
يقف العالم على مفترق طرق سيحدد التقدم في أحد مساراتهاشكل المستقبل لعقود قادمة. هذا المفترق والصراعات المولدة منهكان نتيجة تحولات وتطورات أساسية في موازين القوى العالميةاقتصاديا وعسكريا وسياسيا. وفي كل فترة انتقال وتحول تتبدلمواقع وترتيبات تأثير الدول على خريطة العالم، فتصعد قوىوتنزل أخرى. الحرب العالمية الثانية دمرت قوتين إمبراطوريتيناليابان وألمانيا، وخرج الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدةالأمريكية كالقوتين الأساسيتين، وخلف واشنطن تجردت علىمراحل بريطانيا وفرنسا من صفتهما الإمبراطورية ومعها مفهومالاستعمار المباشر في غالبية قارات العالم.
إنهيار الاتحاد السوفيتي في نهاية العقد ما قبل الأخير من القرنالعشرين مكن واشنطن من أن تفرض وجودها كالقوة الأكثر هيمنةفي العالم خاصة بفضل قدراتها الاقتصادية والعسكرية المتفوقةوقدرتها على التحكم في النظام المالي الدولي بسيطرة عملتهاالدولار. مع مرور السنوات تقلصت قدرات أمريكا صناعياوإقتصاديا وسياسيا ولحقت بها نكسات خاصة في أفغانستانوالعراق وبرزت قوى منافسة في مقدمتها الصين وتعافت روسيا. مع انتصاف العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين قدرتالقوى الموجهة للسياسة الأمريكية والتي يصفها البعض بالمركبالصناعي العسكري ويحركها المحافظون الجدد أن الولاياتالمتحدة أمام نافذة زمنية محدودة للخيار بين الحفاظ على موقعهاكالقوة المهيمنة في العالم أو القبول بالانحدار كما يحدث وحدثلكل الإمبراطوريات عبر التاريخ المعروف.
أمام هذه النافذة الزمنية المحدودة ركبت القوى المهيمنة علىالسياسة الأمريكية مختلف المغامرات والتجارب لردع الخصومولكن نجاحاتها كانت محدودة، ولهذا اختارت أسلوب الصدمةوالسير على حافة الهاوية وهو ما وصلته واشنطن في ظل حكمالرئيس ترامب.
القوى المنافسة روسيا والصين ومعهما من يصنف كحليف أوصديق تعاملوا مع أسلوب الصدمة الأمريكي بأسلوب يخالط بينالمواجهة الاقتصادية والعسكرية كما هو الأمر في حرب أوكرانيافي وسط شرق أوروبا وحروب الشرق الأوسط وأفريقيا، والصراعالاقتصادي والتجاري مع الصين وفي داخل المعسكر الغربي بينالاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وبين جر واشنطن إلىمواجهات استنزاف وتوزيع وتشتيت للقوة بهدف إسقاطالإمبراطورية.
بعد عملية واشنطن في فنزويلا هدد ترامب كوبا والمكسيكوكولومبيا ومن لا يأخذ مصالح أمريكا بالاعتبار، بمصير مماثلولم يتراجع عن رغبته في ضم كندا.
في الغرب وأساسا في الإتحاد الأوروبي بدوله التي تقترب منالثلاثين هناك مشاعر متباينة من سياسات البيت الأبيض، بعضهايؤيده بلا تحفظ وآخر يرى أنه يحول أوروبا إلى تابع وليسكشريك.
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قال بمرارة ، إن "الولاياتالمتحدة تنأى بنفسها عن بعض حلفائها، و تتنصل من القواعدالدولية التي كانت تروج لها حتى وقت قريب".
وفي أخطر اعتراف أقر ماكرون بأن هناك ميلا لدى القوىالعظمى إلى "تقاسم العالم"، وذكر الصين وروسيا صراحة،والولايات المتحدة ضمنا. وعلى الأرجح هذا هو عالم ترامب الذيعلينا التعايش معه.
ضعف أوروبا
أصر نائب كبير موظفي البيت الأبيض ستيفن ميلر على أنغرينلاند يجب أن تكون جزءا من الولايات المتحدة، متوقعا أن "لايقاتل أحد واشنطن" بشأن مستقبل أكبر جزيرة في العالم.
وجاء ذلك ردا على سؤال من شبكة "سي إن إن" لستيفن ميلر،عن صورة نشرتها زوجة الأخير على منصة "إكس" يوم السبت 3 يناير 2026، تبين خريطة غرينلاند مغطاة بعلم الولايات المتحدة(النجوم والخطوط) مع تعليق "قريبا!".
وأشار مذيع "سي إن إن" إلى أن كيتي ميلر نشرت هذا المنشوربعد ساعات من اختطاف القوات الأمريكية للرئيس الفنزويلينيكولاس مادورو ونقله إلى نيويورك، قائلا: "هذا هو السبب فيأنها أصبحت ذات صلة حديثة".
ورد ميلر قائلا: "سأتحدث معك عن هذا الأمر لمدة ساعة، أعتقدأنه نقاش مهم حقا. أريد فقط توضيح أن هذا هو الموقف الرسميللحكومة الأمريكية منذ تسلم هذه الإدارة مقاليد الأمور،وبصراحة، بالعودة إلى إدارة ترامب السابقة، وهو أن غرينلانديجب أن تكون جزءا من الولايات المتحدة. لقد كان الرئيس واضحاجدا بشأن ذلك. هذا هو الموقف الرسمي للحكومة الأمريكية".
وأضاف ميلر: "لن يكون هناك عمل عسكري ضد غرينلاند. يبلغعدد سكان غرينلاند 42 ألف نسمة.. السؤال الحقيقي هو، بأيحق تؤكد الدنمارك سيطرتها على غرينلاند؟ ما هو أساسمطالبتهم الإقليمية؟ ما هو أساس اعتبار غرينلاند مستعمرةدنماركية؟ الولايات المتحدة هي قوة حلف الناتو، ولكي تؤمنالولايات المتحدة منطقة القطب الشمالي، وتحمي وتدافع عن الناتوومصالح الناتو، فمن الواضح أن غرينلاند يجب أن تكون جزءا منالولايات المتحدة". وتابع: "لذلك، هذا نقاش سنخوضه كدولة. وهذهعملية سنمر بها كمجتمع دولي".
ولدى سؤاله: "إذا، لا يمكنك استبعاد قيام الولايات المتحدةباستخدام القوة العسكرية للاستيلاء على غرينلاند"، وبخ ميلرالمذيع قائلا: "أفهم أنك تحاول جاهداً، وهذا مرة أخرى هو عملكوأنا أحترمه، من الرائع الحصول على هذا العنوان بالتحديد،أليس كذلك؟ العنوان الجذاب الذي يقول إن ميلر يرفضالاستبعاد".
وأصر قائلا: "يجب أن تمتلك الولايات المتحدة غرينلاند كجزء منها. ليست هناك حاجة حتى للتفكير أو التحدث عن هذا في سياقعملية عسكرية كما تسأل. لا أحد سيقاتل الولايات المتحدةعسكريا على مستقبل غرينلاند".
وقد تسببت خطط ترامب بشأن غرينلاند في ضجة كبيرة فيالدنمارك، التي تسيطر على الجزيرة. وقالت رئيسة الوزراءالدنماركية، ميت فريدريكسن، للإذاعة العامة (DR) : "لقدأوضحت تماما موقف مملكة الدنمارك، وقالت غرينلاند مراراوتكرارا إنها لا تريد أن تكون جزءا من الولايات المتحدة. لسوءالحظ، أعتقد أنه يجب أخذ الرئيس الأمريكي على محمل الجدعندما يقول إنه يريد غرينلاند".
كما حذرت فريدريكسن من أن أي هجوم عسكري أمريكي علىدولة عضو في حلف شمال الأطلسي سيؤدي إلى توقف كلشيء، بما في ذلك الحلف نفسه ومنظومة الأمن التي قامت منذنهاية الحرب العالمية الثانية.
ويوم الثلاثاء 6 يناير، انضم إلى فريدريكسن قادة فرنسا وألمانياوإيطاليا وبولندا وإسبانيا والمملكة المتحدة في بيان مشترك أكدوافيه أن: "غرينلاند ملك لشعبها. والأمر متروك للدنمارك وغرينلاند،ولهما وحدهما، للبت في الأمور المتعلقة بالدنمارك وغرينلاند".
وأشار البيان إلى الولايات المتحدة باعتبارها "شريكا أساسيا" في الجهود الرامية لتأمين القطب الشمالي، لكنه شدد على أنالأمن يجب أن "يتحقق بشكل جماعي... من خلال التمسكبمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، بما في ذلك السيادة، وسلامةالأراضي، وحرمة الحدود. هذه مبادئ عالمية، ولن نتوقف عنالدفاع عنها".
يقدر الكثيرون أن ساحة الصراعات الحالية تترك العالم أمام ثلاثةخيارات
1-انتصار واشنطن وتقزيم الصين وروسيا أو تفكيكهما.
2-حرب عالمية ثالثة تختلف التوقعات بشأن نتيجتها.
3-انكسار التحالف الغربي الأمريكي وبروز عالم جديد ليسبالضرورة متعدد الأقطاب.
صراع الإمبراطوريات
لخص جيريمي بوين محرر الشؤون الدولية - بي بي سي فيمقال له يوم 10 يناير 2026 الوضع بالقول:
ترامب يخاطر بدفع العالم إلى عصر "صراع الإمبراطورياتوالحكام المستبدين".
بعد ساعات قليلة من إطاحة القوات الخاصة الأمريكية بنيكولاسمادورو، من قصره ومنصبه كرئيس لفنزويلا، كان دونالد ترامبمازال يعيش حالة الإعجاب التي سيطرت عليه (بأداء القواتالأمريكية) بينما كان يتابع البث المباشر للعملية من قصره فيمار-أيه-لاغو.
وقد عبر عن مشاعره لقناة فوكس نيوز، وقال: "لو رأيتم السرعةوالعنف، كما يسمونه... لقد كان عملا مذهلا، مذهلاً حقاً منهؤلاء. لا أحد غيرهم قادر على فعل شيء كهذا".
يرغب ترامب بل ويحتاج إلى انتصارات سريعة. خاصة بعدتصريحاته قبل توليه منصبه لولاية ثانية، حين تفاخر بأن إنهاءالحرب الروسية الأوكرانية سيتم في يوم عمل واحد.
فنزويلا، كما جاءت في تصريحات ترامب، كانت هي النصرالسريع والحاسم الذي كان يبحث عنه.
مادورو يقبع في زنزانة ببروكلين، والولايات المتحدة ستدير فنزويلا،وأعلن ترامب أن نظام الرئيس الراحل هوغو تشافيز، بقيادة رئيسجديد، سوف يسلم ملايين البراميل من النفط، وأنه - أي ترامب- سيسيطر على كيفية إنفاق الأرباح.
حدث كل هذا، حتى الآن على الأقل، دون خسائر في أرواحالأمريكيين، ودون الاحتلال الطويل لفنزويلا مثل هذا الذي تسببفي تداعيات جسيمة على الولايات المتحدة بعد غزو العراق عام2003.
في الوقت الراهن، على الأقل، يتجاهل ترامب ومستشاروه، علناًعلى الأقل، تعقيدات الوضع في فنزويلا. إنها دولة أكبر من ألمانيا،لا تزال تُدار من جانب نظام غير صديق.
بدلاً من ذلك، يستمتع ترامب بنشوة انتصار جيوسياسي. وبحسب تصريحاتهما أثناء وجودهما بجانبه في مار-أيه-لاغو،يبدو أن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، ووزير الحرب بيتهيغسيث، يشعران بنفس النشوة.
بل ويكرر المسؤولان الأمريكيان أن ترامب رئيس "يفي بوعوده".
وتحدث ترامب مباشرة لكولومبيا والمكسيك وكوبا وغرينلاندوالدنمارك، وطالب هذه الدول بأن تكون قلقة مما سيفعله لاحقاًوأين ستقوده شهيته بعد ذلك.
ترامب مولع بالألقاب. ما زال يلقب الرئيس الديمقراطي السابقباسم "جو بايدن النائم".
والآن يجرب اسما جديدا لمبدأ مونرو، الذي شكل ركيزة أساسيةللسياسة الأمريكية في أمريكا اللاتينية على مدى قرنين منالزمان. أعاد ترامب تسميته، باسمه "مبدأ دونرو" بدلا من "مبدأمونرو".
كشف جيمس مونرو، الرئيس الخامس للولايات المتحدة، عن المبدأالأصلي في ديسمبر 1823. وأعلن أن نصف الكرة الغربي هومجال نفوذ أمريكا، وحذر القوى الأوروبية من التدخل أو إنشاءمستعمرات جديدة.
لكن "مبدأ دونرو" الجديد، الذي أعلنه ترامب، يضيف قوةمضاعفة على رسالة مونرو التي مضى عليها 200 عام.
قال ترامب في مار-أيه-لاغو: "مبدأ مونرو مهم، لكننا تجاوزناهبكثير".
وأضاف: "في ظل استراتيجيتنا الجديدة للأمن القومي، لن يتمالتشكيك في الهيمنة الأمريكية في نصف الكرة الغربي مرةأخرى".
أي منافس أو تهديد محتمل، وخاصة الصين، عليه أن يبتعد عنأمريكا اللاتينية.
خيارات
في يوليو 2026 ، ستحتفل الولايات المتحدة بالذكرى الـ250 لتأسيسها. في عام 1796، أعلن أول رئيس أمريكي، جورجواشنطن، عدم ترشحه لولاية ثالثة بخطاب وداع لا يزال صداهيتردد حتى اليوم.
أصدر واشنطن سلسلة من التحذيرات بشأن علاقة الولاياتالمتحدة بالعالم.
وقال إن التحالفات المؤقتة في زمن الحرب قد تكون ضرورية، لكنينبغي على الولايات المتحدة تجنب التحالفات الدائمة مع الدولالأجنبية. وهكذا بدأت سياسة الانعزالية.
وفي الداخل، حذر واشنطن المواطنين من التعصب الحزبيالمفرط، مؤكداً أن الانقسام يشكل خطراً على الجمهورية الأمريكيةالفتية، في ذلك الوقت.
يعيد مجلس الشيوخ قراءة خطاب وداع واشنطن علنا كل عام،وهو تقليد لا يخفف من حدة الاستقطاب السياسي الحاد فيالولايات المتحدة.
وطوال 150 عاما حرصت الولايات المتحدة على تنفيذ تحذير جورجواشنطن بشأن مخاطر التحالفات المعقدة. بعد الحرب العالميةالأولى، انسحبت الولايات المتحدة من أوروبا وعادت إلى سياسةالانعزالية.
لكن الحرب العالمية الثانية جعلت من الولايات المتحدة قوة عالمية. وهنا تبرز عقيدة أخرى، أكثر أهمية بكثير لحياة الأوروبيين،استمرت حتى عهد ترامب.
بحلول عام 1947، اتسمت الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتيبالجمود. فقد أبلغت بريطانيا، التي أفلست جراء الحرب، الولاياتالمتحدة أنها لم تعد قادرة على تمويل الحكومة اليونانية في حربهاضد الشيوعيين.
وكان رد الرئيس الأمريكي وقتها، هاري ترومان، هو التزامالولايات المتحدة بتقديم الدعم، وقال إنه سيدعم "الشعوب الحرةالتي تقاوم محاولات إخضاعها من قبل أقليات مسلحة أو ضغوطخارجية". وكان يقصد بذلك التهديدات من الاتحاد السوفيتي أوالشيوعيين المحليين.
كانت تلك هي عقيدة ترومان. وقد أدت إلى خطة مارشال، التيأعادت بناء أوروبا، وتلاها في عام 1949 إنشاء حلف شمالالأطلسي (الناتو).
وكان دعاة التحالف الأطلسي في الولايات المتحدة، مثل هاريترومان وجورج كينان، الدبلوماسي الذي طرح فكرة احتواءالاتحاد السوفيتي، يعتقدون أن هذه الالتزامات تصب فيمصلحة أمريكا.
بذلك فقد تكون هناك صلة مباشرة بين مبدأ ترومان وقرار جوبايدن تمويل الحرب الأوكرانية.
كان مبدأ ترومان صورة كبيرة الأساس في العلاقة مع أوروبا،ولكن ترامب يعمل حالياً على تقويضها. لقد كان قطيعة حادة معالماضي. تجاهل ترومان تحذيرات واشنطن بشأن التحالفاتالدائمة المعقدة.
والآن، ينحرف ترامب عن إرث ترومان. وفي حال نفذ تهديدهبالاستيلاء على غرينلاند، وهي أرض دنماركية ذات سيادة، فقديدمر ما تبقى من التحالف عبر الأطلسي.
عالم تحكمه القوة
لخص ستيفن ميلر، مستشار ترامب المقرب والمُنظر المؤيد له،الموقف الحالي خلال شهر يناير 2026 على شبكة CNN، قائلاًإن الولايات المتحدة تعمل في عالم "تحكمه القوة، ويحكمه الإكراه،وتحكمه السلطة... هذه هي القوانين الثابتة للعالم منذ الأزل".
لا يمكن لأي رئيس أمريكي أن ينكر الحاجة إلى القوة. لكن منذعهد فرانكلين روزفلت، مرورا بترومان وجميع من خلفوهم وصولاإلى ترامب، كان رجال البيت الأبيض يعتقدون أن أفضل سبيلللقوة هو قيادة تحالف، ما يعني أن يكون هناك تعاون تقدم أشياءوتأخذ في المقابل أشياء أخرى.
لقد دعموا الأمم المتحدة الجديدة والجهود المبذولة لوضع قواعدتنظم سلوك الدول. وبالطبع، تجاهلت الولايات المتحدة القانونالدولي وانتهكته مرارا وتكرارا، ما ساهم بشكل كبير في تقويضفكرة النظام الدولي القائم على وجود قواعد.
لكن كل من سبق ترامب لم يريدوا محو فكرة أن النظام الدوليبحاجة إلى تنظيم، مهما كان معيبا وغير مكتمل.
والسبب في هذا التوجه هو العواقب الكارثية التي شهدها النصفالأول من القرن العشرين لحكم الأقوى، فقد اندلعت حروب عالميةخلفت ملايين القتلى.
لكن مزيج أيديولوجية ترامب "أمريكا أولا" ونزعته التجاريةالاستغلالية دفعته إلى الاعتقاد بأن حلفاء أمريكا يجب أن يدفعواثمن الحصول على امتياز دعمه لهم.
ويبدو أن كلمة "صداقة" مبالغ فيها. إن مصالح أمريكا، وفقاًللتعريف الضيق الذي وضعه الرئيس، تدفعها للحفاظ علىهيمنتها العالمية بالعمل منفردة.
يغير ترامب رأيه باستمرار، لكن يبدو أن الشيء الثابت هواعتقاده بأن الولايات المتحدة قادرة على استخدام قوتها دونرادع. يقول إن هذه هي الطريقة لجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى.
يكمن الخطر في أنه إذا استمر ترامب على نهجه، فسيعيد العالمإلى ما كان عليه في عصر الإمبراطوريات قبل قرن أو أكثر، عالمسعت فيه القوى العظمى، صاحبة النفوذ والسيطرة، إلى فرضإرادتها، كما قاد الحكام القوميون المستبدون شعوبهم إلى الهلاك.
برميل البارود
في الشرق الأوسط تتراكم الأزمات التي تنذر بجعلها مركزالانفجار المقبل.
تل أبيب وواشنطن تخططان لضرب إيران وتعديل نظامها ونزعسلاحها خاصة الصواريخ والطاقة النووية، وتسعيان لتقسيمسوريا ونزع سلاح حزب الله في لبنان وهنا تصطدمان مع تركياعضو الناتو التي لا ترحب بسقوط طهران وترى في قيام كيانكردي منفصل في سوريا تهديدا وجوديا. مصالح أنقرة في القرنالأفريقي مهددة من طرف تل أبيب.
الصورة في المنطقة مضطربة والتحالفات القائمة أو التي قدتتشكل مستقبلا قد تقود إلى مواجهة عالمية.
يوم 7 يناير 20265 قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إنالعالم اليوم دخل صراعا عنيفا على تقاسم النفوذ وأنه إذا لم تكنالدول مشاركة على الطاولة، ستتحول إلى الطرف الذي سيخضعللتقسيم.
وفي كلمة له خلال اجتماع الكتلة البرلمانية لحزب العدالة والتنميةالحاكم في أنقرة، لفت أردوغان إلى أن حكومته حملت أمانةالشعب التركي خلال عام 2025، رغم كثرة الصراعات والحروبوحالات عدم الاستقرار في مناطق واسعة من العالم.
وأكد أن تركيا قدمت امتحانا ناجحا للغاية في إدارة الملفاتالإقليمية والدولية، بدءا من الحرب الروسية الأوكرانية التي تدخلعامها الخامس، مرورا بالإبادة الجماعية في غزة، والهجمات التياستهدفت الجارة إيران، وصولا إلى الأزمة الإنسانية المتفاقمة فيالسودان.
وأشار إلى أن بلاده حافظت في الوقت نفسه على علاقات قويةمع الولايات المتحدة وأوروبا، وعززت تعاونها المتنامي مع دولالعالم التركي الناطقة بالتركية، كما استعرض موقف أنقرة منالعملية التي استهدفت قطر، إضافة إلى المضي قدما في خطةتركيا الخالية من الإرهاب، والقضاء على الإرهاب في الحاراتوالأزقة.
وشدد أردوغان على أن سلامة تركيا ومستقبل الشعب التركييبقيان دائما في صدارة أولويات الحكومة، معتبرا أن الغرب باتيخسر تباعا الحجج التي استخدمها لسنوات لتهديد دول أخرى.
وقال إن العالم الغربي يفقد واحدة تلو الأخرى المبررات التي كانيتكئ عليها في سياساته، مؤكدا أن العالم اليوم يقف في قلبصراع قاس على تقاسم النفوذ، ومشددا على أنه إذا لم تكنالدول مشاركة على الطاولة، فإنها ستتحول إلى الطرف الذي يتماقتسامه.
تحالف ثلاثي بسلاح نووي
أفادت وكالة "بلومبيرغ" للأنباء، يوم الجمعة 9 يناير 2026، بأنتركيا تسعى حاليا إلى الانضمام إلى اتفاقية الدفاعالاستراتيجي المشترك الموقعة بين باكستان والسعودية.
وذكرت "بلومبيرغ" نقلا عن مصدر مطلع رفض الكشف عن هويته،إنه من المرجح أن تختتم المحادثات التي وصلت إلى مرحلة متقدمةحاليا بتوقيع اتفاق.
يذكر أن السعودية وباكستان وقعتا في سبتمبر 2025 خلال زيارةرئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف إلى السعودية، اتفاقيةدفاع استراتيجي مشترك، تشدد مضامينها على أن أي هجومخارجي مسلح على "الرياض - إسلام آباد" يعد هجوما علىكليهما.
وقالت الوكالة في تقريرها "إن انضمام تركيا المحتمل سيمهدالطريق لتشكيل تحالف أمني جديد قد يغير موازين القوى فيالشرق الأوسط وخارجه".
وأضافت أن تركيا تفكر في الانضمام إلى الاتفاقية وسطتساؤلات حول مصداقية الولايات المتحدة، وتداخل مصالحهاالمتزايد مع مصالح السعودية وباكستان في جنوب آسيا والشرقالأوسط وإفريقيا.
وترتبط باكستان وتركيا بعلاقات عسكرية طويلة الأمد، حيثتتعاون الدولتان في عدد من المشاريع الدفاعية.
وتزود أنقرة البحرية الباكستانية بسفن حربية من طراز"كورفيت"، كما قامت بتطوير العديد من طائرات "إف 16" المقاتلةالتابعة للقوات الجوية الباكستانية.
وتسعى تركيا التي تشارك حاليا تقنيات الطائرات المسيرة معباكستان والسعودية، إلى إشراك الدولتين في برنامج طائرتهاالمقاتلة من الجيل الخامس "كآن".
الابتعاد عن واشنطن
بتاريخ 8 يناير 2026 كشفت مصادر باكستانية لوكالة "رويترز" أن باكستان والسعودية تجريان محادثات لتحويل نحو ملياريدولار من القروض السعودية إلى صفقة لشراء مقاتلات JF-17،لصالح الرياض والسودان.
وتعكس هذه المحادثات سعي الحليفين إلى تفعيل التعاونالدفاعي في وقت تواجه فيه باكستان ضغوطا مالية حادة، بينماتعيد السعودية صياغة شراكاتها الأمنية للتحوط من حالة عدماليقين المرتبطة بالتزامات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
وقال أحد المصادر إن النقاشات تركز على التزود بمقاتلات JF-17 ثاندر، وهي طائرة قتال خفيفة جرى تطويرها بشكل مشتركبين باكستان والصين ويتم إنتاجها داخل باكستان، بينما أكدالمصدر الثاني أن هذه المقاتلات تمثل الخيار الرئيسي من بينخيارات أخرى قيد البحث.
وأضاف المصدر الأول أن القيمة الاجمالية للصفقة تبلغ أربعةمليارات دولار، مع إنفاق ملياري دولار إضافيين على معداتأخرى فوق قيمة تحويل القروض.
في عام 2018، أعلنت الرياض عن حزمة دعم بقيمة ستة ملياراتدولار لباكستان، تضمنت وديعة بقيمة ثلاثة مليارات دولار لدىالبنك المركزي، الى جانب إمدادات نفط بقيمة ثلاثة مليارات دولاربنظام الدفع المؤجل.
ومنذ ذلك الحين، قامت السعودية بتمديد الودائع عدة مرات، منبينها تمديد بقيمة 1.2 مليار دولار عام 2025، ما ساعد إسلامأباد على استقرار احتياطياتها من النقد الأجنبي وسط ضغوطمزمنة في ميزان المدفوعات.
الحرب ضد إيران
يوم الأحد 11 يناير 2026 نقلت صحيفة وول ستريت جورنال عنمسؤولين أمريكيين قولهم إن الرئيس دونالد ترامب سيتلقى يومالثلاثاء 13 يناير إفادة من كبار المسؤولين في إدارته بشأنخيارات محددة للتعامل مع إيران.
وأضافت الصحيفة أن اجتماع ترامب المزمع مع هؤلاء المسؤولينسيناقش خطوات محتملة منها توجيه ضربات عسكرية ونشرأسلحة إلكترونية متطورة ضد مواقع عسكرية ومدنية إيرانيةوفرض المزيد من العقوبات على الحكومة الإيرانية وتعزيز المصادرالمناهضة للحكومة على الإنترنت.
وهدد ترامب مرارا في الأيام الماضية بالتدخل في إيران، وكتب فيمنشور على وسائل التواصل الاجتماعي يوم السبت “إيران تتطلعإلى الحرية، ربما بشكل لم يحدث من قبل. الولايات المتحدةالأمريكية تقف على أهبة الاستعداد للمساعدة!!!”.
وهددت إيران يوم الأحد بالرد من خلال استهداف إسرائيل وقواعدعسكرية أمريكية إذا وجهت لها الولايات المتحدة أي ضربات.
في هذه الأثناء أثار بعض المشرعين الأمريكيين من الحزبينالديمقراطي والجمهوري شكوكا عما إذا كان العمل العسكري معإيران هو أفضل نهج للولايات المتحدة في وقت تواجه فيه السلطاتالإيرانية اضطرابات متزايدة.
وترك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الأيام القليلة الماضيةالباب مفتوحا أمام إمكانية تدخل بلاده في إيران، حيث ألقىالحرس الثوري باللوم في أكبر احتجاجات مناهضة للحكومة منذسنوات على من وصفهم بإرهابيين وتعهد بحماية نظام الحكم.
لكن اثنين على الأقل من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي أبديالهجة حذرة خلال مقابلات تلفزيونية اليوم الأحد.
وقال السناتور الجمهوري راند بول على قناة إيه.بي.سي نيوز “لاأعرف إن كان قصف إيران سيحدث التأثير المقصود".
وأضاف بول والسناتور الديمقراطي مارك وارنر أن هجوماعسكريا على إيران قد يحشد الشعب ضد عدو خارجي بدلا منتقويض النظام.
وحذر وارنر في تصريحات تلفزيونية من أن الضربة العسكريةعلى إيران قد تهدّد بتوحيد الإيرانيين ضد الولايات المتحدة“بطريقة لم يتمكن النظام من القيام بها".
وأشار وارنر إلى أن التاريخ يظهر مخاطر التدخل الأمريكي،قائلا إن الإطاحة بالحكومة الإيرانية عام 1953 بدعم من الولاياتالمتحدة أطلقت سلسلة من الأحداث التي أدت تدريجيا إلى صعودالنظام الإسلامي في البلاد في أواخر السبعينيات.
يذكر أن مجلس الشيوخ الأمريكي صوت يوم الخميس 8 ينايرضد إقدام الرئيس ترامب على اتخاذ إجراءات عسكرية إضافيةفي فنزويلا دون موافقة صريحة من الكونغرس.
وجاء التصويت بنتيجة 52 صوتا مقابل 47، حيث انشق خمسةجمهوريين عن موقف حزبهم وانضموا إلى الديمقراطيينالحاضرين لدعم القرار.
ويمثل هذا التصويت توبيخا نادرا وملفتا للرئيس ترامب من قبلالمجلس التشريعي، خاصة وأن معظم أعضاء الحزب الجمهوريلا يزالون يدعمون العملية في فنزويلا. وكان الجمهوريون قدرفضوا عام 2025 قرارات مماثلة تهدف إلى تقييد الضرباتالأمريكية ضد أهداف مزعومة لنقل المخدرات قبالة سواحلفنزويلا، والتي أسفرت عن مقتل أكثر من 100 شخص.
وقاد القرار السيناتوران تيم كين (ديمقراطي من فرجينيا) وراندبول (جمهوري من كنتاكي)، بدعم من زعيم الأقلية الديمقراطيةتشاك شومر (نيويورك). يعتبر التصويت خطوة إجرائية تمهيدية،لكنه يشير إلى وجود دعم كاف في مجلس الشيوخ لتمرير القراربشكل نهائي. سيتعين بعد ذلك أن ينظر مجلس النواب في القرار،وقد أعلن البيت الأبيض أن الرئيس ترامب سيعترض عليه إذا ماتم تمريره.
وأثارت العملية الأمريكية في فنزويلا مخاوف بين بعض المشرعينمن كلا الحزبين من أن إدارة ترامب قد تفكر في إجراءات عسكريةضد غرينلاند ودول أخرى في أمريكا اللاتينية، كما اقترح الرئيسمن قبل.
وفي هذا السياق، أصدر السيناتوران ثوم تيليس (جمهوري مننورث كارولينا) وجين شاهين (ديمقراطية من نيو هامبشاير) بيانانادرا ثنائي الحزب ناشدا فيه ترامب "احترام سيادة وسلامةأراضي مملكة الدنمارك"، التي تضم غرينلاند.
وقال السيناتور كين إنه يخطط لتقديم سلسلة من قراراتصلاحيات الحرب تهدف إلى منع أي إجراءات عسكرية محتملةلترامب في غرينلاند والمكسيك وكوبا وكولومبيا ومواقع أخرى.
على الرغم من هذا التصويت، بدا معظم الجمهوريين راضين عنتبرير الإدارة للعملية في فنزويلا والخطة الأمريكية طويلة المدىهناك، وذلك بعد إحاطات قدمها كبار مسؤولي ترامب للمشرعينفي مبنى الكابيتول.
وصرح رئيس مجلس النواب مايك جونسون (جمهوري منلويزيانا) بعد إحدى هذه الإحاطات: "ليس لدينا قوات مسلحةأمريكية في فنزويلا، ونحن لا تحتل ذلك البلد".
إسرائيل في حالة تأهب
يوم الاحد 11 يناير 2026 ذكرت ثلاثة مصادر إسرائيلية مطلعةأن إسرائيل في حالة تأهب قصوى تحسبا لأي تدخل أمريكي فيإيران.
ولم توضح المصادر، التي كانت حاضرة في المشاورات الأمنيةالإسرائيلية خلال مطلع الأسبوع، ما الذي يعنيه رفع إسرائيلدرجة التأهب عمليا. وخاضت إسرائيل وإيران حربا استمرت 12 يوما في يونيو 2025 الحقت اضرارا جسيمة بإسرائيل مما دفعهاإلى طلب وقف اطلاق النار قبلته طهران التي انتقدها العديد منالمحللين والخبراء لأنها قبلت وقف القتال في كانت على وشكالحاق نكسة عسكرية بتل أبيب.
وقال مصدر إسرائيلي مطلع إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنياميننتنياهو ووزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ناقشا في مكالمةهاتفية يوم السبت إمكانية تدخل الولايات المتحدة في إيران. وأكدمسؤول أمريكي أن روبيو ونتنياهو تحدثا لكنه لم يفصح عنالمواضيع التي ناقشاها.
ومنذ يونيو 2025 تهدد إسرائيل بشن حرب على إيران وتطلب منواشنطن مشاركتها بهدف تدمير برامج إيران النووية والصاروخية.
وفي مقابلة مع مجلة ذا إيكونوميست نشرت يوم الجمعة، قالنتنياهو إن إيران ستواجه عواقب وخيمة إذا هاجمت إسرائيل.
خامنئي يرد
يوم الاثنين 12 يناير رد المرشد الإيراني علي خامنئي علىتهديدات الرئيس الأمريكي ترامب وخطابه التصعيدي ضد إيرانبوصفه حاكما مستبدا ومغرورا، والتلويح بسقوطه على غرار طغاةالتاريخ مثل فرعون ونمرود.
وعبر خامنئي عن هذا الموقف بنشر صورة لتمثال لترامب علىهيئة مجسم فرعوني محطم.
وكتب خامنئي بالفارسية تعليقا على الصورة، "ذلك الأب الذييجلس هناك متكبرا مغرورا، ويحكم على العالم كله، عليه أن يعلمهو أيضا أن المستبدين والمتغطرسين في العالم، مثل فرعونونمرود ورضا خان ومحمد رضا وأمثالهم، عادة ما سقطوا عندماكانوا في قمة غرورهم وهذا أيضا سيسقط، مثل فرعون".
ويوم الاثنين، دعت الحكومة الإيرانية إلى تظاهرات مضادةللاحتجاجات، وأعلنت الحكومة الإيرانية حدادا وطنيا لمدة 3 أيامعلى أرواح ضحايا الاضطرابات. وحملت القيادة الإيرانية كلا منالولايات المتحدة وإسرائيل مسؤولية تأجيج هذه الاضطراباتوتصف المتورطين بأنهم "إرهابيون".
تحدي أفريقيا
يوم الأحد 11 يناير أفادت صحيفة "بوليتيكو" بأن إفريقيا تحدتالرئيس الأمريكي ترامب متوحدة في إدانة اعتقال الزعيمالفنزويلي نيكولاس مادورو.
وأضافت الصحيفة أنه "على الرغم من تحذير الرئيس الأمريكيبضرورة "الطاعة" وهو تحذير مصحوب بتلميحات ساخرة حولغارات مستقبلية محتملة قد تستهدف كوبا وكولومبيا والمكسيك،فقد برزت قارة إفريقيا متوحدة في تحديه".
وأوضحت أن "إفريقيا ووحدتها بشأن اعتقال مادورو تتناقضبشكل صارخ مع رد الفعل المتباين من أمريكا اللاتينية، فضلا عنردود الفعل المراوغة إلى حد كبير من أوروبا".
وأشارت إلى أن اعتقال مادورو "أدين على نطاق واسع من قبلالدول الإفريقية والمنظمات الإقليمية الكبرى، بما في ذلك المجموعةالاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس) والاتحاد الإفريقي. كماأن القادة الأفارقة لا يستسيغون النهج الأوروبي المراوغ والحذر".
وأعربت وزارة الخارجية الروسية عن تضامنها مع الشعبالفنزويلي، ودعت إلى إطلاق سراح مادورو وزوجته، ومنع تصعيدالموقف. فيما دعت بكين، إلى الإفراج الفوري عن مادورو وزوجته،مؤكدة أن تصرفات الولايات المتحدة تنتهك القانون الدولي. كماانتقدت وزارة الخارجية الكورية الشمالية تصرفات الولاياتالمتحدة.
عمر نجيب









