصم ليست له ورقة يعرف بها انتماؤه ولا إسمه، دخل ولاية النعمة هاربًا من الحرب ، التي قدكانت قائمة بين مالي وبوركينا فاسو، فذهب به من مخفر الشرطة إلى منزله، وبقي معه إلى أن أتى المفوض الجديد ، لإستلام العمل فذهب المرحوم به كأحد أفراد عائلته ، وحصل له على الجنسية، وسماه بأحد أسماء العائلة، رحمة الله علينا وعليه وعلى كافة المسلمين .
فلتسامحوني أيها الإخوة ففيما تبقى لديّ من فضائل الرجل ، فلو أكملتها ، لكان ذلك في مجلد، ولكوننا في إطار تعزية قد تجعلني أأجل ذلك ، إذا كان في عمري بقية، لأكمله إن شاء الله ، وذلك لكون التعزية تتطلب أن تواكب الحدث وتسائره ، في أقرب وقت ممكن !
وفي الأخير فإنني وقبل كل شيء ،أعزي عائلة المرحوم الخاصة، وعلى رأسهم محمد ولد أحمد مولود ، وابنه الكبير صلاح الدين وبقية أفراد العائلة، كما أعزي سكان ولاية لعصابة ومقاطعة گرو ، وبلدياتها، ووأعزي أخواله الوفي لهم أولاد اعلى والذي حيوناته إن وجدت تحمل ميسمها وكذا الشرطة، وأخيرًا ذلك الأفريقي المسمى الأبيكم الذي ليس له معيل ، ولكنه قد تركه لدى أسرة كريمة فأمها ريّا والتي سوف تعامله كأحد أبنائها، ومن وجهة نظري الخاصة فإن معاملته تلك لذلك الأفريقي قد تكفيه وحدها إدخاله الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
وفي الختام فأطلب من الله عز وجل ، أن يرحم إدومو ولد عبّد الرحمان ويغفر له ويتوب عليه، وأن يكون هذا المرض الطويل الذي عاش آلام وطأته ولقرابة عقد من الزمن ، الذي حوّله من رجل قوي يملأ ثيابه ،إلى مجرد جسم هزيل لا يمكن أن تعتقد بكونه ،هو ذلك الضابط السامي ، الذي إذا حضر فتشرئب له الأعناق و الأنفس والقيام له وذلك احترامًا وتقديرًا لكل مآثره بدون تكلف ولا خوف ولا طمع ولكن لمكانة الرجل تلك المتميز بها فكتبه من يدعي شرف صداقته لإدومو ، راجيا بأن أكون أهلا لكذلك الأدعاء ، كتبته يوم السبت 16 شوال 1447 الموافق 04 / إبريل ، 2026 م في مدينة ألويز فيل k y الولايات المتحدة الآمريكية .
ذ/ إسلمو ولد محمد المختار ولد مانا .









