بشار الجعفري: مصائر الشعوب ليست للاستثمار السياسي الرخيص في انتخابات إسرائيل وأمريكا

سبت, 2019-03-23 15:06

قال الدكتور بشار الجعفري، سفير الجمهورية العربية السورية الدائم في الأمم المتحدة، إن "موقف الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، من ملف الجولان العربية السورية المحتلة، يعكس نزعة سياسية تصعيدية خطيرة وجديدة من جانب الإدارة الأمريكية، نحو الخرق الفاضح لقرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة ذات الصلة".

واعتبر الجعفري، في حوار خص به "سبوتنيك"، أن" السياسة الأمريكية الخارجية تكرس حاليا عصر التطرف في العلاقات السياسية الدولية، وتعيد فكر البشرية إلى مرحلة قانون الغاب والعصور البدائية التي تقدس النار ومشعليها، وترى في البشرية وقودا للهبها".

وأضاف الجعفري: "من تابع تصريحات وزير الخارجية الأمريكي في إسرائيل، يدرك تماما أن العالم يواجه اليوم إدارة أمريكية متطرفة، باتت لا تتورع حتى عن تشويه التاريخ، ولا عن استخدام معتقدات مشوهة وأخرى مزيفة، من أجل دعم الاحتلال الإسرائيلي، واستجداء دعم مجموعات الضغط الإسرائيلية في الولايات المتحدة، تمهيدا للانتخابات الرئاسية المقبلة".

وإليكم نص الحوار…

في البداية، كيف تنظر دمشق لموقف الرئيس الأمريكي من الجولان المخالف للقوانين الدولية؟

رغم أن سوريا لا تعترف بأي مفاعيل أو آثار قانونية أو واقعية لتصريحات الرئيس الأمريكي عن الوضع القانوني الراسخ للجولان، كأرض سورية محتلة، إلا أنها  تنظر إلى هذه التصريحات كعمل عدائي خطير غير مسبوق وغير مسؤول، ويشكل تهديدا للسلم والاستقرار والأمن في الشرق الأوسط والعالم. هذا الموقف الأمريكي يعكس نزعة سياسية تصعيدية خطيرة جديدة من جانب الإدارة الأمريكية، نحو الخرق الفاضح لقرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة ذات الصلة، وعدم الاعتراف بمرجعيات القانون الدولي وأحكام ميثاق المنظمة الدولية.

نحن نرفض تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وندينها بشدة، لأنها تخالف كل الأعراف والقوانين الدولية وقرارات الأمم المتحدة بخصوص الوضع القانوني للجولان العربي السوري المحتل، ولا سيما قرار مجلس الأمن 497 (1981) الذي نص صراحة على أن الجولان هي أرض سورية محتلة، وأن أية إجراءات تتخذها سلطات الاحتلال الإسرائيلي على هذه الأراضي المحتلة، هي لاغية وباطلة وليس لها أي أثر قانوني على الإطلاق. وبالمناسبة، كانت الولايات المتحدة الأمريكية آنذاك قد صوتت لصالح هذا القرار ومع فارق أنه في تلك الفترة، لم يكن الرؤساء الأمريكيون يعربون عن مواقف بلادهم السياسية عبر التغريدات.

في حال كررت واشنطن سيناريو القدس في الجولان واعترفت بسيادة الاحتلال عليها.. ماذا يعني ذلك في القانون الدولي؟

كما قلت بداية، فإن سوريا لا تعترف بأي مفاعيل أو آثار قانونية أو واقعية، لتصريحات الرئيس الأمريكي عن الوضع القانوني الراسخ للجولان، كأرض سورية محتلة، أما بخصوص موقف القانون الدولي، فإن واشنطن لا تمتلك أصلا أي حق أو ولاية أو صفة في أن تقرر مصير الجولان العربي السوري المحتل، وبالتالي فإن أي اعتراف منها أو أي إجراء ينطوي على الاعتداء على حق الجمهورية العربية السورية في استعادة الجولان السوري المحتل وسيادتها عليه، هو عمل غير شرعي وليس له أي أثر قانوني على الاطلاق، وفقا للقانون الدولي، ويعتبر انتهاكا فاضحا لأحكام الميثاق، وإخلالا بالتزامات الولايات المتحدة الأمريكية، كعضو دائم في مجلس الأمن، وقد كان جليا منذ صدور تصريحات الرئيس ترامب، أن المجتمع الدولي بأسره يرفض الموقف الأمريكي، ولا يعترف إلا بقرار مجلس الأمن 497 (1981)، وبالقرارات الأممية ذات الصلة، والتي تؤكد سيادة الجمهورية العربية السورية على الجولان السوري المحتل.

ومن المهم أن نذكر في هذا الصدد بأن مسؤولية الولايات المتحدة الأمريكية تجاه الشرعية الدولية هي أكثر من مضاعفة بالمقارنة مع بقية الدول الاعضاء، وذلك بحكم أن الولايات المتحدة شهدت التوقيع على ميثاق الامم المتحدة في سان فرانسيسكو في العام 1945، كما أنها تستضيف مقر المنظمة الدولية في نيويورك منذ العام 1946، وبالتالي فإن مسؤولياتها وواجباتها والتزاماتها هي اكبر بكثير من بقية الدول الاعضاء.

هل هناك رد أممي منتظر تحضر له الدبلوماسية السورية الآن في هذا السياق؟

بطبيعة الحال، قمنا فورا بتوجيه رسالة رسمية إلى كل من معالي الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس مجلس الأمن، ثم قابلنا السيد أنطونيو غوتيريس وطلبنا منه أن يصدر موقفا رسميا، لا لبس فيه، يؤكد من خلاله على الموقف الراسخ للمنظمة الأممية، تجاه قضية الاحتلال الإسرائيلي للجولان العربي السوري.

كما طلبنا من مجلس الأمن اتخاذ إجراءات عملية تكفل ممارسته لدوره، وولايته المباشرين في صون الأمن والسلم الدوليين، وتنفيذ القرارات التي تنص على إلزام إسرائيل بالانسحاب من كامل الجولان السوري المحتل إلى خط الرابع من حزيران لعام 1967، ولا سيما القرارات 242(1967) و338(1973) و497(.1981

 

بمعنى آخر نحن نؤمن عمليا، أن الولايات المتحدة غير مؤهلة منذ زمن للعب أي دور في التوصل لحل سلمي للصراع العربي — الإسرائيلي، غير أن تصريحات ترامب أتت في توقيت حساس بالنسبة للشرق الأوسط، ولتثبت صراحة أن الولايات المتحدة لم تعد تتصرف بمسؤولية كقوة كبرى، وهي غير معنية بإحلال السلام في المنطقة وفي العالم، بقدر ما أنها تسعى إلى توتير الأوضاع ودعم قوى التطرف في إسرائيل والعالم، لقد أصبح جليا للمجتمع الدولي أن الولايات المتحدة بسياساتها الرعناء باتت تمثل العامل الأساس في توتير الأوضاع على الساحة الدولية، وتهديد السلم والاستقرار الدوليين، وبات واضحا أن السياسة الأمريكية الخارجية تكرس حاليا عصر التطرف في العلاقات السياسية الدولية، وتعيد فكر البشرية إلى مرحلة قانون الغاب والعصور البدائية التي تُقدس النار ومشعليها وترى في البشرية وقودا للهبها، لقد اتبعت هذه الإدارة نهجا عدائيا شعاره التصعيد مع الدول الأعضاء في هذه المنظمة، وهو ما يتمثل في طبيعة العلاقة القائمة مع كل من سوريا وروسيا والصين وأوروبا وإيران والمكسيك وكندا وفنزويلا وغيرها الكثير من الدول. إن حال السياسية الأمريكية اليوم حال من يقول ".My way or the highway

كيف تابعتم الرد العربي والأوروبي على تغريدة ترامب أمس؟

كما تابع الرأي العام العالمي منذ مساء الأمس وحتى الآن، فإن مواقف الدول والحكومات تجاه رفض أي تلاعب سياسي وإعلامي بالوضع القانوني للجولان السوري المحتل كانت في جهة، في حين كان دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو في جهة، أخرى منفصلين عن الواقع ومخالفين للشرعية الدولية والقانون الدولي، نحن وعلى الرغم من الخلافات السياسية مع بعض الحكومات والدول، على خلفية الحرب الإرهابية التي تعرضت لها سوريا، غير أننا نعتقد أن المواقف الدولية التي أجمعت على رفض تصريحات ترامب غير المسؤولة، تشكل رسالة لهذه الإدارة الأمريكية وللاحتلال الإسرائيلي، مضمونها أن مصائر شعوب العالم وحقوقها التاريخية الراسخة في استعادة أراضيها المحتلة، ليست ورقة للاستثمار السياسي الرخيص في أية حملات انتخابية أمريكية أو إسرائيلية.

بعد 80 عاما من نشوب الحرب العالمية الثانية، ها هي الإدارة الأمريكية تعيد قراءة التاريخ بشكل معكوس، من دون احترام التضحيات الكبرى التي تم بذلها في الحرب العالمية الثانية لمواجهة السياسات النازية والفاشية، التي كانت قائمة على ضم أراضي الغير بالقوة، والأمر المدهش هو خروج الإدارة الأمريكية علينا اليوم بقراءة تكرس السلوك النازي بضم أراضي الغير بالقوة، وتجعل هذا السلوك مرجعية للسياسة الأمريكية تجاه الجولان السوري المحتل.

لقد دأبت الإدارات الأمريكية المتعاقبة على حرف الأنظار عن أزماتها الداخلية من خلال تأجيج نزاعات خارجية وارتكاب أعمال عدوان ممنهجة، وبحيث يتم إشغال الرأي العام الداخلي والدولي عن تلك الأزمات، سعيا منها لتحقيق مكاسب انتخابية.

وتأتي تغريدة الرئيس ترامب ضمن هذا السياق، ولخدمة أجندات انتخابية لنتنياهو، بالإضافة إلى كسب أصوات الجماعات الضاغطة الداعمة لإسرائيل في الانتخابات الأمريكية القادمة في العام 2020، لكننا لا نزال نعتقد أن هناك مسؤولية تاريخية تتعاظم اليوم، وهي تقع بلا شك على عاتق الأمم المتحدة وحكومات العالم، من أجل إجراء مراجعة جدية، لجهودها ومقارباتها المتعلقة بتطبيق قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية المحتلة، وإحلال السلام العادل والشامل في الشرق الأوسط، والقائم على استعادة الحقوق الفلسطينية والسورية واللبنانية، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، وضمان عودة اللاجئين إلى أراضيهم، بالمحصلة، التفرد الأمريكي بهذا الملف الخطير، سيؤدي عاجلا إلى نزاعات جديدة لا يسود فيها إلا التطرف والإرهاب والدمار.

جاءت تغريدة ترامب بعد عدة أيام من لقاء عسكري سوري عراقي إيراني.. هل هناك علاقة بين الحدثين.. كما أن وزير الدفاع السوري  العماد على أيوب أعلن منذ أربع أيام قدرة سوريا على طرد القوات الأمريكية.. هل استفز التصريح ترامب وكان رده في الجولان؟

نحن لا نعتقد أن السياسة الأمريكية الخارجية، ولا سيما فيما يتعلق بالصراع العربي — الإسرائيلي، مبنية على ردود أفعال غير مدروسة أو غير مخطط لها مسبقا، فعقلية وممارسات الإدارة الأمريكية المتعاقبة كانت وستبقى قائمة على مجموعة من الاعتبارات، التي تستند إلى حقيقة أن لا حليف ولا صديق حقيقي للحكومات الأمريكية سوى إسرائيل، أما اليوم، فإن الرئيس الأمريكي يريد، وحسب نصائح وتوصيات تيار المحافظين الذي بات يسيطر اليوم على المفاصل الرئيسية الحساسة في إدارته، أن يستغل حالة التوتر والفوضى في الشرق الأوسط نتيجة الإرهاب، الذي ساهمت أمريكا بشكل مباشر في إشعاله ودعمه وتمويله، من أجل أن يقضي على أية آفاق حقيقية لتطبيق قرارات الشرعية الدولية، ذات الصلة بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، من يستمع إلى تصريحات وزير الخارجية الأمريكي في إسرائيل أمس، يدرك تماما أن العالم يواجه اليوم إدارة أمريكية متطرفة باتت لا تتورع حتى عن تشويه التاريخ، ولا عن استخدام معتقدات مشوهة وأخرى مزيفة، من أجل دعم الاحتلال الإسرائيلي واستجداء دعم مجموعات الضغط الإسرائيلية في الولايات المتحدة، تمهيدا للانتخابات الرئاسية المقبلة، وفي هذا المشهد العبثي أضحى المرء يتوقع من الإدارة الأمريكية أن تعترف بضم إسرائيل للعاصمة الأمريكية واشنطن.

أجرت الحوار: هند الضاوي