هل يمكن أن تنجح كتابة اللهجات الوطنية بالحروف الأجنبية في موريتانيا؟

أربعاء, 2026-02-18 16:05

يُثار في موريتانيا جدل متجدد حول جدوى تدريس اللهجات الوطنية وكتابتها بالحروف الأجنبية، في مقابل الحروف العربية التي كُتبت بها هذه اللغات تاريخيًا قبل الحقبة الاستعمارية. ويكمن جوهر هذا الجدل في البعد الثقافي والهوياتي للتعليم، لا في الجانب البيداغوجي فحسب.
فالعربية، باعتبارها لغة الإسلام والقرآن، شكّلت عبر القرون لغة جامعة لمختلف مكوّنات المجتمع الموريتاني، وكانت أداة للتدوين والتعليم والتواصل بين القوميات، بما فيها المجموعات الزنجية التي تمتلك رصيدًا ثقافيًا ومعرفيًا معتبرًا مدوّنًا بالحرف العربي. كما أن الألفة الصوتية والبصرية للحرف العربي، المرتبطة بالتعليم القرآني والتهجئة، تجعل منه أكثر انسجامًا مع الوجدان الجمعي مقارنة بالحرف الأجنبي.
في هذا السياق، يُنظر إلى اعتماد الحرف الفرنسي في تدريس هذه اللهجات لا بوصفه خيارًا تربويًا محايدًا، بل باعتباره امتدادًا لمنطق التبعية الثقافية، وإسهامًا في طمس جزء من التراث الثقافي لتلك المجموعات نفسها، بدل تثمينه وإعادة إدماجه في سياقه التاريخي الطبيعي.
ويُلاحظ كذلك أن الدعوة إلى تدريس هذه اللهجات لا تقترن، في كثير من الأحيان، باستعداد فعلي لتعميمها داخل الأوساط الاجتماعية التي تُنسب إليها، إذ يظل تعليم أبناء هذه الفئات موجّهًا أساسًا نحو الفرنسية. وهو ما يثير تساؤلات حول الدوافع الحقيقية لهذا التوجه، خاصة في ظل تحكّم نخب أفرنكفونية محدودة — من عرب وزنوج — في المنظومة التربوية منذ عقود، وما ترتب على ذلك من إصلاحات تعليمية متعاقبة اتسمت بضعف المخرجات التربوية والأكاديمية.
وبما أن التعليم يُعد استثمارًا استراتيجيًا في جميع مجالات التنمية، فإن إضعافه يفضي بالضرورة إلى تعطيل عجلة التنمية، ويُبقي البلاد في دائرة التبعية الثقافية والمعرفية للمستعمر السابق.
أما ما يُروَّج عن نجاح تجربة كتابة هذه اللهجات بالحرف الأجنبي، فيبقى — وفق المعطيات المتاحة — نجاحًا محدود النطاق، يقتصر على أقسام معدودة ومدارس قليلة جدًا، وفي إطار لغات تُدرَّس كلغات أم لفئات ضيقة. كما أن محاولات أكاديمية سابقة لوضع قواعد معيارية لهذه اللغات داخل الجامعة لم تُفضِ إلى نتائج ملموسة، وهو ما يعكس تعقيدات بنيوية وعلمية لا يمكن تجاوزها بالشعارات.

الأستاذ سيدي محمدولداخلفه