الحرب العالمية الثالثة النووية احتمال يبقى واردا... مخاوف في الغرب من نهاية حرب شرق أوروبا مشابهة للفيتنام وأفغانستان

أربعاء, 2023-06-07 09:47

تتأرجح بين التصعيد والجمود المواجهة العسكرية الكبيرة التي تدور في وسط شرق أوروبا منذ 24 فبراير 2022 بين روسيا من جهة وحلف الناتو من جهة أخرى، وذلك عبر أوكرانيا التي كانت جزء من الاتحاد السوفيتي حتى 24 أغسطس سنة 1991. ومع مرور الأسابيع والأشهر تتزايد المخاوف من إمكانية اتساع هذه الحرب لتتحول إلى مواجهة عالمية نووية بين الشرق مجسما في روسيا والصين ومن يساندهما، والغرب ممثلا في الولايات المتحدة الأمريكية وبقية أعضاء حلف الناتو وتفرعاته غير الرسمية ولكن القائمة عمليا في منطقة المحيط الهادي أي أساسا اليابان وكوريا الجنوبية واستراليا.

بعد مرور الأسابيع الأولى على اندلاع المواجهات العسكرية وسط شرق أوروبا بدأت آلة الحصار والعقوبات الاقتصادية والسياسية الغربية في العمل بكل طاقتها ضد موسكو وموازاة مع ذلك انطلق سيل الدعم العسكري الغربي نحو كييف. توقع الكثيرون في الغرب وخاصة في الولايات المتحدة أن تنهار روسيا اقتصاديا وتسودها الاضطرابات داخليا مما بسهل مهمة تقسيمها إلى دويلات، ومما يتيح بعد ذلك حصار الصين وتركيعها لأنها ستكون بدون حليف نووي قوي، وهكذا يرسخ النظام العالمي الأحادي لعقود قادمة في امتداد لما يوصف بــ"القرن الأمريكي"، وربما أكثر طبقا لفكرة نهاية التاريخ التي روج لها المفكر فوكوياما.

كتاب نهاية التاريخ "لفرانسيس فوكوياما"، اعتمد فرضية الديمقراطية الليبرالية كأعلى نموذج ينتجه الفكر السياسي، وفرضية الرأسمالية كأعلى نموذج ينتجه الفكر الاقتصادي، كما أعتمد في أطروحته على أسس عينية من خلال استقرائه للواقع الدولي، ليخلص من كل ذلك إلى إثبات أن النموذج الاقتصاد الليبرالي سيكون بمثابة أنموذج الإنسانية الأبدي.

القرن الأمريكي هو وصف للفترة منذ منتصف القرن العشرين بأنها مهيمنة إلى حد كبير من قبل الولايات المتحدة من النواحي السياسية والاقتصادية والثقافية. وهو مشابه لوصف الفترة 1815–1914 بأنها القرن الإمبراطوري البريطاني. نما نفوذ الولايات المتحدة خلال القرن العشرين، ولكن أصبح مهيمنا بشكل خاص بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، عندما بقيت قوتان عظميان فقط، الولايات المتحدة و‍الاتحاد السوفيتي. بعد تفكك الاتحاد السوفيتي في عام 1991، ظلت الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة في العالم، وأصبحت القوة المهيمنة الوحيدة، أو ما أسماه البعض القوة التي لا تضاهى. 

توقعات الغرب بشأن الوصول إلى نصر سريع على الكرملين تبددت بسرعة، وأخذت المخاوف تتصاعد في الغرب من احتمال انتصار روسيا وبالتالي فرض تعديل النظام العالمي والعودة إلى تعدد الأقطاب وتبديل القواعد.

مشكلة الغرب انه في المواجهة وسط شرق أوروبا عاد ليفكر ويتصرف بنفس الأسلوب الذي اعتمده عندما خاض حرب الفيتنام وبعدها حرب أفغانستان، حيث أنه كان ومع كل تعثر، يتعلق بحلم تحقيق النصر عبر إضافة سلاح جديد أو استقدام مزيد من الجنود والحلفاء أو تبديل التكتيكات إلى غير ذلك. هذا التصرف تكرر في الحرب الجديدة حيث كان يقال مثلا أن صواريخ جافلين أو الطائرات المسيرة أو مدافع سيزار أو دبابات تشالينجر وليبوارد وصواريخ باتريوت، ستبدل مسار الحرب. لم يتبدل أمر كبير وبقي التقدم الروسي ثابتا واستنزاف الناتو مستمرا وخلافات أعضائه في تصاعد.

المشكلة والحرب في وسط أوروبا تدخل شهرها السادس عشر، هي أن حجم و إسقاطات وتبعات النصر أو الهزيمة للمتصارعين تتضخم وهو ما يهدد بأن تنشب حرب عالمية ثالثة.

 

خطر الحرب الكبرى

 

بفارق أيام قليلة وقعت أحداث يمكن أن تعطينا مؤشرا وتحذيرا وقد يكون هناك رابط بينها.  

يوم الثلاثاء 30 مايو هاجمت طائرات مسيرة مبنيين في ضواحي موسكو الواقعة على مسافة 500 كلم من الحدود المشتركة مع أوكرانيا، يوم 4 يونيو 2023 سمع صوت انفجار ضخم في العاصمة الأمريكية واشنطن. السلطات الأمريكية ذكرت يوم الأحد أن صوت الانفجار الذي سمع دويه في جميع أنحاء واشنطن نتج عن تحليق طائرات عسكرية نفاثة وليس انفجارا.

وقالت "رويترز" إن الانفجار الذي سبب الذعر بين الناس، نجم عن مطاردة جوية عالية السرعة لطائرات عسكرية نفاثة لاحقت طائرة مدنية من طراز "سيسنا سايتيشن" التي يمكن أن تحمل ما بين سبعة إلى 12 راكبا، اخترقت المجال الجوي للعاصمة وتحطمت لاحقا في تضاريس جبلية جنوب غربي ولاية فرجينيا. بعد ذلك أفاد البنتاغون الأمريكي أن ربان الطائرة المدنية فقد وعيه وأن طائرته لم يتم إسقاطها من طرف الطيران الأمريكي الحربي دون أن يقدم توضيحا عمن كان في الطائرة.

وذكر مسؤول في البيت الأبيض إن الرئيس جو بايدن أبلغ بالواقعة، لكنه لم يحدد إذا كان قد اتخذت أي إجراءات طارئة في أعقابها.

بعد ساعات من حادث الطائرة تحدثت وسائل إعلام الحكومة الأمريكية عن انفجارات على الجبهة الأوكرانية.. وتحرك الألوية المدربة من الناتو "رأس حربة" التحرير ضد القوات الروسية. بعض المصادر اعتبرت أن ما يحدث هو الهجوم المضاد للناتو. عدد كبير من الخبراء يرون أن الهجوم المضاد سيكون أكبر اختبار حتى الآن للاستراتيجية التي تقودها الولايات المتحدة لتزويد الأوكرانيين بالأسلحة والتدريب المشابهين لما يمتلكه الجيش الأمريكي.

كما توفر المملكة المتحدة التدريب الأساسي لآلاف المجندين الأوكرانيين منذ أشهر. وفي الآونة الأخيرة، تم إرسال وحدات أوكرانية كاملة إلى ألمانيا ودول أخرى لتعلم "كيفية العمل معا في وقت واحد".

في وقت مبكر من صباح يوم الاثنين 5 يونيو 2023 أعلنت وزارة الدفاع الروسية، إن القوات الروسية أحبطت هجوما كبيرا لأوكرانيا في منطقة دونيتسك جنوبي الجبهة، وقتلت مئات من القوات الموالية لكييف، وفقا لوكالة "رويترز".

وأضافت الوزارة في بيان أن أوكرانيا شنت هجومها، يوم الأحد، باستخدام ست كتائب ميكانيكية وكتيبتي دبابات.

ولم يتسن لـ"رويترز" التحقق بعد من البيان الرسمي، ولم يصدر تعليق فوري من أوكرانيا.

وفي مقطع فيديو نشر على "تليغرام"، ظهرت عدة مركبات عسكرية تتعرض لهجمات من الجو ويتم تدميرها.

 

تطلعات واشنطن

 

وسط انقسام عالمي واضح وفقدان الغرب لسلطته وتأثيره على غالبية دول العالم الثالث ودول كبرى كالهند والبرازيل وأندونيسيا، ومنظمات الأوبك وبريكس، لا تزال واشنطن تعتبر أن كفتها هي الراجحة في الصراع العالمي الدائر. في هذا الإطار صرح وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، يوم الجمعة الثاني من يونيو، إن الولايات المتحدة ستواصل دعمها لأوكرانيا وفرض عقوبات على روسيا في حال اختارت موسكو مواصلة الحرب.

وأكد بلينكن في كلمة ألقاها من العاصمة الفنلندية هلسنكي، أن واشنطن تعمل مع أوكرانيا وحلفاء آخرين من أجل التوصل إلى توافق في الآراء حول الركائز الأساسية "لسلام عادل ودائم" لإنهاء الحرب مع روسيا.

وأضاف أن واشنطن ستشجع أيضا مبادرات الدول الأخرى لإنهاء الصراع، ما دامت تحترم ميثاق الأمم المتحدة وسيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها واستقلالها.

وقال في كلمته "سوف ندعم الجهود، سواء من جانب البرازيل أو الصين أو أي دولة أخرى، إذا ساعدت في إيجاد طريقة لتحقيق سلام عادل ودائم".

وأكد وزير الخارجية الأمريكي أن واشنطن "لا تسعى للإطاحة بالحكومة الروسية"، مشيرا إلى أن "مستقبل روسيا بين أيدي الروس أنفسهم". واعتبر أن غزو أوكرانيا "فشل استراتيجي" لروسيا، لافتا إلى وحدة الغرب وخسائر موسكو.

وذكر بلينكن "بوتين حاول لأعوام القيام بتقسيم الغرب عن الشرق ولكنه عوضا عن ذلك قام بإضعاف تأثير روسيا في العالم"، مؤكدا أن واشنطن "لن تسمح له بفرض إرادته على الدول الأخرى".

وأضاف: "العدوان الذي يشنه بوتين على أوكرانيا قلل من القوة العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية لروسيا وتأثيرها لسنوات قادمة"، مشيرا إلى أن واشنطن وحلفاؤها "يلبون احتياجات أوكرانيا في الميدان لمساعدتها في الدفاع عن نفسها".

وأشار بلينكن إلى خسائر روسيا في ميدان المعارك والأسواق الأوروبية، وانضمام فنلندا لحلف شمال الأطلسي.

وشدد وزير الخارجية الأمريكي على ضرورة تعزيز قوة أوكرانياقبل أي اتفاق سلام مع الرئيس الروسي، في ظل تزايد الدعوات للتفاوض.

وقال بلينكن في خطابه "نظرا إلى عدم وجود أي أوهام لدينا حيال تطلعات بوتين، نعتقد بأن الشرط لأي دبلوماسية ذات معنى وأي سلام حقيقي هو أوكرانيا أقوى، قادرة على الردع والدفاع في مواجهة أي عدوان مستقبلي".

 

رسالة للصين وإشارة الناتو

 

يوم 3 يونيو 2023 وفي مقابلة خاصة مع صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية، تحدث زيلينسكي عن الهجوم المضاد المتوقع وجاهزية القوات الأوكرانية. كما تطرق للدعم الغربي ورغبة بلاده في الانضمام لحلف شمال الأطلسي، فيما وجه رسالة مباشرة إلى الصين.

وذكر زيلينسكي إن القوات البرية الأوكرانية كانت "أقوى وأكثر تحفيزا" من نظيرتها الروسية التي تسعى للحفاظ على نحو 20 بالمئة من الأراضي التي تسيطر عليها موسكو في شرق أوكرانيا وجنوبها. ومع ذلك، قلل الرئيس الأوكراني من التوقعات بنجاح الهجوم قائلا إن الأمر قد يستغرق وقتا ويأتي بتكلفة باهظة الثمن. وتابع: "لا أعرف كم من الوقت سيستغرق الأمر. لأكون صريحا، يمكن أن يأتي بطرق مختلفة، لكننا مستعدون".

يوم 3 يونيو صرح الصحفي والخبير السياسي البرازيلي لوكاس ليروس في مقالة لموقع InfoBrics، إن الهجوم الأوكراني المضاد بدأ فعلا لكن بسبب عدم تحقيق نتائج ملموسة تزعم كييف بأنه لم يبدأ بعد.

ووفقا له، لقد بدأ بالفعل الهجوم المضاد الذي وعدت به القوات الأوكرانية في الربيع، لكنه محدود للغاية بسبب "الحالة الكارثية" التي يعاني منها الجيش الأوكراني.

وتابع ليروس: "على عكس الوعود الأوكرانية الكثيرة، لن يكون هناك أي اقتحام لأراضي دونباس وشبه جزيرة القرم، هناك فقط زيادة طفيفة في القصف من جانب أوكرانيا وبدء عمليات مسلحة مختلفة".

وشدد ليروس على أن الوضع "الكارثي" للقوات الأوكرانية، وعدم تحقيق نجاحات ملحوظة والاعتماد فقط على الهجمات المنفصلة، بات يثير تساؤلات في الغرب أيضا، مما يؤدي إلى خيبة أمل بسبب التناقض بين النتائج والتوقعات المبالغ فيها وغير المعقولة.

تحليل نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال"، أكد إن الهجوم المضاد يمثل "لحظة محورية" لزيلينسكي، الممثل الكوميدي السابق البالغ من العمر 45 عاما. 

وستشكل نتيجة الهجوم المضاد المتوقع، ملامح الدعم العسكري الغربي والمناورات الدبلوماسية حول مستقبل أوكرانيا.

وأفاد مسؤول غربي إن الداعمين الغربيين لأوكرانيا يدركون أن هجوم كييف المضاد لن ينهي الحرب، لكنهم يريدون أن يظهر للرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، عدم جدوى استراتيجيته المتمثلة في انتظار انحسار الدعم لأوكرانيا.

وخصصت إدارة الرئيس الأمريكي، جو بايدن، أكثر من 37 مليار دولار كمساعدات عسكرية لأوكرانيا منذ بدء العملية العسكرية الروسية وتعهدت بمزيد من المساعدات في وقت اتبع الحلفاء الأوروبيون اتجاها مماثلا.

ولكن الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترمب، الذي يسعى لخوض انتخابات 2024 الرئاسية، رفض شهر مايو 2023 القول إنه سيدعم أوكرانيا، قائلا بدلا من ذلك إنه سيسعى لإنهاء الحرب بسرعة دون أن يوضح كيف سيتم ذلك.

وقال زيلينسكي إنه قلق من أن أي تغيير في الإدارة يمكن أن يؤثر على المساعدات، مردفا: "لست متأكدا من الكيفية التي كان سيتصرف بها ترمب" حال وصوله للبيت الأبيض.

بالنسبة للصين، التي لم تعلن إدانتها للعملية الروسية وألقت باللوم على الولايات المتحدة وحلفائها في الحرب، سعت إلى تقديم مساهمتها في الدبلوماسية الهادفة للسلام وإنهاء الصراع. 

وقالت أوكرانيا إنها مستعدة للاستماع إلى وجهات نظر الصين، لكنها لن توافق على أي اقتراح من شأنه أن يتضمن التنازل عن الأراضي.

وذكر زيلينسكي في مقابلته إنه حث الرئيس الصيني، شي جينبينغ، في مكالمة هاتفية خلال أبريل على عدم تزويد روسيا بأسلحة أو تقنيات أخرى. وصرح زيلينسكي إن الصين أكبر وأقوى من روسيا ويمكن أن تلعب دورا مهما في إحلال السلام، مضيفا: "لا أريد أن يقف بلد مثل هذا متفرجا ويشاهد الناس يموتون".

وصرح زيلينسكي في المقابلة إن بعض أعضاء الناتو ليسوا مستعدين لقبول أوكرانيا بسبب الخوف من روسيا، لكن الضغط يتزايد على الحلف لتقديم ضمانات أمنية ملموسة وطريق إلى العضوية.

 

اندونيسيا والصين

 

في عملية ضغط متصاعدة على كييف وحلف الناتو من أجل إنهاء الحرب في وسط شرق أوروبا والحيلولة دون توسعها اقترح وزير الدفاع الإندونيسي، برابوو سوبيانتو، يوم السبت 3 يونيو، خطة سلام لإنهاء الحرب داعيا إلى إنشاء منطقة منزوعة السلاح واستفتاء تجريه الأمم المتحدة في المناطق التي وصفها بـ "الأراضي المتنازع عليها" أي لتك التي تضم أغلبية روسية أسوة بما جرى في الحرب ضد يوغسلافيا خلال العقد الأخير من القرن العشرين.

ودعا سوبيانتو، وزراء الدفاع والعسكريين من مختلف دول العالم المجتمعين في حوار "شانغري-لا"، أبرز القمم الأمنية الآسيوية، في سنغافورة لإصدار إعلان يدعو إلى وقف الأعمال العدائية.

واقترح خطة متعددة النقاط تشمل وقفا لإطلاق النار "في المواقع الحالية التي يتمركز فيها الطرفان المتحاربان" وإنشاء منطقة منزوعة السلاح بالانسحاب 15 كيلومترا من موقع عمليات كل طرف.

وقال إنه يجب مراقبة المنطقة منزوعة السلاح والإشراف عليها من قبل قوة حفظ سلام تنشرها الأمم المتحدة، مضيفا أنه ينبغي أن تجري الأمم المتحدة استفتاء "للتأكد بموضوعية من رغبات غالبية سكان مختلف المناطق المتنازع عليها".

وأكد الوزير على أن الإجراءات التي ذكرها، قد "أثبتت فعاليتها في مجرى التاريخ"، مستشهدا بالوضع في شبه الجزيرة الكورية كمثال.

وقال وزير دفاع إندونيسيا: "نعم، لا يزال النزاع مجمدا في كوريا، وبحاجة إلى حل دائم. لكن رغم ذلك يعم بعض السلام هناك على مدار 50 عاما على الأقل، وهو أفضل بكثير من الدمار الشامل وقتل الأبرياء".

ويأتي اقتراح إندونيسيا في أعقاب زيارة الرئيس، جوكو ويدودو، لموسكو وكييف، حيث عرض الوساطة بين زعيمي البلدين وإحياء محادثات السلام. وكان في ذلك الوقت أيضا يترأس مجموعة العشرين.

وخلال اجتماعات حوار "شانغري-لا"، أشار مسؤول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، إلى أنه إذا توقف الدعم العسكري لأوكرانيا، فإن الحرب ستنتهي بسرعة ولكن مع سقوط سيادة ذلك البلد أمام العدوان الخارجي.

وصرح بوريل: "لا يمكننا التوقف عن دعم أوكرانيا عسكريا لأننا لا نريد السلام الذي هو سلام الاستسلام، سلام الطرف الأقوى".

في كييف نفت الحكومة جدوى العناصر الأساسية للخطة التي طرحتها إندونيسيا، ودعت جاكرتا للانضمام إلى "صيغة السلام" للرئيس الأوكراني. وكتب الناطق باسم الخارجية الأوكرانية أوليغ نيكولينكو عبر "فيسبوك" يوم السبت: "نقدر الاهتمام الذي توليه إندونيسيا لمسألة إعادة السلام في أوكرانيا.. مع ذلك، لا توجد مناطق متنازع عليها بين أوكرانيا روسيا لإجراء استفتاء هناك".

خطة جاكارتا جاءت تقريبا بعد أن أنهى مبعوث الصين بشأن الأزمة في أوكرانيا، لي هوي، جولة أوروبية استمرت قرابة أسبوعين نهاية شهر مايو 2023 وقد قدمت بكين التي رفضتتأييد الدعوات الغربية إلى انسحاب القوات الروسية، ورقة للتسوية.

ووفقا لتحليل "سي أن أن"، فقد أرعب هذا الموقف كثيرا من دول أوروبا، في حين جاءت جولة لي في الوقت الذي تحاول فيه الصين إصلاح العلاقات هناك.

وذكرت ورقة موقف غامضة الصياغة حسب التقديرات الغربية مؤلفة من 12 نقطة بشأن رؤية الصين لـ "التسوية السياسية" للنزاع، والتي صدرت في وقت سابق من هذا العام، والتي روج لها لي خلال جولته، أنه يجب معالجة "المخاوف الأمنية المشروعة" لـ "جميع البلدان". كما قال إنه يجب التمسك "بسيادة واستقلال وسلامة أراضي" جميع البلدان.

لكن الأهم من ذلك أن الورقة لم تطالب بانسحاب القوات الروسية لإنهاء الأعمال العدائية، وبدلا من ذلك دعت إلى وقف إطلاق النار، وهي نقطة قال منتقدون غربيون إنها ترقى إلى مستوى السماح لروسيا بتعزيز مكاسبها الإقليمية.

وكانت انتقادات موقف الصين بشأن كيفية إنهاء الصراع وعلاقتها الوثيقة مع روسيا ضمنية في الملخصات التي قدمها المسؤولون الأوروبيون لاجتماعاتهم مع لي، حيث حثوا بكين على التوافق أكثر مع وجهات نظرهم.

وصرح نائب وزير الخارجية البولندي، فويتشخ جيرويل، أن "أي محاولات للمساواة بين وضع روسيا وأوكرانيا، أمر غير مقبول".

وبينما أصرت بكين على أنها لا تزال محايدة بشأن الحرب، فإن تحالفها الوثيق مع روسيا وعلاقتها المثيرة للجدل مع الولايات المتحدة - التي اتهمتها بتأجيج الصراع من خلال دعم أوكرانيا - أثارت أيضا تساؤلات بشأن نوايا الصين ودوافعها تجاه إحلال السلام.

 

تسوية بأي ثمن

 

عبر سفير الولايات المتحدة السابق في فنلندا إيرل ماك عن خوفه من أن تكون أوكرانيا على وشك الخسارة أمام روسيا بعد أن دخل الهجوم الروسي عليها عامه الثاني.

وذكر في مقال له بصحيفة ذا هيل (The Hill) الأمريكية نشر نهاية شهر مارس 2023: أنه انطلاقا من زياراته المتعددة لأوكرانيا في مهام إنسانية، أقنعته رحلته الأخيرة أن البلد يمر بلحظة فاصلة، وأن المعنويات بدأت تضعف، وهو ما قال إنه قرأه في عيون الأطفال.

والأهم من ذلك، يقول السفير، أنه بدأ يسمع ما يشي بذلك في أصوات قادتها الذين يواصلون قول كل الأشياء الصائبة، لكنهم يفتقرون إلى القناعة التي كانت لديهم من قبل.

واعتبر ماك فشل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي في توفير الدعم اللازم، بما في ذلك المعدات العسكرية الحديثة، قضية رئيسية، حيث يبدو أن غالبية المعدات التي تم توفيرها للأوكرانيين جاءت من متحف عسكري يعود إلى الحقبة الباردة.

وعبر هذا السفير السابق عن خشيته من أن يكون وصول دبابات أبرامز الأمريكية إلى أوكرانيا في غضون 8 إلى 10 أشهر، كما صرح المسؤولون الأمريكيون، متأخرا وأن تكون الحرب إذاك قد انتهت، مؤكدا ضرورة إرسال معدات القتال الحديثة بأقصى سرعة.

وأضاف أن تدخل الصين في الصراع بأي شكل من الأشكال سيساعد في شحذ الهمة الروسية، لافتا إلى أن مشاركتها تزيد الرهان في أعين الدول الأخرى، لما لهذه الخطوة من تأثير عملي بالفعل على ساحة القتال.

ومع ذلك يرى السفير السابق بصيص أمل في أن استعداد أوكرانيا لهجوم مضاد يمكن أن يغير مسار الحرب ويضع أساسا للتسوية، وأن هناك احتمالا لشن هجوم الآن قبل أن يكون لدى الروس القدرة على التعبئة مرة أخرى. وأكد أن الانتصار في هذه المعركة رهين بمد أوكرانيا بكل شيء تحتاجه ومن كل مكان ودفعة واحدة.

وقال إن على الغرب أن يوجه رسالة إلى الروس والصينيين بأن العالم المتحضر لن يتراجع عن هذا التحدي الوجودي. وأضاف أن الأمر لا يتعلق بأوكرانيا فحسب، بل يتعلق أيضا بمستقبل ما سماه الديمقراطية في كل أنحاء العالم.

وتابع بأنه إذا سمح لروسيا بتحويل أوكرانيا إلى دولة تابعة، فسيشجع ذلك الرئيس الصيني شي جين بينغ على فعل الشيء ذاته مع تايوان، مبرزا أن ذلك غير مقبول، وأن الأمر متروك للمجتمع الدولي لاتخاذ موقف.

وأخيرا، حث الكاتب العالم، وخاصة أوروبا، على أن تهب لنصرة أوكرانيا، مؤكدا أنه لا بد من مسابقة الزمن والتصرف بحزم للحيلولة دون انهيار هذا البلد أمام روسيا.

 

خسائر إقليمية كبيرة 

 

في وجهة نظر مختلفة أشار السفير الأمريكي السابق لدى المملكة العربية السعودية ديفيد ريندل، والمستشار السياسي السابق للقيادة المركزية الأمريكية مايكل جفيلر، في مقال لهما في مجلة "نيوزويك" نهاية شهر أبريل 2023، إلى أن "عدم رغبة الرئيس الأوكراني زيلينسكي في الاعتراف بالهزيمة وبدء المفاوضات سيؤدي إلى خسائر إقليمية كبيرة".

وكتبا في المقال: "بينما يموت جيل كامل من الرجال الأوكرانيين، فإن الواقع المحزن هو أنه من المستبعد أن يتسنىى لأوكرانيا هزيمة روسيا مثلما أنه من المستحيل أن تكسب المكسيك الحرب ضد الولايات المتحدة. وأن إطالة أمد الصراع لن يغير هذه المعادلة".

ووفقا لهم، لم يتوقع أحد بجدية أن تسمح موسكو بخسائر إقليمية، خاصة فيما يتعلق بشبه جزيرة القرم. وفي الوقت نفسه، أدى رفض زيلينسكي للمفاوضات إلى حقيقة أن شروط السلام في كييف أصبحت أقل ملاءمة مما كانت عليه قبل سبعة أشهر.

وأضافا في المقال، أن "لم نكن مستعدين للمخاطرة بتصعيد كبير، الأمر الذي قد يؤدي إلى قتال قوات الناتو للقوات الروسية، فإن أفضل طريقة لضمان بقاء دولة أوكرانية مستقلة وقابلة للحياة هي البدء في تسوية الآن".

يذكر أن الرئيس الأوكراني كان قد حذر يوم الثلاثاء 28 مارس وقبل أسابيع من سقوط باخموت، من أنه ما لم تحقق بلاده النصر في هذه المدينة، فسوف تبدأ روسيا في حشد دعم دولي لتوقيع اتفاق يجبر أوكرانيا على تقديم تنازلات غير مقبولة.

وأوضح زيلينسكي في مقابلة حصرية مع الأسوشيتدبرس أن سقوط باخموت في أيدي القوات الروسية سيمكن الرئيس فلاديمير بوتين "من الترويج لهذا النصر أمام الغرب والداخل الروسي والصين وإيران". وأضاف زيلينسكي: "إذا اشتم - رائحة ضعفنا - فسوف يحقق مزيدا من التقدم". وأكد أن: "الولايات المتحدة تدرك يقينا أنها إذا توقفت عن مساعدتنا، فلن ننتصر".

 

الهزيمة المستحيلة

 

في موسكو ذكر تقرير نشرته صحيفة فزغلياد الروسية أن الغرب يدرك جيدا أنه يستحيل إلحاق هزيمة ساحقة بروسيا في حربها على أوكرانيا، لذلك يكتفي بتقديم ما يلزم من دعم عسكري وسياسي على أمل إلحاق أكبر ضرر ممكن بالغريم الروسي.

وبحسب التقرير فإن الصحف الغربية نفسها عكست آراء نخب سياسية في الولايات المتحدة وأوروبا توضح أنه يستحيل هزيمة روسيا في هذه الحرب، والمطلوب توحيد الجهود لتمهيد الطريق نحو مباحثات سلام تنهي الصراع.

ونقل تقرير فزغلياد عن الخبير في الشؤون الأمريكية مالك دوداكوف قوله إن حديث الإعلام الغربي عن خيارات إنهاء الأزمة الأوكرانية يشير إلى حقيقة الوضع المحرج الذي وجد فيه السياسيون أنفسهم مع صعوبة التعامل مع الناخبين الذين سئموا تداعيات الحرب.

وأضاف دوداكوف أن الغرب يساعد القوات المسلحة الأوكرانية بتوفير الأسلحة المتنوعة لتحسين الوضع في الجبهة ووقف التقدم الروسي في دونباس، وقطع الممر البري إلى شبه جزيرة القرم أمامها.

وأكد أنه وفقا للخطة المرسومة من قبل الغرب، يجب أن تجري هذه الأحداث في الربيع أو الصيف. وبناء عليه، يمكن البدء في المفاوضات في الخريف، لكن في حال فشل ذلك، يمكن الحديث عن مفاوضات إنما بشروط ملائمة لروسيا.

ونقل التقرير عن رئيس المجلس الاستشاري الروسي للشؤون الدولية والأمن فيودور لوكيانوف قوله إن الولايات المتحدة تريد ترتيب الوضع حول الصراع الأوكراني بنفسها، موضحا أنه على الرغم من أن تصريحات دول البلطيق وبولندا تتماشى مع المنطق العام لتصرفات الأمريكيين، فإنها تتخطى أحيانا حدود المنطق حتى بالنسبة لواشنطن.

وحسب لوكيانوف فإنه حتى إذا تحدث قادة دول البلطيق عن أهمية هزيمة روسيا على جميع الأصعدة، فإن الولايات المتحدة تدرك صعوبة إلحاق الهزيمة الكاملة بروسيا، وهو خيار لا يصب في صالحها من نواح كثيرة.

كما نقل التقرير عن رئيس مجلس الشؤون الدولية الروسي أندريه كورتونوف قوله إن الدعوات الراديكالية لهزيمة روسيا في الصراع الأوكراني موجودة منذ فترة.

ويضيف أن الولايات المتحدة والغرب يدركون أنهم لن يستفيدوا من إلحاق هزيمة كاملة بروسيا، لأن ذلك سيؤدي حتما إلى تعزيز نفوذ الصين، ومن شأنه خلق فراغ في مناطق آسيا الوسطى وجنوب القوقاز وحتى الشرق الأوسط.

وخلص كورتونوف إلى أن الرئيس الأمريكي جو بايدن يحاول الحفاظ على الموقف الذي يتيح له خيارات مختلفة لإنهاء الصراع، والاحتفاظ بجميع الأوراق الرابحة، دون توزيعها بين الجهات الموالية للولايات المتحدة.

وبحسب تقرير فزغلياد، يتبنى مندوب حقوق الإنسان في وزارة الخارجية الروسية كونستانتين دولغوف رأيا مماثلا بقوله إن الغرب يدرك في الوقت الراهن استحالة هزيمة روسيا في أوكرانيا.

وأضاف دولغوف أن الإستراتيجية الأمريكية لا تحظى بدعم جماعي من النخب الحاكمة في الولايات المتحدة وحتى في أوروبا، مؤكدا أن مسار الأمريكيين واضح ويهدف إلى إلحاق أكبر قدر من الضرر بموسكو على جميع الأصعدة، ومواصلة توفير المعدات لاستنزاف الموارد الروسية رغم فقدان أمل انتصار أوكرانيا.

 

هل يستمر الدعم

 

دعم دول الناتو أساسي لمواصلة كييف الحرب ولكن المشكلة هي إقناع مواطني الغرب بدفع تكلفة هذا الإسناد.

كتب ليونيد بيرشيدسكي مقالة رأي في موقع "بلومبرغ" الأمريكي تناول فيه مسألة الدعم الغربي لأوكرانيا. وقال الكاتب إنه بينما تجف التربة الغنية في جنوب وشرق أوكرانيا ويستعد الجيش الذي تقوده كييف للهجوم المضاد، فقد حان الوقت لإعادة النظر في سؤال رئيسي لحلفائها الغربيين: "هل أوكرانيا تستحق الدعم وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا؟".

وأشار الكاتب إلى أنه في جميع أنحاء الغرب، بدأ الدعم لتزويد أوكرانيا بالأسلحة يتذبذب. في الولايات المتحدة، تزداد نسبة الأشخاص الذين يقولون إن الحكومة تبذل الكثير من الجهد لأوكرانيا. وفي ألمانيا، ترى أغلبية ثابتة أن الجهود الدبلوماسية لحل النزاع غير كافية. في حين توافق المؤسسة السياسية والأمنية في الغرب (مع استثناءات قليلة، وخاصة هنغاريا) على "أنه يجب هزيمة روسيا لدعم النظام العالمي الليبرالي، ومنع العدوان الروسي من الانتشار، وتعليم درس للديكتاتوريين الذين يميلون إلى اتباع نموذج فلاديمير بوتين التوسعي. لكن الناس خارج هذه المؤسسة لا يتأثرون بهذه الحجج. بالنسبة للعديد من الذين يعيشون في ألمانيا أو فرنسا أو اليابان، فإن النظام العالمي الليبرالي هو في أحسن الأحوال فكرة مجردة وفي أسوأ الأحوال محاولة لإضفاء لمسة إيجابية على الهيمنة الأمريكية".

وأضاف الكاتب أنه في أي من هذه البلدان الثلاثة - وفي الولايات المتحدة كذلك- من الصعب تخيل روسيا تهاجم مسقط رأس المرء كما هاجمت المدن الأوكرانية. ومع ذلك، يتطلب الأمر قدراً أقل من الخيال للخوف من ضربة نووية روسية على "مراكز صنع القرار" الغربية إذا واجه بوتين الهزيمة في الدونباس.

وأوضح أنه "حتى التضامن مع الأوكرانيين ليست قضية جذابة عالميا. إذ من المعروف أن الدولة الأوكرانية فاسدة، وتظهر الفضيحة الأخيرة التي تورطت فيها أكبر مؤسسة خيرية في إستونيا مدى سهولة توجيه المساعدات بشكل خاطئ. يتطوع العديد من الأوروبيين لمساعدة اللاجئين الأوكرانيين في بلدانهم أو يساعدون العائلات الفردية. بالنسبة للكثيرين، يعد هذا وسيلة أفضل للتضامن بدلا من دعم المزيد من إمدادات الأسلحة أو تمويل عمليات تسليم الطائرات بدون طيار للقوات الأوكرانية بشكل خاص".

وتابع: مع ذلك، لا يمكنني إلقاء اللوم على أمريكي أو ألماني أو إسباني لعدم اهتمامه بالقواعد والعادات وظروف المعيشة في أوكرانيا أو روسيا. لم أستطع أن ألومهم على عدم الاهتمام بمن يفوز في صراع بعيد نسبيا. نعم ، إن الصراع في أوروبا – ولكن، تبعد باخموت عن مدريد مسافة قريبة من بعدها عن الخرطوم، عاصمة السودان. لقد سمعت كثيرا أن "الروس لا يصلون إلى هذا الحد، خاصة إذا لم تستفزهم"... بعد كل شيء، لم يشر بوتين أبدا إلى "أن طموحاته الإمبريالية تمتد إلى ما وراء حدود بلده الأصلي، الاتحاد السوفياتي السابق. وبالنسبة للعديد من الغربيين - أولئك خارج الكتلة الشرقية السابقة - لا تظهر الأجزاء المكونة للاتحاد السوفياتي السابق في خريطتهم الذهنية على أنها دول حقيقية".

عمر نجيب

[email protected]